الرئيسية | مقالات | الخسارة

الخسارة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الخسارة

أكبر خسارة فى الدنيا، أن تمتلك فرصة نادرة لكتابة التاريخ، ثم تهدرها، أمام نزعات نفسك، وانحيازك لمشاعرك وجماعتك، دون أن تدرك هول ما تفعل بنفسك، وحتى بجماعتك… فدخول التاريخ أمر صعب، أما كيف تدخله، فهذا هو الأصعب… هولاكو دخل التاريخ، وكذلك فعل أبرهة، وحتى هتلر وموسولينى، ولكنهم دخلوه من مدخل العار… وكل منهم، وغيرهم من طرازهم، احتلوا صفحات العار فى التاريخ، وهم يتصوّرون أنهم يعملون من أجل جماعاتهم، ومن أجل تسييدها على العالم أجمع، فلم ينُبهم مما فعلوه سوى العار لهم، ولجماعتهم.. والوسيلة المثلى، لكى تدخل التاريخ من باب العار، هى أن تترك نفسك لهواها ونزعاتها، وتعمل من أجل تسييد جماعة، وليس من أجل تسييد حرية وعدالة… ولو راجعنا صفحات العار فى التاريخ، فسنجد أن كل من حصل على صفحة، من صفحاتها السوداء، حقّق انتصارات كبيرة فى بداياته، وقهر العديدين، وفرض معتقداته على شعبه، وأثار فيه الخوف، وكبت الرأى، وقمع الفكر، وتحدّى الحرية، ولم يؤمن بعدالة أو قانون، سوى ما ترتضيه نفسه، وما يمليه عليه انتماؤه لجماعته وعشيرته دون سواها… ولكن، ولأن الله سبحانه وتعالى قد خلق البشر أحرارًا، ولأنهم كلهم مخلوقاته عزّ وجلّ، ويرزقهم جميعًا بلا تمييز، حتى إنه ترك لمن شاء منهم أن يؤمن، ومن شاء أن يكفر، باعتبار أنه وحده العزيز القدير يدرك ما فى نفوسهم، وإليه يرجعون، ليحاسبهم على ما فعلوا، فهو المعز المذل لم يمنح أحدًا من عباده ما هو حق خالص له جلّ جلاله، ولم يمنح أيًّا من مخلوقاته القدرة، على فرض الإيمان على القلوب… ولهذا، فهو جلّ جلاله، يقيم دولة العدل والحرية، وإن كانت كافرة، ويمحق دولة الظلم والقهر، وإن كانت مؤمنة… وعندما يمنح المعز المذل لأىٍّ من عباده، نعمة فرصة كتابة التاريخ، فهو المنتقم الجبار يضعه، أمام أكثر خيارات الدنيا صعوبة وعسرًا، فإما أن يولّى الحكم، فيترك الناس أحرارًا، كما خلقهم خالق الكون العظيم، ذى الجلال والإكرام، أو يرى فى حريتهم خطرًا عليه، وضررًا على جماعته، فيسعى لقهرهم وكبتهم، وتسييد جماعته وفصيله عليهم، وإما ينشغل عن أمور البلاد والعباد بتصفية الحسابات، والانتقام من كل من أساء إليه وإلى فصيله، على نحو مباشر أو غير مباشر، واللف والدوران لا يجديان، مع خالق يمهل ولا يهمل، ومُطّلع على ما تسر الأنفس، وما تخفى الصدور، ولم يأمر أبدًا سبحانه وتعالى، بأن الغاية تبرّر الوسيلة، فتاريخ الإسلام كله، لم يُشر إلى هذا، من قريب أو بعيد، ولم يحو واقعة واحدة، لم يف فيها الرسول الكريم، صلواته وسلامه عليه، بعهد قطعه، على الرغم من أنه كان يتعامل مع كفار، عادوه وآذوه، وعذّبوا قومه وطردوهم من ديارهم… ومحاولات اللف والدوران، والالتفاف على الحريات والعدالة، لا تنطلى على التاريخ أيضًا، ولم ولن تفلح فى خداعه، وبالذات فى هذا الزمن، الذى صار من المستحيل فيه خداع البشر، لفترة طويلة من الوقت… والقاعدة القديمة، التى أثبتت صحتها دومًا، عبر التاريخ كله، هى «أنك قد تستطيع خداع بعض الناس كل الوقت، أو كل الناس بعض الوقت، ولكنك أبدًا لن تستطيع خداع كل الناس كل الوقت»… حتى لو دعوت جماعتك لتأييد كل قراراتك، وحتى لو سعيت لاستثارة الناس، حتى يؤيدوا ما تفعل، حتى لو أعدت توصيف الأمور بألف وسيلة ووسيلة

×××

«انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا».. مبدأ يؤمن به أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وشبابهم، يتبعونه بكل الحماس والاندفاع، فيؤيدون الرئيس مرسى فى كل قراراته، ويشكلون الكتائب الإلكترونية للتصدى لكل من ينتقده، والهجوم على معارضيه، وأحيانًا بكل الشراسة، وهو انتماء جيد، وعظيم ومثالى لو أن الأمر يقتصر على الرئيس مرسى وحده.. ولكن المشكلة أن هؤلاء المتحمسين لم يُكملوا الحديث الشريف، ولم يتّبعوا نصفه الثانى، الذى لا يطالبهم بنصرته ظالمًا، وإنما بمنعه عن الظلم.. ومشكلة الحماس، فى كل عصر وأوان، أنه يصنع غشاوة أمام عينى المتحمس، تحجب عنه وضوح الرؤية، فتبدو الصورة أمام عينيه قاصرة، ينتقى منها ما يروق له، أو ما يتناسب مع هواه ومعتقداته، وليس ما يتناسب مع الحقيقة، أو ما ينبغى فعله.. والشىء الذى لا بد أن يدركه شباب الإخوان، أن الأمر يتجاوز الرئيس مرسى، وحتى قيادات الجماعة، إلى مصداقية الجماعة من الأساس، فقد تؤيّد الرئيس مرسى، وتؤيد جماعتك، فى حماس، وعن اقتناع، بكل قرار يُتخذ، ولكن إن لم تقف فى وجه كل قرار تتخذه جماعتك، وترى فيه الخطأ، فأنت بذلك تسهم فى هدم حجر صغير من جماعتك، التى إن تهدّمت حجارتها، قطعة بعد قطعة، فسينهار كيانها كله، خلال سنوات قليلة، وعندئذ سيكون حماسك غير المُرشّد هو المسؤول عن هدمها، حتى إن حاولت إنكار هذا.. ولو أنك تتصوّر أن الجماعة، التى صمدت طوال ما يقرب من تسعة عقود، لا يمكن هدمها، فدعنى أخبرك أن التاريخ نفسه لا يتفق معك فى هذا، فجماعة الإخوان المسلمين، التى صمدت فى وجه السلطات المختلفة، لتسعة عقود، ليست هى جماعة الإخوان المسلمين، التى تحتل الآن مقاعد السلطة، فالمقاومة شىء، والسلطة شىء آخر.. فى ما مضى، كان الناس يكرهون النظام القائم، ويبحثون عن بديل، ولأن النظام نفسه كان يعتبر الجماعة هى البديل المنتظر، وكان يتعامل معها بتحيّز وجبروت شديدين، تطلع الناس إلى الجماعة، باعتبارها المنقذ والمغيث، من جبروت وطغيان النظام القائم، الذى كان يسيطر على مقاليد السلطة بكل أنواعها، ولكن هذا لم يمنعه من السقوط، عندما طغى وتجبّر… والآن وبعد سقوط النظام، وصعود الإخوان إلى السلطة، انتظر منهم الناس أن يكونوا كما رأوهم… وانتظروا منهم أن يختلفوا عن النظام السابق، وأن ينشدوا العدل وسيادة القانون… وكانت فرصة مثالية لجماعة الإخوان، أن تسود، فتصنع دولة الحرية والنمو وسيادة القانون، ولو فعلت لصارت أسطورة الشرق والغرب، ولحملها الناس فوق الأعناق، ولسادت العالم العربى الطامح إلى الحرية، وربما العالم كله من بعده.. فرصة نادرة ولكن الجماعة تركتها تفلت من بين أيديها!! على الرغم من الوصول الشرعى إلى السلطة، لم يتلاش من نفوس الجماعة ذلك الشعور بالاضطهاد، ولا تلك النزعة إلى المقاومة، وظلت قياداتها تتعامل فى عصبية، وبروح الانتقام وتصفية الحسابات، وتضاعف من المعارضين والرافضين والمعادين لها كل يوم، بسعيها المستميت إلى السلطة، وإلى فرض الهيمنة على شعب، لم يعد الزمن نفسه يسمح بالهيمنة عليه، ولم تعد ظروف الحياة تسمح بحدوثه، ولم يعد الشعب نفسه يقبله، أو يمكن أن يقبله.. وعلى الرغم مما عانته جماعة الإخوان المسلمين، من نظم الحكم السابقة، فإنها سارت على هدْيها، وترتكب نفس أخطائها، ووقعت فى نفس مستنقعاتها.

 

×××

كم تبلغ نسبة مؤيدى جماعة الإخوان المسلمين الحقيقية؟! سؤال ينبغى أن تطرحه الجماعة على نفسها، قبل أن يطرحه منافسوها.. ومن الضرورى أن تطرحه على نفسها بصدق وواقعية وأمانة.. هذا بافتراض أن الانتخابات القادمة ستكون انتخابات نزيهة، وأن تزوير الانتخابات لم يعد وسيلة صالحة، فى زمن الكمبيوتر والإنترنت، والكاميرات الدقيقة، التى تختفى فى أزرار القميص، وتفضح كل تجاوز، وفى زمن ثار فيه الشعب على تزييف إرادته، ولم يعد مستعدًّا للسكوت على هذا التجاوز مرة أخرى.. بالحسابات الرياضية حصل مرشح الجماعة، فى انتخابات الإعادة على منصب رئاسة الجمهورية، على ما يزيد على ثلاثة عشر مليون صوت، من مجموع اثنين وخمسين مليون ناخب، أى بنسبة تزيد قليلا على الربع.. هذه النسبة ضمت كل جماعة الإخوان المسلمين، وكل الجماعات السلفية، وكل من تم جذبه، سواء بالإقناع، أو بالزيت والسكر والأرز، أضف إلى هذا كل من أيدوا مرشح الإخوان، نكاية فى المرشح البديل، المحسوب على النظام السابق، وكل من تصوّروا أن الخلاص سيأتى على يد مرشح الجماعة.. لو حسبنا كل هذا، وخصمنا منه السلفيين، والمؤيدين هروبًا من البديل، فسنصل إلى أن الحجم الحقيقى للجماعة، لا يزيد على ستة أو سبعة ملايين، من بين جموع الناخبين.. أضف إلى هذا أن الكثيرين ممن أعطوا صوتهم لمرشح الجماعة، لم يعودوا من المؤيدين الآن، وحاول أن تحسب النسبة.. القضية التى ينبغى أن تنتبه إليها الجماعة، قبل فوات الأوان، هى أن حماس قياداتها وشبابها، يجعلها تخسر ولا تربح، وضيق خُلق القيادات بالذات، أفقدها الكثير من التأييد، وجعلنا نحيا مرة أخرى فى نفس السنوات الأخيرة، التى بدأ فيها النظام السابق مرحلة الانهيار، عندما عادى القضاء والصحافة، وحرية الرأى، وتجبّر وتكبّر وطغى واستبد.. المشكلة أن الطغيان لا يراه الطغاة؛ لأنهم دومًا ما يسعون لتجميله وتغليفه بغلاف من أهداف وهمية، ومبررات هى أقبح من الذنوب، متصورين أنهم بهذا سيخدعون الشعب، الذى صار من العسير خداعه.. والشعور بالقوة والمناعة، واستحالة السقوط، هو الآفة التى حفرت قبور كل الأنظمة التى سقطت، عبر التاريخ كله.. وعندما حانت لحظة كتابة التاريخ، لجماعة الإخوان المسلمين، فوجئنا بها تكرّر كل أخطاء حكام مصر، منذ خمسينيات القرن العشرين، غير مدركة أننا الآن فى القرن الحادى والعشرين، حيث اختلفت كل المعطيات، وتغيّرت كل الظروف.. العجيب أن التبريرات التى نسمعها دومًا، هى أن هذا ما كان يفعله النظام السابق، وكأننا لم نقم بثورة ضده، ولم نسقطه بسبب تلك الأفعال.. وهكذا تضيع من الجماعة فرصة تاريخية، من الممكن أن لا تتكرّر مرة أخرى.. ولست أدرى كيف تسير الجماعة على خُطى النظام السابق، وتستغل نفس قوانينه المكبِّلة للحريات، وعلى نحو لم يحدث حتى فى عهد النظام السابق! وأكبر خطأ وقعت فيه الجماعة، هو أنها اتبعت نفس سياسة صنع الأبطال، حيث حوّلت كل من يعارضها إلى بطل، من خلال الهجوم الشرس عليه، الذى يحوِّله من معارض إلى زعيم، يتعاطف معه الكثيرون ويؤيدونه، فقط لأن الهجوم عليه أشرس مما ينبغى.. لاحظوا ما حدث مع توفيق عكاشة، والنائب العام، وحتى ما يحدث مع شفيق، وأعيدوا حساباتكم، فالخسارة هذه المرة لن يمكن تعويضها.. أبدًا.

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (5 منشور)

avatar
Cordelia 07/11/2012 09:28:13
<a href="http://www.comparecarinsurrates.com/">carinsurance</a> jrfcd <a href="http://dynamicteencompany.org/">cheap auto insurance</a> uzweu <a href="http://www.myedtreatment.com/">price of cialis</a> pings
avatar
Affinity 17/11/2012 13:18:53
<a href="http://videolinux.net/">viagra pills</a> foin <a href="http://www.insuranceslife.net/">life insurance</a> mhjid <a href="http://www.getlifeinsurancequotes.net/">company life insurance</a> jre
avatar
Destiny 30/01/2013 00:27:06
<a href="http://www.onlinecheapautoinsurance.net/">online auto insurance</a> 06072 <a href="http://www.mylifeinsuranceguide.net/">best life insurance</a> 954938 <a href="http://www.carinsuranceiseasy.com/">cheap auto insurance</a> pen <a href="http://www.aboutcarinsurancerates.com/">nj car insurance</a> 6512
avatar
Graceland 08/03/2013 06:33:13
<a href="http://www.carinsurquote.net/">car insurance quote</a> 86171 <a href="http://www.bestautoinsur.net/">auto insurance quotes</a> rvhm <a href="http://www.onlineschoolsoffer.net/">best online schools</a> =-[[[
avatar
Berhanu 08/04/2013 11:38:16
Four score and seven minutes ago, I read a sweet airtcle. Lol thanks
المجموع: 5 | عرض: 1 - 5

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال