الرئيسية | مقالات | ذئاب الصحراء

ذئاب الصحراء

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ذئاب الصحراء

حوادث سرقة السيارات زادت على نحو ملحوظ فى الآونة الأخيرة.. وحالات البلطجة مستمرة، على الرغم من الوجود الأمنى الملحوظ، وعلى الرغم من الحملات المستمرة على أوكار البلطجية، وأوامر الاعتقال، التى تصدر بشأنهم.. هذا ببساطة لأن البلطجية فقدوا فجأة بعد الثورة مصدر الدخل المضمون، الذى كان يغنيهم عن البلطجة بنظام «أنت وحظك»، إذ كانوا أو كانت الغالبية العظمى منهم، تعمل تحت مظلة حماة القانون، وتحت رعاية الحزب الحاكم السابق، الذى صنع منهم جيشا غير رسمى، يواجه به خصومه، ويسيطر به على معارضيه، ويزوّر به كل انتخابات، وكل استفتاءات.. ولأنهم كانوا الطابور القذر للدولة، فقد كانوا يحصلون من عرقنا وكدّنا، على رواتب شهرية ممتازة، بالإضافة إلى مكافآت كبيرة، مع كل انتخابات، وعقب كل التظاهرات، عندما يمارسون بلطجتهم، تحت سمع وبصر ورعاية وحماية القانون، الذى كان يفترض منه إلقاء القبض عليهم، وتأمين المجتمع منهم. أولئك البلطجية وجدوا أنفسهم فجأة بلا دخل، وبلا مهارة للقيام بأى عمل شريف، لذا فقد انقسموا إلى قسمين. قسم يتبع بعض فلول الحزب القديم، والذين ما زالوا يستخدمون البلطجة والبلطجية، فى محاولة لإثارة الفتنة فى الشارع، ونشر الفوضى وعدم الأمان فى المجتمع، على أمل إفشال الثورة، أو إفراغها من مضمونها، وقسم آخر لم يفز بالصفقة نفسها، فلم يجد أمامه سوى التآزر، للقيام بعمليات السلب والنهب، وفقا لمتطلبات سوق المسروقات، التى تهتم بشدة بالسيارات، التى يمكن تهريبها عبر الحدود، أو فكّها وبيع أجزائها فى سوق قطع الغيار المستعملة، أو حتى مساومة أصحابها على إعادتها، مقابل مبالغ مالية كبيرة، كما حدث فى العديد من الحالات… ومراجعة أنواع السيارات المستهدفة، تشير فى وضوح إلى اختيار السيارات رباعية الدفع فى معظم الأحيان، وهذا يوحى بأن سارقيها يبحثون عن سيارات قوية، يمكنها أن تتوغّل فى قلب الصحراء.. والشارع العادى يتحدّث عن مكامن صحراوية، يحتفظ فيها السارقون بالسيارات المسروقة، ويحتمون فى مرتفعاتها من أى هجوم من الأمن المركزى أو قوّات الشرطة العادية، باعتبار أن القاعدة العسكرية تقول إن المحتمى بالموقع الأعلى، يمكنه السيطرة على المهاجم، من الموقع الأدنى، أى أننا باختصار، أصبحنا أمام حرب صريحة، بين عصابات قوية، تحتمى بصحراء مترامية الأطراف، وقوّات أمن لا تملك التسليح المناسب، لكشف مكامنها، أو شن الهجوم عليها.. هذا لأن قوات الشرطة، فى معظم البلاد المتحضّرة، تملك سربا من طائرات الهليكوبتر، المزوّدة بأسلحة دفاعية وهجومية، تمكّنها من السيطرة، فى مثل هذا النوع من المواجهات.. هنا إذن ينبغى علينا أن نتوقّف، ونحسبها

***

طوال عقود، كان الاهتمام بتسليح الشرطة وقوات الأمن، موجها فى اتجاهين، الاتجاه الأول هو قمع الجريمة، ولم يكن يحصل على النسبة الأكبر من الاهتمام والتسليح، كما يحدث فى أى شعب متحضر، أو كما ينبغى أن يكون… أما الاتجاه الثانى، الذى حصل على الاهتمام الأول، فكان قمع الشعب وإرهابه وتخويفه، ومنعه من التفكير فى الثورة، والسعى إليها. وربما لهذا السبب بالتحديد، لم تكن نوعية التسليح مناسبة، للتعامل مع ذئاب الصحراء، أو ذئاب الجبل، الذين هم دعامة الجريمة، وأساس قوتها وسيطرتها، ولكن الظروف تغيرت الآن، كما هو مفترَض، والشرطة صار عليها أن تكون فى خدمة الشعب بحق، لا فى خدمة الحاكم، أو النظام الحاكم، لذا يتعين تطويرها، وتطوير أدائها وتسليحها، بحيث تكون قادرة على مواجهة التحديات الحديثة، والتصدى للجريمة والمجرمين، على نحو يتناسب مع تحديات المرحلة، ومع النظريات الأمنية الحديثة، فى القرن الحادى والعشرين… والسؤال الآن هو: لماذا لا يتم تزويد الشرطة بطائرات الهليكوبتر، شأن كل أجهزة الشرطة، فى البلاد المتقدمة؟! قديما كان النظام يعترض على الفكرة، خشية أن تتعملق قدرات الشرطة، وتصبح قوة حقيقية، يمكنها أن تتمرد على نظام الحكم العجوز، أو تتخذ موقفا مضادا له، فى وقت ما، كما أن النظام كان يدرك أنه نظام قمعى ديكتاتورى، ليس له قبول حقيقى فى الشارع، وربما ليس له قبول فعلى بين قوات الشرطة نفسها، وعلى الرغم من علمه بقيمة طائرات الهليكوبتر، فى مراقبة الشارع، وتوجيه حركة المرور، والإسعاف، ومطاردة المجرمين، فى الصحارى والجبال، فإنه فضّل أمنه الشخصى، على أمن وطن كامل، وراحته الشخصية، على راحة شعب بأكمله، وتجاهل أمن وأمان شعبه، مقابل أن يتضاعف شعوره هذا بالأمن والأمان، واطمئنانه إلى أن السماء لن تأتى له بطيّار هليكوبتر متمرد، يشن هجوما انتحاريا على القصر الجمهورى مثلا… لهذا تعطل مشروع هليكوبتر الشرطة، وأُلغِىَ مشروع الإسعاف الطائر، إلا للأجانب، فى السواحل الجنوبية. ولكن الزمن لم يعد يحتمل غياب هذا السلاح الخطير، ولا غياب الإسعاف الطائر للجميع، فى بلد بلغ زحام شوارعه مبلغا، يضمن موت المصاب الحتمى، قبل أن تتجاوز سيارة الإسعاف العادية حرب الزحام فى الشوارع، وتربح لعبة أكروبات السير، لتصل به إلى المستشفى. لو حسبناها، فسنجد أن هليكوبتر الشرطة صارت ضرورة حتمية، ليتطور جهاز الشرطة، كما تطور أداء الجريمة، ففى العالم الذى نعيش فيه، لا وجود للثبات، فإما أن نتطور وإما أن ننقرض، ونفشل وتذهب ريحنا، ونجد أنفسنا فى ذيل قائمة الدول، وإما أن نقع فى قبضة الذئاب… ذئاب الصحراء.

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (1 منشور)

avatar
Wesley 21/08/2013 23:06:16
I'm not quite sure how to say this; you made it exlermety easy for me!
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال