الرئيسية | مقالات | بينى وبينك.. تفتكر مين الغلطان

بينى وبينك.. تفتكر مين الغلطان

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
بينى وبينك.. تفتكر مين الغلطان

(مصر) تشتعل ...
 
العنف فيها يتزايد ...
 
الغضب يتضاعف ...
 
التمرَّد يعلو ...
 
والشرطة تقاوم فى عنف مضاد، وبغلو يفوق الوصف ...
 
والدماء تسيل ...
 
والشهداء يتساقطون من الجانبين ...

والحكومة لا ترى الأمور، إلا من نفس الجانب، الذى كانت تراه منه حكومات ما قبل الثورة ...
 
والصحافة الحكومية تتعامل، تماماً كما كانت تتعامل، في عهد النظام السابق ..
 
ومؤسسة الرياسة لا تحاول تهدئة الأمور، بل تهدَّد وتتوعَّد، وتسعى لإصدار قوانين وقرارات قمعية، وكأنها لم تتعلمَّ درساً ممن سبقها ..
 
وجماعة الإخوان المسلمين تتعامل مع الموقف، على نفس النحو، الذى كانت تتعامل به النظم السابقة معها ...
 
والمرشد العام للجماعة يتعامل مع الغاضبين فى ازدراء وتعال ...
 
والجيش يقف على حذر، خاشياً أن تدخل البلاد فى نفق مظلم، وتنقلب فيها الأمور إلى حرب اهلية، تقود الوطن كله إلى خراب ...
 
وقيادات الإخوان تصدر تصريحات استفزازية قاسية ...
 
وخيرت الشاطر يهدَّد باستخدام السلاح، ويدعو شباب الإخوان إلى الشهادة، وكأنه يخوض حرباً ضد (إسرائيل)، وليس خلافاً مع بنى وطنه ...
 
وفنادق الدرجة الثانية والثالثة فى وسط (القاهرة)، تشهد كثافة غير مسبوقة، لنزلاء من شباب (غزة)، وأعضاء حركة (حماس) وكتائب (القسَّام) ...
 
وهذا يستفز الشعب الغاضب أكثر وأكثر، فيتزايد العنف، ويعلو التمرَّد ...

و(مصر) تشتعل ...
 
وتشتعل ...
 
وتشتعل ...
 
وفى كل الأذهان، يطرح سؤال واحد نفسه: ترى من المخطئ ؟!
 
من المتسبَّب في كل هذه الفوضى ؟!...
 
من ؟!...
 
والجواب عن هذا السؤال، يحتاج إلى العودة بالأمور إلى البداية ...
 
بداية الثورة ...

ففى يناير 2011م، كان خصوم اليوم مازالوا حلفاء ...
 
تحالفوا إسقاط النظام السابق، وقضوا أياماً معاً فى الميدان، يأكلون من طبق واحد، ويشربون من وعاء واحد، وينامون فى خيمة واحدة ...
 
هذا لأن الهدف كان واحداً ...
 
وعندما تحوَّلت الأمور إلى العنف، لم يصفها أى منهم بأنها أعمال بلطجة أو شغب ...
 
كلهم رأوا – حينذاك – أن ما يحدث هو تعبير عن الغضب؛ لأن النظام السابق صم أذنيه عن مطالب الغاضبين والثائرين، ولم يخرج ليتحدث إليهم، أو يحاول تهدئتهم ...

ثم سقط النظام، ودخلت البلاد فى حالة جديدة، تبحث فيها عن حياة أفضل، ونظام جديد، يمنحها ما افتقرت إليه، فى عهد النظام السابق ...
 
نظام يمنحها الحرية والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية ...

وهنا ظهر الإخوان، مانحين الناس الامل، فى ان يأتوا لهم بكل ما يحلمون به، ويحققوا لهم أهداف الثورة، التى من اجلها أريقت دماء أولادهم وأوتهم وأخوانهم ...

ولأن المرحلة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وضعت الناس أمام خيارين شديدى الصعوبة، بين مرشح إخوانى لا يعرفونه، ومرشح ينتمى إلى النظام السابق، فقد اندفع الكثير منهم بمشاعرهم وانفعالاتهم؛ لتأييد مرشح جماعة الإخوان المسلمين، الذى لا يعرفون الكثير عنه؛ فقط حتى لا يربح مرشح النظام السابق، وليس تأييداً واقتناعاً بمرشح جماعة الإخوان ...
 
وفاز مرشح جماعة الإخوان، وصار رئيساً منتخباً ...
 
أوَّل رئيس منتخب عقب الثورة ...

وتصوَّر الناس أيامها أن مرحلة الاستقرار قد بدأت، وخاصة بعد أن أقسم الرئيس المنتخب على احترام الدستور والقانون، وتبوأ منصبه، بناءً على هذا القسم ...
 
وهدأت النفوس نسبياً، حتى أن من يعارضون جماعة الإخوان وفكرها، بدأوا يقنعون أنفسهم بضرورة منحهم الفرصة؛ فربما كانوا أفضل مما يتصوَّرون ...
 
ولكن الرئيس المنتخب، المفترض منه أن يكون أوَّل حامى للشرعية، فاجأ الشعب بقرار مخالف لكل القوانين والدساتير، بإعادة مجلس الشعب المنحل بحكم القانون، وبحكم أعلى محكمة دستورية فى البلاد، ضارباً عرض الحائط بكل ما أقسم على احترامه، وبكل قانون ودستور، ومقدماً على مالم تقدم عليه أشد النظم ديكتاتورية وظلماً ....
 
وكانت البداية ...

بداية كل ما تشهده البلاد الىن من غضب، وثورة، وفوضى ...
 
الكل أصيب بالصدمة والهلع، وأدركوا أن الآمال، التى حاولوا بثها فى أنفسهم، لم تكن حقيقية، أو حتى قريبة من الحقيقة ...
 
فالرئيس المنتخب، الذى يصرخ من حوله دوماً بشرعيته، داس على كل شرعية فى البلاد، فى أوًَّل قرار يتخذه ..
 
داس على القانون ...
 
والمحكمة الدستورية ..
 
والدستور ..
 
وعلى الشعب نفسه ..

ولكن الامل عاد يتسلَّل رويداً إلى النفوس، عندما وقفت المحكمة الدستورية فى وجه قرار الرئيس غير القانوني وغير الدستورى، وانتصرت للقانون، وأصرَّت على عدم عودة مجلس الشعب المنحل..

ولكن شهوة الرئيس وجماعته إلى السلطة، كانت قد تملَّكت من نفوسهم، كما تتملك شهوة  الافتراس من النمر، فور أن يذوق الدماء ...
 
وبدلاً من احترام الدستور والقانون، امتلأت نفس الرئيس وجماعته بالغضب من المحكمة الدستورية، ومن قضاء (مصر)، الذى يحملون له ثأراً فى أعماقهم، منذ كان يلقيهم فى السجون، فى أيام حكم النظام السابق ...

الشئ الذى لم يدركوه، فى غمرة غلهم وغضبهم، ورغبتهم العمياء فى الثأر والانتقام، هو أن القضاة، فى أى عصر وزمان، لا يملكون إصدار الاحكام، عبر الهوى الشخصى، ولا عبر نزعات النفس، ولا حتى عبر أوامر تأتيهم من أى نظام ..

إنهم يصدرون الأحكام، فقط عبر قوانين صادرة عن الدولة، ومقرَّة عبر  مجالسها النيابية الشرعية...

وربما لهذا، ولأن القضاة لا يخضعون لأحد، قام النظام السابق بتحويلهم إلى المحاكمات العسكرية وليس المدنية ..
 
وبدلاً من أن ينشغل الرئيس، وتنشغل جماعته بإعادة بناء (مصر)، وبوضع الخطط للنهوض بها وباقتصادها، والسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية بين شعبها، وضع الرئيس وجماعته نصب أعينهم هدفاً واحداً لا غير ...
 
الانتقام من القضاء ..
 
ومن المحكمة الدستورية ..
 
ومن النائب العام ..

الانتقام ... ولانتقام وحده، صار هدفهم الاسمى؟، ولا شئ سواه ...
 
ولقد سعوا خلال هذا، إلى الهيمنة على كل مقاليد الدولة، وكل نظمها ..
 
أو ما أطلق عليه اسم (أخونة الدولة) ...

ولكى يساندهم الشعب فى ثأرهم من القضاء، راحوا يشككَّون فى نزاهة القضاء وعدالة أحكامه ... ثم اختاروا لجنة تأسيسية للدستور، تعبًَّر عنهم وليس عن الشعب؛ لتضع دستوراً يتيح لهم البقاء فى السلطة، والهيمنة على كل مقاليد الدولة ...
 
ومرة أخرى، وقف القضاء فى وجوههم، وتصدَّى لمحاولاتهم ...

وبدلاً من ان يعودوا إلى صوابهم، فكَّروا فى كيفية هدم القضاء من أساسه، ومنعه من إصدار أحكامه، فأرسلوا من يحاصر المحكمة الدستورية العليا، ومدينة الإنتاج الإعلامى، فى محاولة لترويع الإعلام، ومنع قضاة المحكمة الدستورية من أداء مهام وظيفتهم المقدَّسة ...
 
وفى محاولة فاشلة، حاولوا انتزاع النائب العام من منصبه، عبر تعيينه كسفيراً للفاتيكان، أصغر دولة فى العالم ...

ولأن القضاء قد اتحد، فى مواجهة هذه الهجمة الشرسة، ووقف فى وجه الرئيس وجماعته، وأيدَّه قضاة العالم أجمع، قرَّر الرئيس، وقررَّت جماعته الضرب تحت الحزام، مخالفين بهذا كل النظم العالمية، ومسترشدين بالنظام النازى، الذى حكم (المانيا) (1928- 1945م)، والذى انتهى بها إلى الخراب والدمار ...
 
وكان الإعلان الدستوري المستبد، الذى منح به الرئيس لنفسه وبنفسه، سلطات لم يحصل عليها أعتى ديكتاتور فى العالم، وحوَّل نفسه به إلى الفرعون الإله، الذى لا راد لقرارته، على نحو يجعله شبه متساو (من وجهة نظرة) مع الله العلى القدير، الذى وحده لا راد لقراره، وأضاف إلى هذا تحصينه لمجلس الشورى، وللجنة إعداد الدستور، التى انسحب منها نصف أعضاءها تقريباً، احتجاجاً على بنود دستورية مجحفة، وإصرار على تمرير بنود أخرى معيبة، على الرغم من أنف كل فئات الدولة، حتى الأزهر والكنائس، وعزل النائب العام، الذى لا يجوز عزله قانونياً ودستورياً...

ومن هنا اشتعلت الدنيا ...
 
ولم تهدأ منذ ذلك الحين ...
 
القضاة غضبوا، من اجل القانون ..
 
والشعب غضب ممن قهروا حريته وإراداته ...
 
والثوَّار غضبوا؛ لأنهم شعروا أنهم بهذا قد خسروا اهداف ثورتهم ...
 
وعلى نحو عجيب، وبتأييد أعمى لقرار، لو أصدره أخر لثاروا عليه، خرجت كل التيارات الإسلامية تؤيد قرارات الرئيس الديكتاتورية ...
 
الدين الذى ينادون به، يطالبهم بان يمنعوا أخيهم عن الظلم، ولكن ما فعلوه هو أن شجعوه على الظلم، مرتكبين كبر المقت عند الله العزيز الحكيم، بأن يقولوا مالا يفعلون ...
 
ولم يكتفوا بهذا ..

لقد اتهموا كل من رفض الظلم بانه كافر وملحد وفاسق وداعر، وكأن الإيمان هو أن يدفعك شنآن قوم أن تظلم، وأن تنصر آخاك ظالماً، بأن تساعده على الظلم !!...
 
وهكذا قسم الإعلان الدستورى المستبد الوطن إلى قسمين ...
 
قسم يؤيَّد مصدر القرار، وليس القرار فى حد ذاته ...
 
وقسم يرفض الظلم، ويرفض القرار، ومصدر القرار ...
 
والطرف الرافض يندَّد، والطرف المؤيَّد يهدَّد ...
 
الطرف المؤيَّد يكفَّر ...
 
وبين هذا وذاك، (مصر) تشتعل ...
 
وتشتعل ...
 
وتشتعل ...
 
والمؤيدون مازالوا يكَّفرون، ويستبيحون دم المعارضين ...
 
والرئيس يلوَّح بسبَّابته ...
 
وجماعة الإخوان تزدرى ..
 
ويبقى السؤال ...
 
تفتكر مين الغلطان ؟!...
 
مين ؟!.

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (6 منشور)

avatar
عمر صلاح 15/02/2013 08:23:16
د.نبيل محق في كل ما قال،فغالبيه الشعب كان فرحا للغايه عندما نجح مرسي ،وكانوا يعلقون عليه امالا كثيره ولكن الان ،اصيب الجميع باحباط شديد للغايه ،فما الذي يريدونه؟ايريدوننا ان نكره الثوره؟ وان نتمني ان نسترجع العهد البائد؟ فبالفعل بداء الكثيرون يقولون اين مبارك ،ولكن لن نستسلم ابدا، ومهما فعلوا.
avatar
سلمى 17/02/2013 23:59:36
المخطئ هو من رآى رئيس دولة لا تضمر الخير لمصر بأي حال من الاحوال و هو اوباما .. يأمر رئيس بلده اي كانت عيوبه ان يترك الحكم الآن (ناو مينز ناو) فلا تتحرك به اى مشاعر (لن اوصف هذه المشاعر فقد آليت على نفسى الا اعيب باحد اختلف معه سياسيا ) و بدلا ان يقول لن انول اعداء وطنى من وطنى يستمر فى ما يفعله ويؤيد كلام اواما.
المخطئ هو من عنده قابلية ان يصدق الاشاعات دائما طالما جاءت بسوء و يكذب الحقائق لو بها خير.(لولا ان ظن المؤمنين بانفسهم خيرا)
المخطئ هو من اعتبر ما حدث من عنف منذ ايام الثورة الاولى حتى الآن ليس عنفا بل حق مباح.
لكم هدمت تلك الثورة من مبادئ عريقة و راسخة تتمنى تلك الدول التى اتبعناها ان تكون لديها نصفها فى مقابل مبادئ فى رايى يمكن ان تكتسب اسرع و اسهل.
أشكرك د. نبيل على المقال
avatar
رشا 22/02/2013 10:54:07
أحيك يادكتور على مقالك الرائع
سردت فيه كعادتك الدائمة تفاصيل التفاصيل
وادرجت الاجابة بين التفاصيل ولكن لن ينتبه اليها احد
avatar
dondon V angel 23/02/2013 02:17:49
للأسف يا دكتور نبيل فأن المخطئ هو الشعب، نحن، نحن الذين أندفعنا وراء مشاعرنا مغيبين كنا لا أدري لننتخب رجلا من جماعة لم نرى منها أي شئ سوى العنف ولم نسمع منها أي شئ سوى الكذب لقد حذرنا الجميع وأولهم أنت من هذا الأندفاع دعونا بعزم ما فيهم لنحكم عقولنا ونفكر ولم ننصت. للأسف مصر هي التي تدفع ثمن حماقاتنا الآن تدفعه من تاريخها ودماء أبنائها وأخشى أن تدفعه من أرضها يومًا. نحن المخطئين أحنا اللي حضرنا العفريت وعشان نصرفه بقى يا مين يعيش
avatar
Apri 21/08/2013 18:54:39
Cool! That's a clever way of lokonig at it!
avatar
Mebelfurniture 28/08/2013 01:42:49
It's spooky how clever some ppl are. <a href="http://vyikohxfsvw.com">Thknas!</a>
المجموع: 6 | عرض: 1 - 6

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال