الرئيسية | مقالات | للديكتاتورية وجوه كثيرة

للديكتاتورية وجوه كثيرة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
للديكتاتورية وجوه كثيرة

الديكتاتورية مصطلح اختصره الناس فى حكم الفرد فحسب، باعتبار أنه عندما يملك فردا واحدا كل السلطات، ويحكم كل مؤسسات الدولة، دون آليات تحكمه، وتمنعه من التغوّل على مقادير الدولة، فهو يخضع تلقائيا للقاعدة التى تقول: «السلطة المطلقة مفسدة».. وهذا لأن النفس أمّارة بالسوء، وهى بطبعها أنانية، تنشد صالحها وحده، ولهذا كانت الشرائع وكانت القوانين، لتحد من نزعات النفس، وتمنعها من تجاوز حدودها وحقوقها، والجور على حقوق الآخرين.. ومشكلة النفس البشرية الكبرى، هى أنها خاضعة دوما للهوى، ولما ترى أنه صالحها، ولهذا كان الرسل والعظماء والمفكرون هم من يمتلكون القدرة على جهاد النفس، والتجرّد من الغايات، ومن الهوى، والنظر بحكمة وسمو، إلى ما فيه صالح البلاد وخير العباد.. ولو أنك راجعت كل حرف من سيرة كل الأنبياء لما وجدت واحدا منهم لجأ إلى إجبار الناس حتى على اتباع رسالته، ولا واحدا منهم قهر الحرية، أو قمع العباد، ولو حتى باسم الدين، على الرغم من أن غايتهم كانت أعظم وأنبل غاية، وأكثرها سموا بالنفس والروح... أما البشر، فهم دوما يتخذون سبيل القهر والإجبار والتعسّف، ومنهم من يدّعى أنه يفعل هذا باسم الحرية، وهو يدوس كل الحريات، ومنهم من يهدر الكرامة الآدمية مناديا بالكرامة، ومنهم حتى من يخالف الدين، ويقهر ويتجبّر ويتكبّر.. وباسم الدين!!!... والديكتاتورية ليست بالضرورة فى حكم الفرد، بل قد تكون فى حكم جماعة، تربطها مصالح مشتركة، ورؤية واحدة، ترى (من منظورها) أنها الرؤية الصحيحة، وترفض أن يرى غيرها غير ما تراه، وتكره أن تسمع من يقول غير ما تقول... بل وتعادى كل من يفكّر، ليس كما تفكّر.. وفى سبيل هذا، ولو امتلكت تلك الجماعة السلطة، ولو ليوم واحد، فهى تجنّد كل ما بيدها من سلطة، لتسييد فكرها، وقمع معارضيها، وقهر مخالفيها، وتحطيم خصومها... وهذه هى قمة الديكتاتورية.. وذروة الفساد السياسى، وهاوية الحكم.. أى حكم.. وكل ديكتاتورية نشأت فى التاريخ كانت تؤمن بأنها تسعى إلى هدف عظيم، وتمنح نفسها، باسم هذا الهدف وتحت رايته، كل حقوق التجاوز والجبروت والقهر والتعذيب والقمع.. حتى القتل!!.. وكل ديكتاتورية هوت وبادت واندثرت فى التاريخ، تصوّرت أنها أبدا لن تسقط ولن تندثر، وأنها بما تسعى إليه من هدف منيعة قوية لا قِبل لأحد بها.. وكل ديكتاتورية انهزمت وانسحقت وانمحت من الوجود فى التاريخ، انهزمت وانسحقت وانمحت، لأنها لم تحترم قيمة الحرية، ولم تدرك أهمية المعارضة، على الرغم من أن كلمة (لا) هى التى صنعت كل تطوّر عرفته البشرية، وكلمة (نعم) هى التى صنعت كل تخلّف وجمود عرفه التاريخ.. ففى كل مرحلة من مراحل التاريخ، وبينما الشعوب تحيا على وتيرة واحدة، وحالة من الجمود الحضارى والسكون فى الموضع، ظهر شخص يقول (لا)... وحاربه الكل فى استماتة، وقاتلوه، واضطهدوه، وعذّبوه.. وربما قتلوه.. ولكن (لا) التى قالها حرّكت البركة الراكدة، وصنعت قفزة فى الحضارة البشرية، وصعدت عدة درجات، فى سلم التطوّر.. والتاريخ يحفظ أسماء من قالوا (لا) فى أعظم صفحاته العطرة، أما من ظلوا يقولون (نعم)، وجمدوا فى أماكنهم وأفكارهم، فإما أن التاريخ لم يذكرهم من الأساس، وإما أنه ألقاهم فى مزبلته، وإما أنه وضعهم فى صفحاته المهترئة، ذات الرائحة الآسنة.. حتى الدين نفسه يدعونا إلى أن نقول لا.

***

للديكتاتورية مظاهر، يراها كل ديكتاتور باعتبارها ضروريات، لا بد أن تتم، حتى يحقَّق ما يريده هو، لأنه دومًا يعتبر نفسه وصيًّا على الناس، ويرى صالحهم أكثر مما يرونه، ولأنه ديكتاتور، فهو دائم الحديث عن الحرية التى يقمعها، والديمقراطية التى يسىء التعامل بها، والأمجاد التى تملأ رأسه، فإذا ما عارضه أحد، فهو خائن وعميل، ومتواطئ، ويريد خراب البلد!! ولأنه ديكتاتور، فهو مهما قال، ومهما صرخ وهلَّل واستخدم العبارات الرنّانة، والخطب الحماسية، فالناس تستمع إليه، وفى ذهنها مثل شهير يقول «أسمع كلامك أصدّقك، أشوف أمورك أستعجب».. ولأنه ديكتاتور، فهو لا يتورَّع عن الإساءة إلى خصومه، وإدانتهم بما لم يفعلوا، والتنكيل بهم وقمعهم، إن لم يرتدعوا.. وكل هذا يفعله باعتباره يحمى البلاد والعباد!! ولأنه ديكتاتور، فهو حتمًا سيسقط فى النهاية، وإن طال الزمن.. ولكن ما من ديكتاتور فى التاريخ، رأى نفسه فى مرآته على حقيقته، أو اعترف بأن ما يقوم به هو الديكتاتورية المطلقة، بل يحاول دومًا خداع نفسه قبل خداع الآخرين، وإيهام نفسه التى استسلمت لأمر السوء، بأنه إنما يتجبَّر ويتكبَّر ويظلم ويقهر ويذل ويعذِّب، ويقتل أحيانًا، فى سبيل هدف أسمى، لا ينبغى أن يقف أمامه شىء.. وربما كان هذا ليرضى ضميره، أو يخرس لذعاته، أو يوقف ذلك الجزء الآدمى فى ذاته، التى خلقها المولى عزّ وجلّ على فطرتها، فأفسدها هو بالمطامع، واستسلم بها لشيطان السطوة، وشهوة السلطة.. وكل ديكتاتور لا يرى نفسه كديكتاتور، حتى بعد سقوطه، ويتصوَّر دومًا أن مَن أسقطوه مأجورون مدفوعون، يعملون بتمويل وتخطيط خارجى، وليس بأنهم أسقطوه بسبب جبروته وتكبّره وتجبّره وظلمه!! حتى الظلم لا يراه ظلمًا، وهو يرتكبه بدم بارد، لأن مفهوم الحق والعدالة عنده يختلف، ويصبح كل ما فى صالحه عدالة، أيًّا كان، وأيًّا فعل، وأيًّا ارتكب!! والديكتاتورية السياسية أمر مرّت به كل الشعوب، حتى تلك التى علت فيها اليوم قيمة الحرية، وأدركت بنظمها وشعوبها، أنه ما من تطوّر أو نجاح بلا حرية.. كل شعوب الأرض تقريبًا مرّت بمرحلة مأساوية من الديكتاتورية، وكل الشعوب الحرة قاومتها لسنوات وسنوات.. ومن أجل الحرية اندلعت حروب، مات فيها الملايين، وأُريقت فيها أنهار من الدم، وقاتل فيها المستبدون بكل الوحشية والعنف والشراسة، ولم يتورَّعوا خلالها عن تعذيب وحشى، وقتل حيوانى، وتدمير للمنشآت والأفراد، وتدمير حتى كيان دول بأكملها.. ولكن التاريخ أكّد حقيقة واحدة، عبر صفحاته الطويلة.. الحرية دومًا تنتصر، والقمع دومًا ينهزم.. وإن طال الزمن.. والعجيب أن أكثر الديكتاتوريات، التى توحَّشت، وارتكبت أفظع المجازر، وكانت رمزًا للقمع الوحشى وانعدام الضمير فى التاريخ، هى الديكتاتوريات التى تنشأ باسم الدين، على الرغم من أن كل أديان الأرض مصدرها الرحمن الرحيم الحكم العدل، الذى أمر فى كتابه العزيز بالدعوة إليه عبر سبيل واحد لا غير.. الحكمة والموعظة الحسنة.. وعلى الرغم من أن المنتقم الجبار المعز المذل قد حذَّر من أننا لو كنا أفظاظًا غلاظ القلب، لانفض الناس من حولنا!! الأديان كلها تدعو إلى الرحمة والتسامح، والذين يصرخون باسم الدين دومًا يهددون ويتوعّدون ويحمّرون العيون، ويعقدون الحواجب، على نحو فظ غليظ القلب!! ومن أعجب الأمور أنهم يخالفون ما أمر به الواحد الأحد، باسم الواحد الأحد، وينتظرون أن يرضى عنهم الواحد الأحد!!

***

قال أحد الحكماء قديمًا «لا يمكنك أبدًا أن تقنع شخصًا بأمر يتعارض مع مصالحه، مهما كان هذا الأمر صحيحًا أو عادلًا».

وكل مرحلة من التاريخ تثبت صحة هذه المقولة، وبالذات المراحل التى ارتبطت بالديكتاتورية.. فلا الديكتاتور، ولا مَن لهم مصالح وطموحات وأحلام، وحتى أوهام ترتبط بوجوده، سيَقنَعون أبدًا بأنه على خطأ، ولا حتى بأنه ديكتاتورى النزعة والقرار والتصرّفات، ما دام هذا يتَّفق مع مصالحهم ونزعات أنفسهم.

وربما مع همسات الخوف فى أعماقهم.. بل إنهم سيعملون على المبالغة فى تأييد كل قرار يتّخذه، مهما كانت ديكتاتوريته، ومهما شمل من قمع وترويع، وحتى لو لجأ إلى تعذيب البشر، أو إزهاق الروح، وقتل النفس، التى حرّم الله سبحانه وتعالى قتلها إلا بالحق.. ولأن مصالحهم ترتبط بمصالحه ووجوده وبقائه، سيُلبسون الباطل ثوب الحق، لتبرير كلمة «إلا بالحق»، التى وردت فى الآية الكريمة، وبالتبرير سيدفعونه نحو المزيد والمزيد من الديكتاتورية، ولن يسمع منهم سوى كلمة «نعم»، لأن «لا»، حتى ولو كانت هى الحق، قد تعرّضهم لخسارة مكاسبهم، وضياع مصالحهم معه وفى وجوده.. ولهذا فعندما جاء الحديث الشريف ليطالب الناس بنصرة أخيهم ظالمًا أو مظلومًا، شَرَط هذا بأن يمنعوه عن الظلم إذا ظلم، لا بأن يعاونوه على الظلم.. أى أن ديننا يدعونا إلى قول «لا» رضوانا للمولى عزّ وجلّ، وطاعة له سبحانه، وتطلّعًا إلى جنّته جلّ جلاله.. ولكن المشكلة هنا تنحصر فى الفارق بين ما أستطيع أن أفعل، وما ينبغى أن أفعل.. فالبلطجى، أىُّ بلطجى، يستوقف الناس بالقوة، للاستيلاء منهم على ما لا يحق له الحصول عليه، يفعل ما يستطيع أن يفعل، أما الشخص الذى يجاهد نفسه، ويقاوم نزعاتها، ويقاتل شهوتها للسلطة والسطوة، فهو يفعل ما ينبغى أن يفعل.

راجعوا تاريخ الأنبياء والمرسلين والصحابة وكل عظيم عرفه التاريخ، وستجدون أن القاسم المشترك بينهم، مع اختلاف مقاماتهم، يعود إلى أن كلا منهم قد فعل ما ينبغى فعله، وليس ما يستطيع فعله.. ولكنها الشهوة والسلطة والتكبّر والجبروت، والتى تُنسِى البعض أنهم مجرّد تراب، سيكون نهايتهم على الأرض، لا فرق بينهم فى هذا، وبين أى جرذ صغير.. الكل جاء من التراب، وإلى التراب سيعود.. والديكتاتورية وإن طالت، ستنتهى أيضًا إلى تراب تذروه الرياح، أو تبول عليه الإبل، لا فارق فى هذا بين ملك الملوك، وإمبراطور الأباطرة، وأجهل جهلاء الأرض وأقلهم شأنًا، أو أدناهم مقامًا.. فلماذا الديكتاتورية والجبروت والتكبّر والمشى فى الأرض مرحًا؟! الله المعز المذل لا يحب كل مختال فخور، حتى ولو أفتى البعض بأنه من حقك أن تختال وتفخر بأنك أكثر إيمانًا من غيرك، خصوصًا أن العزيز الحكيم وحده مَن يعلم مَن الأكثر إيمانًا، ومَن الأكثر غضبًا، ومن الأكثر غِلًّا.. وحتى لا تخسر دنياك، وأنت تتصوّر أنك تربحها، فما عليك إلا أن تختلى بنفسك، كلما كان عليك القيام بأمر ما، أو تأييد أو رفض أمر ما، لتسأل نفسك: أهو الهوى والغضب والغِلّ والخوف، أم هو الحق والعدل، وابتغاء وجه الله العلى العظيم، دون ابتغاء متاع الدنيا، من سلطة وسطوة وقوة ونفوذ؟! سَلْ نفسك، بينك وبين نفسك، واتّبع قاعدة مهمة، ذات ثلاث خطوات: اصمت، فكّر، ثم افعل.. وعندئذ ستعلم فى قرارة نفسك.. أهو الحق فعلًا أم ديكتاتورية؟!

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (1 منشور)

avatar
hassan 27/02/2013 06:20:19
كلام فعلا صحيح ولا غبار عليه والاخوة اللى بتهاجمك محدش بيشوف كلامهم السفيه الا فى الحاجة اللى بيلاقى ليها مدخل غير مقنع ولكن مقنع من وجه نظره لكى يهاجمك يادكتور لانك تقول الحق ضد حزب يتبعه ويناصره ويتبعه
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال