الرئيسية | مقالات | المؤامرة

المؤامرة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
المؤامرة

منذ قيام الثورة، والحديث عن المؤامرات لا ينتهى ولا ينقطع، والتشكيك أيضا لا ينتهى ولا ينقطع.. الكل يشك فى الكل، ويتهم الكل، ويخوّن الكل.. الكل لديه اتهامات وتخوينات وتشكيكات، والكل -بلا استثناء- لا يقدّم دليلا واحدا على هذا، بخلاف اختيار مقاطع الفيديو، التى تؤيّد وجهة نظره، وتجاهل تلك التى تتعارض معها، وترديد الشائعة التى تتناسب مع هواه، واستنكار كل ما يخالف هواه.. الديكتاتورية الفاشية الرهيبة، صارت أساس التعامل بين الجميع، فإياك أن تقول رأيا يخالف من يصرخون بصوت يعلو صوتك، أيا كان ما يقولونه أو يفعلونه، وإلا شنوا عليك حملة مسعورة، دافعهم الوحيد فيها هو الشك المرضى، فى كل شىء وأى شىء.. وإياك أن ترى غير ما يريدون، وإلا فلن تنجو من تهديداتهم، وسبابهم، وغضبهم، و.. أيضا بلا دليل أو سند.. فكيف يمكن أن تصل إلى الحقيقة، أى حقيقة، فى ظروف بالغة الانفعال والاندفاع كهذه؟ والحديث عن أى مؤامرة، من أى جانب، وضد أى جانب، والرغبة فى التوصّل إلى الحقائق فيها، يحتّم دراسة كل المعطيات «الحقيقية»، بعقل وحكمة فقط، ودون حماس أو انفعال أو اندفاع، لأن الثلاثة يُذهبون العقل، ويغشون البصر، ويعمون القلب.. ومن المستحيل، فى الوقت ذاته، أن تتوصّل إلى أى حقيقة، دون أن تعتمد بعض الثوابت، التى يبدأ من عندها البحث، وأن لا تكون تلك الثوابت هى ثوابت من وجهة نظرك وحدك، ونابعة من غضبك، أو من تحيّزك لفئة دون أخرى، بل من الضرورى أن تكون ثوابت عامة، متفقا عليها، منك وممن يخالفونك الرأى، وإلا فلن تصل إلى الحقيقة أبدا، بل ستصل فقط إلى ما تريد إقناع نفسك بأنه الحقيقة، علما بأن الحقيقة الفعلية هى التى ستبنى النتائج، سواء أقبلت بها أو رفضتها، وهى لن تبالى بغضبك أو حماستك، أو انفعالاتك، أو حتى وجهات نظرك، لأنها فى النهاية، الحقيقة.. ثم عليك أن تبدأ من نقطة ما، وتطرح عندها الأسئلة المناسبة، وأن لا تفترض النتائج، قبل بدء البحث، لأن هذا كفيل بتوجيهك إلى وجهة خاطئة، حتى وإن لم تتعمّد هذا أو تقصده.. وقديما، كان لأحد أساتذتى الأفاضل قول، ما زلت أؤمن به، إذ كان يقول «إنك لو دخلت معملك، مستهدفا إثبات صحة نظرية ما، فأنت عالم فاشل، وإن دخلته، مستهدفا إثبات خطئها، فأنت أفشل، وإنما عليك أن تدخل معملك بعقل مجرّد، يبحث فى حيادية، عن صحة أو خطأ النظرية، وعندئذ فقط ستتوصّل إلى الحقيقة».. دعنا إذن نتجرّد من حماسنا، وانفعالاتنا، واندفاعاتنا، لنبدأ رحلة البحث عن الحقيقة.. حقيقة المؤامرة.

***

الحديث عن وجود ثورة مضادة، أصاب البعض بالسأم والملل، ولكن الحديث عن المليونيات والجُمَع، أصاب البعض الآخر أيضا بالسأم والملل، ولكن هذا لم يوقف المليونيات، ولم يُنهِ لعبة الجُمَع… السأم والملل إذن لا ينفيان وجود الشىء، ولا ينهيان هذا الوجود، وإنما الحقائق وحدها تحسم الأمر فى النهاية، رضينا بها أو لم نرضَ، واعترفنا بها أو لم نعترف… فالثورة المضادة حقيقة تاريخية حتمية، تعقب كل ثورة، منذ بدء الخليقة، وحتى نهاية الكون، لأنه من غير المنطقى أن تندلع ثورة -أى ثورة- وتقتلع نظاما، دون أن يسعى هذا النظام، ويسعى كل من أفاد من وجوده، إلى ثورة مضادة، تُفشِل الثورة الأصلية، وتنتزع التفاف الشعب حولها، وتفصله عنها، حتى تتحول من ثورة إلى مظاهرة كبيرة، ثم مظاهرة عادية، ثم ثورة على الثورة فى النهاية… والحديث يدور الآن عن مؤامرات داخلية وخارجية من جانب، وعن مؤامرات من المجلس العسكرى، من جانب آخر… ودعونا نبدأ من فكرة وجود مؤامرة داخلية أو خارجية، لإشاعة الفوضى، وإفشال الثورة… ولنبدأ بالبحث عن أول الخيط، ما دمنا قد حددنا الدافع… فداخليا، سنجد أن أتباع النظام السابق، ومن أفادوا من وجوده، لم يكونوا فئة قليلة، ولم يكونوا من قياداته فحسب، وإنما كانوا من كل من سكبت عليه تلك القيادات فسادها وتجاوزاتها، وكل من سلب ونهب واختلس وارتشى وفسد، فى ظل نظام القهر والطغيان، أى أنهم كانوا مليونية، تفوق ما شهدناه من مليونيات، منذ اندلعت الثورة، وكل هؤلاء يجمعهم الآن صراع بقاء، يدفعهم إلى التآزر كقطيع من الذئاب المتوحشة، لإشاعة الفوضى، وإفشال الثورة، عبر مخطط ليس بالعسير، فى ظل الاندفاع الانفعالى، الذى يجعل من الغاضبين فريسة سهلة، لكل من يسعى لتوجيه حماستهم النبيلة، إلى الهدف الذى يسعى هو إليه، عبر شائعات متفجرة، أو إعادة تفسير بعض المواقف أو المشاهد، أو صبغها بصورة تخالف حقيقتها، اعتمادا على أن الطبيعة الثائرة تميل إلى كل ما يتفق مع انفعالاتها، بغض النظر عن صحته أو كذبه، وهذا هو الأساس الذى بُنى عليه علم الشائعات، منذ زمن النازية… ولقد عايشت بالأمس القريب هذا الموقف، عندما أشيع أن دبابات الجيش تحاصر الشباب، مع وقفة احتجاجية لهم، وأكد مراسل لقناة غير حكومية، من موقع الأحداث، أنه لا يوجد أى دبابات على الإطلاق، مما يوحى بأن الغرض من إشاعة وجودها، هو بث الغضب والحنق فى النفوس فحسب! وتآزر ذئاب النظام القديم، بما لديهم من ثروات طائلة، وخبرات تآمرية طويلة، يكفى لإشعال ثورة مضادة عنيفة

***

لو انتقلنا من الحديث عن احتمالات وجود مؤامرة ثورة مضادة داخلية إلى احتمالات وجود مؤامرة ثورة مضادة خارجية، فسنلاحظ أن الدوافع هنا ستختلف، وستتعاظم إلى حد كبير، فعقب ثورة تونس، تصوّر رجال النظام السابق أن هذه حالة استثنائية، وأن ماحدث هناك، فى بلد صغير، لا يمكن أن يتكرر فى بلد كبير محورى مثل مصر، وكانت لديهم ثقة مبالغة، فى قوة نظامهم الأمنى، ومناعته، وقدرته على إمساك البلاد بقبضة من حديد، وحمايتهم من أى اعتداء أو ثورة شعبية.. ونستطيع أن نقول إن هذا ماتصوّرته أنظمة عربية أخرى، وحتى شعوبها.. ولكن الثورة اندلعت فى مصر، وعلى الرغم من الحشد الأمنى، انهار جدار الأمن الفولاذى، وسقط النظام، وربحت الثورة خطوتها الأولى.. وهنا أشرق الأمل فى قلوب وعقول الشعوب العربية الأخرى، التى عانت من الظلم والذل والهوان، لعقود وعقود.. واندلعت الثورات فى ليبيا واليمن وسوريا، وبدأت شرارتها تهدد دولا أخرى، خصوصا بعد انتصار الثورة الليبية، وصرْع ديكتاتورها العجوز.. ومن الطبيعى، والحال هكذا، أن تنفق تلك الدول المليارات فى سبيل إفشال ثورة مصر، حتى تحبط الفكرة، فى قلب وعقل شعوبها، وحتى تلك التى لم تنحسم ثورتها بعد، ستسعى حتما إلى إفشال ثورة مصر، لتحبط بفشلها الأمل، فى قلب ثوّارها.. ثم إنه هناك دول قريبة أو بعيدة، كانت تشعر بالأمان، فى وجود نظام ضعيف، هو تابع خاضع لها، يأتمر بأمرها، وينحنى لرغباتها وربما أوامرها.. وسقوط هذا النظام يهدّد وجودها فى المنطقة، ويهدد يدها الطولى فيها، ويعيدها إلى حالة استنفار قصوى، ارتاحت منها منذ عقود، وهى لن ترضى عن وجود نظام مختلف، يهدد أمنها القومى وحدودها، وإن كانت قد أنفقت المليارات، فى ظل وجود نظام حليف، حتى تضمن عدم استقراره داخليا، وأعلنت هذا بكل وقاحة، فليس من المستبعد، بل ومن الأكيد أن تنفق عشرات المليارات، لكى تزعزع استقراره واقتصاده، بعد قيام الثورة، وهى فى هذا الصدد لن تتعامل بأسلوب قطيع ذئاب النظام السابق، ولكن بخبرة وحرفية، ومخططات استخباراتية مدروسة، مستخدمة ما يسمى بالشائعة السوداء، حيث تطلق شائعات تبدو وكأنها من مصدر ثورى حماسى، ولكنها فى الحقيقة من مصدر يخالف هذا تماما، أو ما يسمى بالشائعات الرمادية، التى يصعب تحديد مصدرها بالضبط، ولكنها مدروسة بمنتهى الدقة والعناية، بحيث تحرص على الاحتقان المستمر، ضمانا للوصول إلى حالة الفوضى، التى تضمن بالتالى الثورة على الثورة، عبر عزل الشعب عن الثوّار، من منطلق سياسة فرّق تسد القديمة، ومن منطلق الانهيار الاقتصادى، الذى يعقب هذا.

***

من العسير جدا على الشخص العادى، الذى لم يدرس نظم التآمر وعمليات التخابر أن يدرك مقدار ما يمكن أن تقوم به أجهزة تخابر محترفة، لإشعال الثورات والفتن، أو إجهاضها وإفشالها، ولا كم تضمه تلك الأجهزة، من خبراء فى علم السلوك الإنسانى، والنفس البشرية، وعلم السلوك الاجتماعى للشعوب المختلفة، ولا كيف تعد تلك الأجهزة خططها، فى صبر وتأن، مستعينة بعناصر قليلة منها، وممن يعملون لحسابها، لإذكاء نار الفتنة، واستغلال كل المشاعر والنيات الطيبة، لحشد الانفعالات، وإعادة توجيهها إلى حيث تشاء، بحيث تبدو تلقائية تماما، وذات هدف وطنى نبيل.. والكتابات فى هذا الشأن كثيرة، ربما أكثر مما نتصوّر، وتملأ أرفف المكتبات، وشبكات الإنترنت، ولكن لا أحد يطالعها، أو حتى يلتفت إليها، على الرغم من أن مؤلفى أغلبها من رجال المخابرات السابقين، الذين خططوا، أو تابعوا، أو نفذوا تلك الخطط الشيطانية، التى تلاعبت بمصائر شعوب كاملة، بحجة حماية الأمن القومى لشعوب أخرى.. والعجيب أن معظم تلك المؤلفات تروى تاريخ إشعال الفتن والثورات، وتاريخ إحباط وإفشال ثورات أخرى، من لورنس العرب، فى الجزيرة العربية، وحتى ثورة إيران الأولى فى الستينيات، وبعضها يشرح بالتفصيل، خطوات إشعال الثورات، والثورات المضادة، وإفشال الثورات أيضا، وعلى الرغم من هذا، وأن كل التفاصيل والخطوات منشورة ومتاحة، فإنها ما زالت تنفّذ وبنجاح، فى كل مكان من العالم تقريبا، وما زالت خطواتها تسير بنفس الترتيب، وعلى نفس النهج، وتعطى نفس النتائج، لأن أحدا لا يقرأ، أو يستمع، أو حتى يفكّر، وإنما ينبت الغضب، فيضيع وضوح الرؤية، وتذهب الحكمة، ويتوارى التريّث، ويبرز الانفعال، ويرى كل شخص أنه على صواب لا يقبل الخطأ، وكل من يختلف معه على خطأ، لا يحتمل الصواب.. والمدهش أن هذا بالضبط ما ورد فى تلك المؤلفات، كأكبر عامل من عوامل إحباط وإفشال الثورات.. ومعظم هذه المؤلفات موجود على شبكة الإنترنت، لمن يرغب فى مطالعتها، لو أن هناك من يفكّر فى هذا، ولكن خبراء إشعال وإحباط الثورات، قالوا فى مؤلفاتهم، إنه لا ضرر من نشر التفاصيل، لأنه فى حالة الاندفاع والانفعال، لن يقرأها أحد، ولن يصدّقها أحد، ولن تتبع الشعوب الغاضبة من ينبه إليها.. وكانوا على حق تماما.. واحتمالات التآمر الخارجى لا تقتصر على هذا، إذ إنه هناك دافع آخر، لم يرد ذكره بعد، وهو وجود دول أخرى، تختلف مذهبيا ومنهجيا، مع النظم الدينية السنية، التى اكتسحت معظم مقاعد المرحلتين الانتخابيتين السابقتين، والتى من الواضح أنها ستحقّق النتائج نفسها، فى المرحلة الثالثة، وهذا يقلقها بشدة..

***

وجود قوة دينية سُنّية على رأس الحكم فى مصر يثير قلق وخوف جهات عديدة فى أماكن مختلفة من العالم، لتعارض هذا مع مخططاتها، وما رسمته لمستقبلها… أو لخلافات مذهبية حديثة، نشأت بدعم حكومى، وخلافات حدودية فى بلدان أخرى، وهذا يقود إلى ضرورة إفشال الثورة التى أتت بتلك النظم ذات التوجهات الدينية من خلال مخططات مخابراتية تمتلك الدول المموّلة رصيد خبرات طويل فيها، مما يجعل لديها دوافع قوية للتآمر على الثورة.. وهذا يقودنا مرة أخرى إلى رحلة البحث عن الحقيقة.. وفقط الحقيقة، التى مهما قلنا أو فعلنا ستحسم كل الأمور فى النهاية.. ووفقا للدراسات العلمية والعملية، فهناك أربع فئات لا يمكن أن يقودوك أبدا إلى الحقيقة المجرّدة، وهم الثائر، والغاضب، والمنفعل، وصاحب المصلحة.. فالثائر تدفعه ثورته إلى الخوف من ضياع مكتسبات ثورته.. وتدفعه أسباب ثورته إلى التعامل مع كل الأمور بشك وحساسية مفرطين، مما يحجب عنه وضوح الرؤية، ويجعله يبنى كل أفعاله وردود أفعاله على ما يسمى قانونيا بالأدلة الظرفية، وهى الأدلة المرتبطة بظروف بعينها يراها هو من منظوره وقد يراها سواه من منظور مختلف.. أما الغاضب والمنفعل، فكلاهما لا يستطيع أبدا رؤية الحقائق، ولا التعامل مع الأمور بعدل وحكمة، وهذا يمكن أن تراه فى وضوح عندما ينفعل شخص ما فى مناقشة عادية، فيتجاوز باللفظ والفعل، وربما يندهش هو نفسه، بعد مرور الموقف مما قاله أو فعله فى ذروة انفعاله أو ثورة غضبه…. وصاحب المصلحة أمره معروف، فهو سيحجب كل معلومة تتعارض مع مصالحه، ويضخّم كل معلومة تتفق مع مصالحه إلى هنا والحديث علمى بحت، لا يرتبط بأشخاص أو أحداث أو مواقف بعينها، وإنما يتعلّق بعلم البحث عن الحقيقة، ونظم تفنيد الأمور، عندما تختفى أو تنضب الأدلة المادية اللازمة لحسم الأمور.. ومنه نعود إلى السؤال الأساسى عن المؤامرة، والذى تبقى منه الجزء الخاص بأن يكون المجلس العسكرى هو المتآمر، على نحو أو آخر.. هنا أيضا لا بد لنا من البحث عن الحقائق وعن الدوافع والاحتمالات.. ولو كان المجلس العسكرى متآمرا بالفعل، فعلينا أن نسأل أنفسنا، متآمر مع من وضد من؟! لو قلنا إنه متآمر مع النظام القديم ضد الثورة، فعلينا أن نتساءل لماذا يسعى إلى عمل أوّل انتخابات ديمقراطية حقيقية فى العقود الستة الماضية؟ ولماذا يضيف جبهة قوية إلى معارضى النظام السابق، بحيث تتحتّم المواجهة المسلحة العنيفة فى حالة محاولته إعادة النظام السابق، إذ إن التيار الإسلامى الذى عانى الأمرّين فى زمن النظام السابق، لن يسمح بالتراجع

***

وفقًا لكل الدراسات العلمية والأمنية، هناك خطوات أساسية، للتآمر على إفشال الثورات وإحباطها، وأولى تلك الخطوات هى ضرب السلاح الأساسى لأى ثورة، وهو التآزر الشعبى معها، الذى يمنحها القوة والطاقة، لتتحول من مجرد مظاهرة غاضبة عارمة، إلى ثورة حقيقية… وعندما يحدث الانفصال الشعبى عن الثورة -أى ثورة- لا يعود المضى فى الخطوات التالية صعبا أو§ عسيرا، مهما بلغت الاضطرابات، أو القلاقل، أو حتى التظاهرات… وعندما تحدث الشيخ الشعراوى، تَغمّده الله سبحانه وتعالى برحمته، عن الثائر الحق، كان يصف الحالة المثالية، التى يستطيع معها الثائر -أى ثائر، فى أى ثورة- أن يحقق أهدافها، ويصل بمكاسبها إلى بر الأمان، محافظا على وقودها الشعبى الأساسى، فى حالة تآزر دائم، دون فرقة أو خلاف… وإذا كان قيام الثورات صعبا، فالحفاظ عليها أكثر صعوبة، ويستلزم الكثير من الحكمة، والعقل، وحس التصرف… ومشكلة الحديث عن المؤامرة، هى أن الوطن كله الآن فى حالة غضب، لا تسمح له بتقبُّل الحديث العلمى أو المنطقى، أو حتى المنهجى، وهى حالة يستحيل معها التوصل إلى حقيقة جازمة، فالبعض غاضب من المجلس العسكرى، والبعض الآخر غاضب مما يحدث فى التحرير، والبعض الثالث غاضب من اضطراب الأحوال السياسية، وما استتبعه من اضطراب اقتصادى، وانخفاض فى مستويات الدخل، وازدياد مواكب فى الأسعار، والبعض الرابع غاضب من تنصل التحرير من الخلل الاقتصادى، وهناك بعض خامس وسادس وسابع… وربما أكثر، المهم أن المجتمع فى النهاية صار أشبه بالفيشار فى أثناء طهيه، فكل فرد أو فئة منه، أشبه بحبات الفيشار، وهى تتقافز طوال الوقت، قبل أن ينضج بعضها، ويتلف البعض الآخر، ولا ينضج البعض الثالث… والحيرة والخوف صارا الأساسين الانفعاليين للجميع، مما صنع حالة من عدم التوازن النفسى، تتلف أى محاولة للبحث عن الحقيقة، كأن الكل يتآمر مع نفسه، على نفسه، بمعاونة وتخطيط نفسه… والبحث عن الحقيقة، فى مناخ كهذا، أشبه بالبحث عن جزيرة مختفية تحت الماء، وسط عاصفة بحرية عاتية، والكل يصرخ فى وقت واحد، فلا يعود بوسعك سماع أحد، أو فهم ما يقوله أحد… وفى بعض الأوقات نسمع من يطالب بطرح الحقائق كلها، وإلا فالأفضل عدم الحديث عنها، ولكن لا هذا يصلح، ولا ذاك ينفع، فعندما يتعلق الأمر بمؤامرة كبرى، ترتبط عملية كشف الحقائق بعشرات الأمور، وببرنامج أمنى خاص، لا يمكن تجاوز توقيتاته، وإلا فشلت العملية كلها، ونجحت المؤامرة، بدلا من إحباطها، وفى مرحلة الفيشار هذه، لا أحد يحتمل الانتظار، ولكن تحكم الجميع عقدة الكمبيوتر…

***

الكمبيوتر اختراع عظيم، غيّر وجه العالم كله، لقدرته القمّية، على إنهاء عمليات حسابية شديدة التعقيد، فى وقت قياسى، وبضغطة بسيطة على زر واحد.. ولقد اعتاد شباب هذا العصر على وجود الكمبيوتر، وسرعة أدائه، واعتادوا بلوغ العالم بضغطة زر واحدة.. ثم بدؤوا تعاملاتهم مع الحياة الواقعية، دون أن ينتبهوا إلى الفارق الرهيب، بينها وبين الكمبيوتر، ففى الحياة الواقعية، بخلاف عالم الكمبيوتر الافتراضى، لا تتم الأحداث بضغطة زر، وإنما تسير وفقا للمنهج الزمنى الطبيعى، حيث يتحتّم المرور بكل المراحل، مع ما تستلزمه من وقت، قبل ظهور النتائج.. ولكن التعامل الدائم مع الكمبيوتر، أفقد كثيرا من الشباب صبرهم، وجعلهم يطالبون بالنتائج فورا، ودون ما يستلزمه الأمر من خطوات ضرورية.. هذا أيضا بحث علمى، وليس رأيا شخصيا، ويمكن الرجوع إليه على شبكة الإنترنت، عبير الكمبيوتر نفسه.. وخطوات كشف المؤامرات والتآمرات، تتم وفقا لقواعد الحياة الواقعية، لا الافتراضية، وهناك أسس للبحث، أهمها تبيّن وجود التآمر من الأساس، ودعونا هنا نتحدّث عن جريمة معتادة، مثل الاتجار بالمخدرات، وسنجد أن وجود المخدرات فى الشارع، هو دليل قاطع على وجود عمليات تهريب المخدرات، وتوزيعها، والاتجار فيها، وليس من المنطقى أن ننفى هذا، لمجرّد أننا لم نلق القبض على الفاعلين الأصليين، ولا أن يستنكر أحد الحديث عن تجارة المخدرات، فقط لأنك لم تمنحه أسماء بعينها، يوجّه إليها الاتهام.. وهذا ينطبق تماما على الحديث عن المؤامرة، فكل شواهدها تكون موجودة واضحة، ولكن القائمين عليها لم ينكشف أمرهم بعد، وليس من المنطقى أن نستنكر وجودها، فقط لأننا لن نكشف مدبّرها، سواء أكان أفرادا، أو جهات أمنية رفيعة المستوى.. ولو أردنا تحليل الموقف على أرض الواقع، فسنجد أن المؤامرة الوحيدة، واضحة المعالم، هى تآمر الشباب بأنفسهم على أنفسهم، دون حتى أن يدركوا هذا، فطوال أحد عشر شهرا، وبعد أن قاموا بثورة عظيمة، شاركت فيها كل فئات الشعب، من كل الأعمار والطبقات، بدؤوا مرحلة عجيبة من التعامل مع الشعب، الذى ساندهم فى ثورتهم، وكانوا أوّل من انفصل عنه، عندما تحدّثوا عن شرعية التحرير، لا عن شرعية الشعب، وعندما سخروا من الأغلبية الصامتة، ووصفوها بحزب الكنبة، ثم عادوها بعبارات مستفزة، وسخريات لاذعة، وعندما تحدّثوا عن أن من شارك فى التحرير فقط، هو صاحب حق تقرير المصير، منتزعين هذا الحق من باقى طبقات الشعب، على الرغم من أن معنى الثورة، أن يستعيد الشعب كله، حقه فى التعبير، وفى تقرير مصيره، حتى لو كان من حزب الكنبة، أو حزب المقعد ذى العجلات

***

انفصال شباب التحرير عن الشعب، كان أول خطوات المؤامرة، التى تورط فيها الشباب، دون أن ينتبهوا إلى هذا، ودون أن يدركوا أن الغلبة فى النهاية للشعب، لا لميدان التحرير، أيا كان عدد من يذهبون إليه، أو يتظاهرون فيه، أو يعتصمون فى حديقته، ولقد أسهم الإعلام فى المؤامرة، عندما انحاز للثورة فى تعنت، ورفض أن يستغل الثورة فى صنع إعلام حر، يتعامل مع الرأى والرأى الآخر، ولم يسع إلى تحرير العقول من نظام الفكر الواحد، إما لأن الإعلاميين كانوا، مثلهم مثل باقى الشعب أو معظمه، غاضبين من مساوئ وتجاوزات العهد السابق، وإما لأن بعضهم كان من أتباع العهد السابق، ويسعى مستميتا إلى محو تاريخه الأسود، عبر الهجوم الشرس على أى شىء، وكل شىء… وفى نفس الوقت، الذى انشغل فيه شباب التحرير بالثورة، التى لا تهدأ أبدا، ورفضوا فى تعنت الاعتراف بتأثير الاحتقان المستمر على الاقتصاد، كانت هناك جهات أخرى، تتواصل مع الشارع، وتتقرب منه، وتستغل متاعبه الاقتصادية بعد الثورة، ورغبته فى الهدوء والاستقرار، لتفصله أكثر عن ميدان التحرير، وتجتذبه إليها، والتحرير منشغل عن كل هذا بمليونياته وجُمَعه، وبابتكار عناوين مثيرة وجذابه لها، وحشد الكثيرين للتظاهر والاعتصام، متناسيا أن القافلة، أى قافلة، لا تسير إلا بقدر احتمال أضعفها، وأن الغالبية العظمى من حزب الكنبة، قد أرهقها ما يحدث، وصارت تنشد الخلاص من نظام جديد، يرى أن له شرعية، تفوق شرعية الشعب كله… وجاءت الانتخابات التشريعية، لتثبت نجاح مؤامرة الشباب على أنفسهم، وخطأ انشغالهم بمليونية التحرير، عن أربعة وثمانين مليونا آخرين، ولم تعد الصورة لصالحهم، على رقعة شطرنج الحياة… تلك الرقعة التى لا يهم فيها أن تكون صاحب الحق، ولا حتى أن تكون صاحب الأهداف الأكثر نبلا، ولا صاحب المبادئ الأعظم، وإنما كل ما يهم هو أن تجيد قواعد اللعبة، وتحسن تحريك قطعك، وأن لا تنشغل عن تحركات خصمك… ولا عن خطته الخفية، التى يربح بها الدور فى النهاية، ويحسم المباراة لصالحه، بغض النظر عن أى من الطرفين هو الأصح… وعندما تحدث شباب الثورة عن أنهم لم يحصلوا منها على شىء، أسهموا دون أن يدركوا، فى تعميق المؤامرة، وطرحوا تساؤلا جديدا… فلو أنهم أشعلوا الثورة، فى سبيل الحرية والديمقراطية، فها هو ذا الشعب قد نال حريته، واختار من يمثله، بديمقراطية حقيقية، بغض النظر عن قبولنا لما اختاره، أو رفضنا له، أما لو أنه أشعل الثورة، من أجل مكاسب شخصية، فلماذا نختار من وضع نفسه فى مرتبة أعلى منا؟! هل توصلتم الآن إلى حقيقة… المؤامرة؟!

 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (13 منشور)

avatar
Amber 11/01/2012 14:49:15
Touchdown! That's a really cool way of puttnig it!
avatar
Kenisha 11/01/2012 16:25:08
You have more useful info than the Brtisih had colonies pre-WWII.
avatar
cubewfsrtj 12/01/2012 21:50:15
IUrM4a <a href="http://monpqpnxhgrz.com/">monpqpnxhgrz</a>
avatar
klknetohz 12/01/2012 22:15:47
yyfNRn <a href="http://chlztmghynpp.com/">chlztmghynpp</a>
avatar
Cyrloud 26/01/2012 17:16:52
<a href="http://www.medsinfo.net/">tamoxifen</a> 859 <a href="http://www.jerusalemridge.com/simvastatin.htm">generic zocor simvastatin united states</a> 8-]
avatar
MariusSoma 08/02/2012 18:27:31
<a href="http://www.forgetyourworries.net/">supplemental health insurance</a> 8OO <a href="http://www.insurerslisting.com/">home insurance rates</a> 381849
avatar
ital3e 09/02/2012 18:37:58
<a href="http://www.thewesterntrib.com/">cheap health insurance</a> 307348 <a href="http://www.getallinsurplans.com/">business insurance</a> nyxo <a href="http://www.forgetyourworries.net/">child health insurance</a> 168611
avatar
Lottie 25/09/2012 12:53:50
<a href="http://www.compare-insurers.com/">discount auto insurance</a> aio <a href="http://www.mycarinsur.com/">car insurance in florida</a> %-] <a href="http://www.meds-deals.com/">cialis</a> 27562
avatar
Eagle 03/10/2012 00:59:41
<a href="http://www.compare-insurers.com/">car insurance</a> >:) <a href="http://www.carinsurcompanies.com/">car insurance</a> 8-O <a href="http://www.insurauto.net/">affordable car insurance</a> vpvl
avatar
Kristanna 07/10/2012 04:31:16
<a href="http://www.car-insur-online.com/">car insurance</a> =-D <a href="http://www.insurersbasic.com/">cheap car insurance</a> :-D <a href="http://www.greathealthinsur.com/">health insurance</a> %-D <a href="http://www.unamedica.net/">cheapest viagra</a> =-[
1 2 next المجموع: 13 | عرض: 1 - 10

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال