الرئيسية | مقالات | الثورة على الثورة

الثورة على الثورة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الثورة على الثورة

الحلقة الأولى


شعب مصر يُوشك على الثورة..
والمشكلة أنه لا يُوشك على الثورة على تعنَّت الأمن..
وعلى تجاوزات النظام..
أو على قوانين جائرة..
إنه يوشك على الثورة.. ضد الثورة..

فمنذ عام كامل، وفي غمرة اليأس وانعدام الأمل، خرج الناس يثورون على نظام حكم، حَكَمهم بالقوة لثلاثة عقود، وقهرهم أمنيا واجتماعيا لعقدين، وسعى لتوريثهم، وكأنهم عبيده، لعقد كامل من الزمان..
المحرّك كان اليأس..
والدافع كان الغضب..
والوقود كان انعدام الأمل..
والشرارة كانت الشباب..
واندلعت الثورة..

وبكل حماس الدنيا، خرج الناس في كل الشوارع والميادين يُنادون بالثورة، ويهتفون ضد النظام الفاسد..
ضد الديكتاتورية..
والطغيان..
والظلم..
والفساد..

ونجحت ثورة الشعب وسقط النظام عندما انضمّ الجيش إلى الثورة، منذ اللحظة الأولى، وأعلن تأييده لمطالبها التي وصفها بأنها عادلة..
ومع انضمام الجيش إلى الثورة، بدأ عهد جديد..
وبدأت مطالبات جديدة..
واحتقانات جديدة..
وجُمع..
ومليونيات..
ومطالبات..
مطالبات..
مطالبات..
ولأن الشباب مفعم بالحيوية والنشاط، ويفتقر في الوقت ذاته إلى الخبرة وفضيلة الصبر؛ فقد واصل حشد قواته، حتى بعد نجاح الثورة..
وفي كل جمعة، كنّا نرى مليونية..
وكل مليونية له اسم..
ومطالب كل مليونية تتشابه..
أو تختلف..
وعقب كل مليونية، يهرع البعض للاعتصام في الميدان..
وتبدأ التجاوزات..
فصحيح أن حق الاعتصام مكفول..
ولكن حقّ السير في الطرقات مكفول أيضا..
وربما تكون مطالبك مشروعة..
ولكن سير حياة الناس مشروع أيضا..
ومنذ اللحظة الأولى من نجاح الثورة، ومع فرحة الشباب بتحقيق هدفهم الرئيسي، في إسقاط النظام، بدأت الأخطاء..
أوّل خطأ، كان إصرار الشباب على فصل أنفسهم عن الشعب..
الشرعية في الميدان..
الشعار يبدو أنيقا ثوريا للوهلة الأولى، ولكن لو أنك حاولت التفكير فيه بالمنطق، لوجدته شعارا ينتزع الشرعية من الشعب كله..
ويمنحها للميدان..
فقط للميدان..

وشعر الناس البسطاء أنهم يُواجهون ديكتاتورية جديدة..
ديكتاتورية تنتزع منهم كل حق..
وكل شرعية..
ولم يجدوا فيها اختلافا عن النظام السابق..
ففيه كانت الشرعية في "عابدين"..
وبعد سقوطه أصبحت في "التحرير"..
وفي الحالتين، تمّ استبعاد الشعب..
وإقصاؤه من الصورة..
ثم بدأت -وبحماس أيضا- مرحلة الهجوم على الشعب..
وعلى كل الرموز..
بلا استثناء..
الشباب كانوا يفرّغون بهذا كبتّا جثم على صدورهم سنوات وسنوات..
وينفّثون عن غضب مزّق إحساسهم بذاتهم طويلا..
ولكن الغضب والانفعال، أفقدهم الرؤية الحكيمة للأمور..
وبدأنا نسمع من الشباب شتائم..
وسِباب..

ونقرأ كلماتهم الجارحة على كل من يختلف معهم..
وتحوّل فيس بوك إلى مشتمة، بدلا من أن يكون وسيلة اتصال اجتماعية راقية..
وبدأ الشعب يرهق من كل ما يحدث..
هذا لأنه هناك قاعدة تقول: إن القافلة تسير بقدر احتمال أضعفها..
والشباب ليسوا أضعفها..
إنهم أقواها..
بحكم أنهم شباب..
ولكن العجيب أنهم -وعلى الرغم من قيامهم بثورة ضد الديكتاتورية وقهر الرأي- صاروا أكثر ديكتاتورية وقهرا، لرأي كل من يخالفهم أو يختلف معهم..
وعشقوا المسمّيات والتسميات..

ولأنهم عانوا الكثير من الميدان وفي الميدان، فقد بدأوا أيضا مرحلة الانفصالات..
لقد رفضوا الاستماع إلى رأي أي شخص، لم يكن في التحرير !
هذه أيضا تبدو فكرة ثورية أنيقة، ولكنها تفتقر حتما إلى المنطق..
كل المنطق..
فالحسابات الهندسية تقول: إن المتر المربع الواحد من الأرض، لا يمكن أن يحتمل أكثر من أربعة أشخاص، يمكنهم الحركة والتنفّس..
وحساب الأمتار المربعة لميدان التحرير بالكامل..
وحديقته..
وكل الشوارع المتصلة به..
وحتى ميدان عبد المنعم رياض..
بحساب كل هذه المساحة، استنادا إلى القاعدة الهندسية، سنجد أن الحد الأقصى الذي يمكن أن تحتمله المنطقة كلها من البشر (مكدّسين)، لا يمكن أن يبلغ أكثر من نصف المليون من البشر..
ولو افترضنا أنه لم يكن هناك موضع لمتنفّس، فسيبلغ عددهم ثلاثة أرباع المليون، وهذا تقدير جزافي خرافي، يتجاوز كل الحسابات..

إذن فالغالبية العظمى من شعب مصر ومن أصحاب الأصوات الانتخابية، لم تكن في التحرير، ولم يكن لها موضع قدم فيه..
وهي لا تقبل أن تستبعد من الصورة لهذا السبب..
ولا لأي سبب آخر..
ثم إنها كانت غاضبة من القمع الجديد..
كل مَن يخالف رأي التحرير مستخدما حرية التعبير، صار يُوصف بالعمالة والخيانة، وبأنه من الفلول وأتباع الفلول..
الأغلبية العظمى من الشعب، وُصفت بأنها "حزب الكنبة"، والأغلبية الصامتة، وتجاوزات أخرى عديدة غير محسوبة..
أهمها السلبية..
ثم جاءت الانتخابات، لتقلب الصورة رأسا على عقب..
وبمنتهى القوة..


(يتبع)

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (2 منشور)

avatar
grandson-of-the-pharaohs 26/01/2012 14:25:45
عندك حق فى كل كلمة
الثورة الحقيقية التي انا اعترف بها هى الثورة التي بدأت من(((((((( 25 يناير الى 11 فبراير ))))))))
فيما عدا ذلك ثورات فئوية لا اعترف بها
تحياتى لحضرتك دكتور نبيل فاروق
avatar
جودى 28/01/2012 00:32:29
اختلف مع حضرتك فى الرأى

ولكن الاختلاف لا يفسد للود قضية :)
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال