الرئيسية | مقالات | الخدعة

الخدعة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الخدعة

المفاجأة التي واجهت رئيس قسم الجراحة، في مستشفى قصر العيني، في منتصف عام 1973م، جاءت عبر كلمات التقرير، الذي وصله من المعامل المركزية لوزارة الصحة..

لقد جاء التقرير، مؤكدا وجود ميكروب التيتانوس في المستشفى..
وفي أخطر قسم فيها..
قسم الجراحة..

ولما كان ظهور هذا الميكروب أمرا بالغ الخطورة، وخصوصا في أقسام الجراحة، حيث الجروح والدماء أمر حتمى، صدر قرار من وزير الصحة فور معرفته بالنتيجة بإغلاق قسم الجراحة في أعرق مستشفيات مصر، حتى يتم تطهيره..

ولأن الميكروب الخطير يمكن أن ينتشر في أقسام أخرى من المستشفى، بدأت عملية إخلاء باقي أقسام المستشفى، وسط ضجيج إعلامي كبير، وصف الأمر بأنه فضيحة طبية على كل المستويات..

وكرد فعل طبيعي، تداولت الصحف أمر الفضيحة التي صارت أكبر من أن يمكن إخفاؤها، وتعالت المطالبات بمحاسبة المسئولين، وإقالة وزير الصحة..

ووسط كل هذا الضجيج، ظهر ميكروب التيتانوس في مستشفى الدمرداش، ثم في مستشفى الجلاء، ثم وهو الأخطر، في مستشفى المعادي العسكري..

وتعالت الأصوات الغاضبة أكثر..
وأكثر..
وأكثر..

ورصد العدو تلك الفضيحة المدوية، دون الحاجة إلى جواسيسه..
رصدها من صحفنا..
وإعلامنا..
ومما تناقلته وكالات الأنباء العالمية..

رصد، وافترض كغيره، أن ما يحدث في مستشفيات مصر هو دلالة أكيدة على حالة الإهمال العام، التي تفشت في المجتمع المصري، وراحت تلتهم مؤسساته، واحدة بعد الأخرى..
رصد..

وحلل..
وسخر..
واطمأن..
ولكنه أبدا لم يفهم..

وفي نفس الوقت، الذي بدأت فيه عملية إخلاء المستشفيات، واحدة بعد الأخرى، تفاديا لانتشار الميكروب القاتل بين المرضى، كانت التقارير المخابراتية للعدو الإسرائيلي تتحدث عن الإهمال المصري، الذي يؤكد لها أن مصر لا يمكن أن تخوض حربا، وهي مهلهلة إلى هذا الحد..
ثم اندلعت الحرب..

وباغتت العدو..
ومع اندلاعها، كانت معظم مستشفيات مصر خالية، نظيفة، مستعدة لاستقبال الجرحى والمصابين..
عندئذ فقط فهم العدو اللعبة..
لعبة السرية العلنية..
وخداع المنطق.

ومن هذا المنطلق، استوعبت مادة التنمية الذهنية إشكالية المنطق..

والواقع أن خداع المنطق لم يقتصر على هذا، في حرب أكتوبر 1973م..

فقبيل الحرب بأيام، لعب الرجال على منطق العدو..
وعلى نحو بالغ البراعة..

فقبيل الحرب مباشرة، حملت الصحف القومية المصرية مجموعة من الأخبار، توجهت كلها نحو منطق العدو..

صورة عادية، نشرت للرئيس السادات وقادة القوات المسلحة..

صورة التقطها الخبراء النفسيون للعدو، وفحصوا كل الوجوه بها، ثم خرجوا بنتيجة بدت لهم منطقية تماما..

فالوجوه كلها، للرئيس وقادته، كانت توحي بالهدوء والاسترخاء..

استرخاء من لا يستعدون أبدا لشن الحرب..

ولم يدر خبراء العدو أن الصورة التي نُشرت، كانت واحدة من أكثر من مائة صورة، تم التقاطها للرئيس وقادة الجيش..

وكلها صور قام خبراء التحليل النفسي المصريون بدراستها لساعات طوال، قبل أن يختاروا منها تلك الصورة التي نُشرت في الصحف..

هذا لأنهم كانوا يعلمون أن خبراء العدو سيفحصون الصورة..
وسيتعاملون معها بالمنطق..
ولهذا، فقد خدعوا المنطق..
وغلبوه..
وهزموه..

خبر آخر في الصفحة الثالثة من صحيفة قومية، تعلن فيه القوات المسلحة المصرية عن فتح باب عمرة رمضان، لضباط وضباط صف القوات المسلحة..

ومنطقيا، لم يكن من الممكن أن تقدم القوات المسلحة على هذا، لو أنها مقدمة على الحرب..
لذا فقد اعتمد العدو على المنطق..
وانهزم المنطق..
وانخدع..

وخبر ثالث عن زيارة متوقعة للأميرة الإنجليزية مارجريت إلى مصر، في السابع من أكتوبر، عام 1973م..

وبالفعل، حضر بعض رجال المخابرات البريطانية إلى مصر، واجتمعوا برجال المخابرات العامة لتنسيق الزيارة، وتحديد خطوط سيرها..

ولقد تعاون معهم الرجال بكل إخلاص، على الرغم من علمهم بأن الزيارة لن تحدث قط، لأن الحرب ستندلع قبل موعد الزيارة بساعات..

ولكن العدو رصد هذا..
وتعامل معه بالمنطق..
فانخدع..

خبر رابع تم نشره، عن زيارة متفق عليها، لقائد القوات الجوية إلى ليبيا، في الخامس من أكتوبر..

وبسبب عطل في الطائرة، تم تأجيل الزيارة -التي استعد لها الليبيون بالفعل- إلى السابع من أكتوبر..

وبالنسبة إلى أي منطق عسكري، من المستحيل أن تنشب الحرب، وقائد القوات الجوية خارج البلاد..

ولأن العدو قد استخدم المنطق في حساب هذه الأمور والتعامل معها، فقد خسر اللعبة..
انخدع منطقه..

واختلّت حساباته..
وخسر..
فما الذي نصل إليه من كل ما سبق؟!
أن المنطق ليس الوسيلة المثلى للحكم على الأمور..
أي أمور..
فالمنطق يمكن خداعه..
وتمكن مراوغته..
ويسهل إفساده..
وتسهل أكثر إعادة توجيهه..
وهذه هي إشكالية المنطق..
وهذا سر تعارضه مع علم التنمية الذهنية..
ومرة أخرى نؤكد أن المشكلة ليست في المنطق..
ولا في قوانينه الثلاثة الحاكمة..
المشكلة فينا نحن..
في المعطيات الأساسية..
والمعلومات الناقصة..
والتحيّز الأعمى..
أو حتى التحيّز المعتدل..
المشكلة ليست في علم المنطق..

وهذا ينقلنا إلى حالة أخرى، يتعامل معها علم التنمية الذهنية..
حالة نطلق عليها اسم "الحكم قبل المداولة"..
أما بالنسبة إلى ما يعنيه هذا، فـ...
فلهذا حديث آخر.

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (4 منشور)

avatar
البطل 01/03/2013 02:34:54
ارجو ان تستمر على هذا النوع من المقالات د. نبيل ولا تتجه للكتابات السياسيه التى قد تفقدك محبيك
avatar
Grzegorz 03/08/2014 21:23:25
Big help, big help. And sutivlapere news of course.
avatar
Geraldo 04/08/2014 14:52:48
Now we know who the <a href="http://sowcfavv.com">seisbnle</a> one is here. Great post!
avatar
Bruno 06/08/2014 17:12:45
<a href="http://utiicbbe.com">Alrgiht</a> alright alright that's exactly what I needed!
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال