الرئيسية | مقالات | المؤامرة

المؤامرة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
المؤامرة

مع اشتعال الشارع المصري بين مؤيد ومعارض للدستور، وجماعات حازمية قررت أن تصنع من نفسها دولة داخل دولة، وحكومة داخل حكومة، وراحت دون مبالاة بالدولة وجهاتها الرسمية، تحاصر أعلى سلطة قضائية في البلاد، وأكبر جهة إعلامية في الشرق الأوسط كله، ودون أن تحرك الدولة أو يحرك النظام ساكنا، وكأن مبدأه هو رعاية الإرهاب، وحماية أي ميلشيات، تسعى إلى هدم كيان دولة، كانت يوما أعظم دول الشرق الأوسط كافة، مع كل هذا، خرج علينا نائب سيادة رئيس الجمهورية، بحديث عن مؤامرة لقلب نظام الحكم في مصر.

وبغضّ النظر عن أن حديث المؤامرة هذا هو حديث نمطي تقليدي، تتحدث به معظم النظم، أو تحدثت عنه كل النظم، التي جوبهت بمعارضة عنيفة من جزء كبير من الشعوب التي تحكمها، لتتخذ منها ذريعة للانقضاض على معارضيها، والهجوم على رافضيها، والتخلص من خصومها بحجة اشتراكهم في المؤامرة المزعومة.

بغض النظر عن هذا، دعونا نتحدث عن المؤامرة في حد ذاتها..
بادئ ذي بدء، دعوني أذكركم بأنني -ودون تعالٍ أو افتعال- أحد من قضوا أكثر من نصف عمرهم، في دراسة أعمال الأمن، ونظم التخابر، والمؤامرات الدولية، وتآمرات قلب نظم الحكم، وكتاباتي في هذا الشأن، منذ عام 1984، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، مطروحة وما زالت ولله الحمد والشكر، في المكتبات، كوثيقة تثبت هذا، لمن يريد التيقن.

أقول هذا فقط، كمدخل لتحليل المؤامرة المزعومة، كما روى سيادته تفاصيلها بنفسه..
التفاصيل تقول: إن مائة وخمسين شخصا، مدربين على أعلى مستوى، كانوا يزمعون اقتحام قصر الاتحادية لاختطاف السيد رئيس الجمهورية، وإخفائه في مكان سري، وإشاعة فراره، لتعلن المحكمة الدستورية خلو منصب رئيس الجمهورية، لبدء انتخابات رياسية جديدة..

دعونا نحسبها إذن..
القصر الرياسي مدعوم بكل رجال الحرس الجمهوري، المدربين على أعلى مستوى، وكانت تحيطه أيضا سيارات وقوات الأمن المركزي، وجيوش من رجال الشرطة أيضا..
وهذا العدد لا يقل عن ألفي رجل في المتوسط، مدربين ومسلحين..
والمفترض في هذه الحالة، أن يواجه مائة وخمسون سوبرمان كل الاستحكامات، وكل نظم الأمن، وكل قوات الشرطة والأمن المركزي، وكل رجال الحرس الجمهوري، والحرس الشخصي، للوصول إلى الرئيس!

فهل يبدو عاقلا؟!
وهل يمكن لجهة، توقفت دراستها عند كي جى وان الأمن، أن تضع مثل هذه الخطة، التي لا يمكن أن توصف إلا بأنها ساذجة عبيطة؟!
ولكن دعونا نفترض أنهم كلهم أقوى وأكثر مهارة من رجل المستحيل، ويرتدون طاقية الإخفاء، ويمتلكون مسدسات ومدافع الليزر الفتّاكة، وأنهم على الرغم من استحالة هذا، قد وصلوا إلى سيادة الرئيس..

فهذا سيكون نجاحا للجزء الأول من الخطة المزعومة فحسب..
فالجزء الأهم والأصعب والأخطر، أن يختطفوا الرئيس، وينجحون في الخروج به من قلعته، متجاوزين -مرة أخرى- كل الاستحكامات والنظم الأمنية، لكي يحملونه إلى مكان مجهول!

بالله عليكم احسبوها، ولو بذرّة من العقل..
هل يمكن هذا؟!
وهل يمكن حتى لمجموعة من الحمقى، أن تضع مثل هذه الخطة، التي لا يضعها مختل عقليا منتهي العقل، ضائع الإدراك؟!
ثم بعد هذا، عليهم أن ينطلقوا برئيس البلاد عبر مصر، حتى يصلوا به إلى المكان الذي سيخفونه فيه!

طب إزاي؟!
المفترض -وفقا لألف باء الأمن- أنه إذا ما نجح السوبرمانات في الفرار من القصر الجمهوري، حاملين معهم رئيس البلاد، أن يتم استنفار كل الجهات الأمنية بلا استثناء، من عساكر الدرك وحتى قيادات الجيش، لسد كل الطرقات وعمل الكمائن والاستحكامات في كل شارع وطريق في البلاد، بحثا عن السوبرمانات المختطفِين!

فكيف وضع السوبرمانات في خطتهم وسيلة تجاوز كل هذا؟!
حتى لو استخدموا طائرة، فهناك قوات جوية، يمكن أن تظفر بهم..
إلا لو استخدموا طبقا طائرا بالطبع..

ثم نأتي إلى الجزء النهائي من سيناريو المؤامرة المزعومة، عندما تجتمع المحكمة الدستورية العليا التي ستكون بالطبع شريكة في المؤامرة، لتعلن خلو منصب رئيس الجمهورية..
ثم تأتي انتخابات جديدة..
ويأتي رئيس جديد!
بالذمة دي خطة؟!

إنني حتى لا أستطيع كتابتها في سلسلة "رجل المستحيل"، حتى لا يتهمني القرّاء بأنني أضحك على عقولهم، وأتصورهم سذّجا عبطا لا يفقهون!
ولا حتى في سلسلة "ملف المستقبل"، على الرغم من أنها من الخيال العلمي!
المكان الوحيد، الذي يمكن أن يضع مثل هذه الخطة، هو مجلة "ميكي"، وفي إطار فكاهي هزلي فحسب..

فماذا بعد أن يأتي رئيس جديد؟!
هل سيعيدون الرئيس القديم، مع بطاقة اعتذار؟!
ثم لماذا كل هذا التعقيد؟!

إننا لو استشرنا عبده كفتة، أو متولي أبو شفتورة، أو خليل أبو رجل مسلوخة، لاستلقى على قفاه من كثرة الضحك، ولألقى علينا سؤالا غاب عن كل الأذهان والعقول..
وبالذات عقل من ألّف هذه المؤامرة المزعومة..
سيسألنا أي منهم، وهو يداعب مطواته قرن الغزال: لماذا كل هذا؟!

فما دام السوبرمانات المائة والخمسون سينجحون في الوصول إلى رئيس الجمهورية، على الرغم من كل ما يحيط به، من حرّاس واستحكامات وشرطة وأمن مركزي، فلماذا يجازفون بإخراجه وسط كل هذا؟!
لما لا ينهون حياته برصاصة واحدة في الرأس، وينهون اللعبة كلها في لحظة واحدة، وبقدر أقل كثيرا من المجازفة والمخاطرة؟!
إنهم لو فعلوا، فسيخلو منصب رئيس الجمهورية على الفور..
وبثمن أقل..
ومخاطرة أقل، وأقل..

لن يضطروا لحظتها إلى القتال العنيف لإخراج الرئيس حيا، من وسط كل رجال أمنه وحراساته..
لن يجازفوا بنقله عبر البلاد..
ولن يواجهوا المخاطر في كل متر يقطعونه..

فلماذا لا يفعلوا؟!
احسبوها أنتم..
إننا بهذا أمام احتمالين، لا ثالث لهما..
إما أن خطة عبيطة كهذه قد وضعها وأشرف عليها شخص أكثر عبطا منها، أو جهة ليس بها عاقل واحد..

وإما أنه لا وجود لها من الأساس..
ادرسوا الاحتمالين..
واحسبوها أنتم..
احسبوها بالله عليكم..

ثم تسألوا؟!
أكانت هناك بالفعل مؤامرة؟!
وكما روى تفاصيلها سيادته؟!
احسبوها..
ثم اضحكوا..
كما ضحكت أنا..
كثيرا.

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (7 منشور)

avatar
طارق 23/12/2012 10:19:47
قرأت أن مصر في النصف الأول من القرن العشرين كانت دولة منفتحه أرضاً وشعباً اجتماعياً وكان في المجتمع المصري مزيج من شعوب مختلفه واديان مختلفه وأعراق مختلفه وثقافات مختلفه وكان المجتمع المصري المتنوع آنذاك كان الكل يقبل الكل كان هناك قبول للآخر ولفكرة التنوع والاختلاف ثم اصبح فيما بعد بسبب الحروب والسياسه رفض يزداد تدريجيا للآخر فتم طرد الاجانب وتم تصعيب حصول غير المصري على الجنسية حتى اصبحت من اصعب الجنسيات بسبب هذه العنصرية والتعصب والرفض للآخر و شيئاً فسيئاً بداءت تسود امية ثقافية مصحوبه بتعصب ديني وخصوصا مع انتشار التيارات الدينية الاسلامية والسلفية والجهادية والتكفيرية والارهابية والمتطرفه وبدأت شيئا فشيئاً سيادة التعصب ورفض الاخر تتجه للاقباط وهم احد عنصري الامة واصبح تدريجياً هناك انفصال وفصل بين مكوني الامة على المستوى الشعبي وبدأت نغمه مشابه لنغمات التحريض على الاقليات والاجانب في الخمسينات والستينات بدأت هذه المره ضد الاقباط واصبحنا نسمع كلمات من قبيل انهم مستولين على الاقتصاد وانهم ولائهم لدول اجنبية وانهم يكنون السؤ للمسلمين ولمصر وكأنها محاولة خبيثة لتفجير الصراع بين المسلمين والاقباط وصولا اما لاستئصال الاقباط وابادتهم او ترحيلهم او خلق الجو الضاغط الذي يدفع الاقباط من تلقاء انفسهم للرحيل خارج مصر وحتى بعد رحيل الاقباط لن تهدى روح الغاء الآخر من مصر وسيتم التركيز على من يسمونهم بالعلمانيين والفنانين والمثقفين والموسيقيين وفي النهاية لاسمح الله ستصبح مصر نسخة عن افغانستان ايام طالبان و ستخسر مصر وشعبها واولهم المسلمين الكثير جداً لذاء يجب على المخلصين من ابناء مصر والدولة والتعليم والثقافة ان يحذو حذو الولايات المتحده والغرب الذين يعلمون ابنائهم وشعوبهم تقبل الآخر المختلف وتقبل الاختلاف كسنه من سنن الله في الارض والايمان بالحوار السلمي والجاد في كل امور الحياة والانفتاح على الشعوب والثقافات والافكار المختلفه بروح طيبه مسالمة وغير مجرمة والاختلاط بهم والاستفادة والتعلم منهم لتصبح مصر والامة المصرية امة قوية وعفية ومنفتحه ومتطوره كامريكا واوروبا ولا نسمح بالتشدد والتطرف والتعصب والانغلاق الحضاري بأي حجة واي سبب حتى لاتكون مصر في النهاية كطالبان افغانستان اللهم بلغت اللهم فأشهد
avatar
dondon V angel 23/12/2012 23:19:49
نضحك على أيه بس يا دكتور نبيل، على خيبتنا ولا على المصيبة اللي بقينا فيها. يعني يا أما يعاملونا زي ما نكون سذج وعبط ونرضى ونصدق، يا أما لو مش عاجبنا عندهم طرق ووسائل تانية، على شاكلة حازمون وما شابه. حقيقي شر البلية ما يضحك.
avatar
Kyungmo 01/01/2013 05:43:05
Well I guess I don't have to spend the wkeeend figuring this one out!
avatar
sxjxsvolko 01/01/2013 23:06:16
o4boRW <a href="http://nqhntsblohhz.com/">nqhntsblohhz</a>
avatar
منى جمال 02/01/2013 21:21:29
عندما يعتصم حازمون امام مدينه الانتاج الاعلامي فهم ميلشيات ارهابيه رعم انهم لم يعتدوا عليها ولكن عندما يعتصم آخرون ويعتدون على القصر الجمهوري فهم ثوار احرار ابطال .....ياللإنصاف ......
avatar
hazem hassan 03/01/2013 13:55:39
طيب ليه التناقض في كلامك يا دكتور؟
القصة اللي بستنكرها وبتقول ان خروج أو دخول 150 فرد مدرب للقصر الجمهوري فكرة سلذجة وعبيطة وبتقول عمرك ما تكتبها
افتكر إن حضرتك خليت أدهم صبري يهرب لوحده بدون ال150 من القصر الجمهوري في باراجواي اللي كان مليان برجال الجيش والمخابرات والحرس الجمهوري
ومع اني شايف إستحالة إقتحام القصر الجمهوري لكن أنا بسأل حضرتك هو انت لما كتبت رواية إنقلاب دي كنت بتفتكرنا سذج؟
avatar
فكرى بن الفيصل بن محمد 03/01/2013 23:33:47
بالذمة دي خطة ؟!

لا يجوز الاستحلاف بغير الله ..
فلا تقل بالذمة ؛ لكن قل بالله ؟
المجموع: 7 | عرض: 1 - 7

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال