الرئيسية | مقالات | نيران القصر

نيران القصر

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
نيران القصر

مرة أخرى أعتذر للمتابعين عن توقف سلسلة "التنمية الذهنية"؛ بسبب ما تمر به مصرنا، أمّنا، في هذه المرحلة العصيبة من تاريخنا..

المرحلة التي عادت فيها الأمور تنفلت، على نحو فاق ما حدث في الأيام الأولى للثورة..

والانفلات هو المصطلح الوحيد "علميا" الذي يمكن أن نطلقه على ما يحدث على الساحة، بغضّ النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معه، وبغضّ النظر عن هدفه، أو القائمين به..

فالانفلات يعني أن تتحول الأمور، أيا كان هدفها، إلى حالة من الفوضى، يصعب فيها تحديد أصحاب الغايات السامية، وأصحاب النوايا الشريرة..

فالحديث يبدأ دوما عن التظاهرات السلمية..
والفعل أيضا يبدأ كذلك..
سلميا..

والذين يخرجون في البداية يكونون من الشباب المعترض على سياسات أو قرارات، يرون أنها تتعارض مع قواعد الحرية والديمقراطية، التي من أجلها أشعلوا ثورة يناير 2011.
وظلوا يطالبون بها حتى سقط النظام السابق..

ولأن هؤلاء الشباب يعتبرون أن هذه الثورة العظيمة هي ثورتهم، ففيها استشهد عدد من زملائهم، وأصيب مئات آخرون، ولولا صمودهم وتماسكهم، وتضحيتهم بأنفسهم وأرواحهم، لما كان السقوط..

وثورة يناير كانت ثورة سلمية..
بدأت وانتهت سلمية..

حتى عندما حدث الصدام، بينهم وبين الشرطة، وبينهم وبين راكبي الجمال والخيول، لم يخرج هذا أيضا عن نطاق محدود..
والعالم كله انبهر بهذه الثورة السلمية..
ووقف لها احتراما..

ولكن دعونا نقارن هذا بما يحدث الآن..
فعقب عودة نهوض جهاز الشرطة من كبوته، بدأ حملة شعواء؛ للقضاء على بؤر الجريمة والبلطجة، وسقط على أيديها عشرات من البلطجية وقطاع الطرق ولصوص المنازل والمتاجر والسيارات، ومختطفي الأطفال ومغتصبي النساء..

ولأن الذئاب تسير دوما في قطعان، كان من الصعب أن يتقبل المجرمون والبلطجية هذا..

ولكن كيف يواجهون جهاز شرطة، يستعيد عافيته على نحو ملحوظ؟!

السؤال أجاب عنه الثوار السلميون، الذين يحتشدون لأهداف سامية، ونوايا يستحيل التشكيك فيها، أو في أهداف ونبل وسمو غايات من يحتشدون من اجلها..
ولكنها، وأيا كانت أهدافها، هي حشود..
حشود، يمكن أن ينضم إليها أي شخص..

يكفي أن يهتف بما تهتف به الحشود، وينادي بما تنادي به، حتى يبدو كجزء منها..
وداخل الحشود، يمكنه أن يفعل ما يحلو له..
يطلق النار..
يرمي زجاجات المولوتوف..
يهاجم الشرطة، التي يسعى للثأر منها..
يقتل حتى كل من يمكنه من صفوفها..
وسيفعل كل هذا متسترا بالحشد..
وبالأهداف السامية للحشد..

وبفعل من يندسّون وسط الحشود، لغايات تخالف غايات الحشود، تفقد التظاهرات سلميتها، وتبدأ في الانتقال إلى مرحلة العنف..
فالذين يطلقون الخرطوش، والرصاص، ويلقون عبوات المولوتوف، ليسوا حتما من قلب الثورة.. وليسوا حتما ثوارا..
ولكن أحد سمات العنف هو أنه ينتقل كالعدوى..
وفي سرعة مدهشة..
وبالذات بعد أن تنطلق الرصاصة الأولى..

وبعد أن تراق أول نقطة دم..
فمن المستحيل دوما تحديد من أطلق الرصاصة الأولى!
إنها، وأيا كان مطلقها، تنطلق..

ولكي تستثير أية حشود، في أي مكان في العالم، لا تطلق الرصاصة الأولى نحو رجال الشرطة.. بل نحو المتظاهرين أنفسهم..

فعندما يسقط أول شهيد، وسط صفوف الحشود، تلتهب المشاعر وتشتعل، وتندفع الحشود في موجة غضب، تتجه بكل عمقها نحو من تفترض أنه مطلق الرصاصة الأولى..
الشرطة..

ولا أحد، في موجة الغضب المندفعة، يفترض، ولو للحظة، أن الرصاصة الأولى قد انطلقت من بين صفوفها..

بل إنها تستنكر تماما أي قول يشير إلى هذا!

ولقد حدث هذا بالفعل خلال الثورة الروسية عام 1917.
عندما أراد البلاشفة تحويل دفة التظاهرات نحو العنف، أطلقوا النار من صفوف المتظاهرين على المتظاهرين..
ثم صرخوا بأن الشرطة هي من أطلق النار..
وفي موجة الغضب المندفع، لدى رؤية الدماء، انقض المتظاهرون على قوات الشرطة، ينادون بالثأر والانتقام..
واشتعل الموقف كله..
وسادت الفوضى مع العنف..
وربح البلاشفة اللعبة تماما، مع العنف والفوضى..

وكم يتشابه هذا مع ما حدث عند قصر الاتحادية..
ولكن ما يختلف مع هذا، وما قد يتشابه مع أحداث رومانيا، هو أن الغضب كان يملأ نفوس المتظاهرين بالفعل..
كل ما كان ينقصهم، هو الشرارة، التي تفجّر كل هذا الغضب..

فالمتظاهرون أمام الاتحادية كانوا غاضبين، من سياسات الرئيس وجماعته، والتي أعادت إلى أذهانهم سياسات النظام السابق، والتي ثاروا عليها، وتصوروا أنهم قد أسقطوها في فبراير 2011.

المتظاهرون أمام الاتحادية كانوا غاضبين؛ لأنهم وُصفوا بأنهم كلهم من البلطجية والفلول، وتمادى البعض في حماقته، ليصفهم بأنهم كفار وملاحدة..
المتظاهرون أمام القصر كانوا غاضبين؛ لأنهم ثاروا مطالبين بحقهم في التعبير، في يناير 2011، فلم يحصلوا في يناير 2013، إلا على من يتهمهم بالبلطجة والكفر والإلحاد، عندما أرادوا استخدام حقهم في التعبير..

ولكل الأسباب السابقة، كان من السهل تحويل حالة الغضب إلى العنف..

ولقد توجه العنف نحو الرمز، الذي يعبر عن كل أسباب الغضب..

القصر..
قصر الاتحادية..
حاصروه..
وحاولوا اقتحامه..
ثم حاولوا حرقه..

وبالطبع كان بين الحشود من يسعون إلى انهيار جهاز الشرطة مرة أخرى، حتى تعود البلاد تحت سيطرتهم، يسلبون وينهبون ويقتلون ويختطفون فيها كما يشاءون، دون ضابط أو رابط..
ولكن القاعدة دوما تقول: "إن لم تمنح من أمامك فرصة ومبررا للعنف، سيكون من العسير عليه أن يصل إلى مرحلة العنف"..

وبمعنى آخر، إن لم تغرس الغضب في نفوس المتظاهرين، على نحو يدفعهم إلى الاستجابة لدعوة العنف، فمن غير الطبيعي أن يستجيبوا له..
نيران القصر إذن لم تكن تستهدف مجرد مبنى القصر..
لقد كانت تستهدف ما يرمز إليه هذا القصر..
كانت تستهدف النظام الذي تجاهلهم..
النظام الذي هددهم وتوعدهم..

النظام الذي لم يملك لهم سوى الاتهامات بالبلطجة والكفر والإلحاد..
نيران القصر لم تكن سوى نيران النظام..
نحن إذن أمام حالة غضب، قادت إلى عنف..
وإلى نيران..
والنيران يطفئها الماء..
والماء هنا هو التهدئة، وليس التهديد والوعيد..
النار لا تطفئها النار..

احسبوها أنتم؛ لتعلموا لماذا كانت النيران..
نيران القصر.

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (2 منشور)

avatar
يحيى عيسى 13/02/2013 18:44:12
تسلم ايدك يا دكتور

كــــلام منطقى
avatar
dondon V angel 23/02/2013 00:58:23
عندك حق يا دكتور نبيل سواء كانت الشرطة او المتظاهرين فالجميع يدفع ثمن حماقة وجهل هذا الرئيس وجماعته، جهل نظام بأكمله وظلمه وفساده الذين ظغى بهما على من سبقوه، اسمحوا لي بعد كل ما رأيته حتى الآن منذ قامت الثورة وحتى هذه اللحظة .... تحية للرئيس السابق محمد حسني مبارك، رغم فسادك وظلمك لم نرى في عهدك ما نراه الآن، طالما الجميع فاسد وظالم فأنا أفضل على الأقل من لا يتهمني أيضًا بالكفر والإلحاد.
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال