الرئيسية | مقالات | ذكريات معه ... خواطر حزينة عن الأستاذ حمدى مصطفى

ذكريات معه ... خواطر حزينة عن الأستاذ حمدى مصطفى

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ذكريات معه ... خواطر حزينة عن الأستاذ حمدى مصطفى

 

لست أظن، ولو للحظة واحدة، أننى سأستطيع، مهما طال بى العمر، أن أنسى هذا التاريخ الحزين ... الأربعاء، الحادى والعشرين من سبتمبر، عام ألفين وإحدى عشر ...

ففى هذا التاريخ، فقدت من كنت أعتبره أصدق الأصدقاء، وأعظم الأساتذة، وأفضل المعلمين فى حياتى، بعد والدى رحمه الله ...

إنه أستاذى، ومعلمى، وأبى الروحى، الاستاذ (حمدى مصطفى)، رئيس مجلس إدارة المؤسسة العربية الحديثة، ورائد الكتاب المدرسى فى (مصر)، وصاحب مشروع القرن الثقافى (روايات مصرية للجيب)، الذى خرج منه عدد من المؤلفين الشبان، الذين صاروا اليوم من الاسماء اللامعة، فى عالم الرواية وسماء الأدب ...

فى ذلك اليوم الحزين، وفى السابعة والنصف صباحاً، بلغنى الخبر ...

كنت أعلم أن أستاذى الرائع يعانى من مرض مؤسف، أقعده لأكثر من عامين، وأنه أصيب منذ عدة أسابيع بتدهور عام فى صحته، جعله أسير غرفة عناية مركًَّزة، فى أحد المستشفيات، ومقًَّيد إلى جهاز تنفس صناعى، على نحو لم يكن من الممكن تصوًَّره، بعد أن عهدته، طوال سبعة وعشرين عاماً، شعلة من النشاط والحيوية، وصاحب عقل متطوًَّر مبتكر، وقلب يبدو الذهب إلى جواره حديداً صدئاً ...

وعلى الرغم من ان عينىًَّ لم تعتادا البكاء، حتى فى أعقد المواقف، وأشد الخطوب، فقد فوجئت بهما، ودون أن أشعر تسيلان على وجهى بدموع من نار، لا أتصور أنها تكفى؛ للتعبير عما كنت أشعر به لحظتها ...

ففى وجوده، كنت أشعر دوماً بنوع من الامان والارتياح، وبأنه سيكون دوماً إلى جوارى، وسيحمى ظهرى، فى أية لحظة أمد يدى فيها إليه ...

وهذا ما كان يفعله، منذ بدأت معرفتنا، وحتى تطوًَّرت إلى صداقة من نوع خاص، جعلته اللإنسان الوحيد فى العالم تقريباً، الذى يمكننى أن أفرغ عنده مكنون قلبى، دون أن أخشى شيئاً، وانا الذى عرف عنى كل من عرفته فى حياتى، بان الكتمن هو جزء من شخصيتى، وسمة من سماتى ...

وكان دوماً- رحمه الله- يبادلنى بالمثل ...

كان دوماً يفضى إلىًَّ بما يجيش به صدره، حتى مشكلاته الشخصية، ومخاوفه العامة، وأستشيره ويستشيرنى، فى كل ما يواجهنا ...

وكانت بيننا دوماً حالة من الثقة، لم اجد مثلها إلا فى القليل من الناس ...

والقليل جداً ...

جداً ...

ولكى يستوعب أحدكم مقدار هذه الثقة، يمكننى ان أقول أن منا، لم يكن ليتردًَّد لحظة، فى ان يوقًَّع ورقة بيضاء، ويناولها للآخر، واثقاً تمام الثقة، من أنه لن يسئ استغلالها، مهما كانت الظروف ...

فكم من الأصدقاء، يمكنك أن تحظى معهم بهذا ؟!...

كم ؟!...

لعلكم تدركون الآن كم أنا حزين ...

متألم ...

آسف ...

لقد استنكر عقلى الخبر، حينما سمعته، على الرغم من أن الموت هو الحقيقة الوحيدة المؤكًَّدة، فى حياة كل بشرى ...

وحتى عندما كنا نصلى صلاة الجنازة على روحه الطاهرة، لم أكن قد استوعبت بعد، أننى وأبداً، لن أراه مرة ثانية ...

لن اجالسه ...

لن أقص عليه همومى ...

ولن يقص علًَّى همومه ...

وحتى عندما واروه الثرى، رفض عقلى تصديق هذه الحقيقة المرة ...

لقد غاب الفارس ...

غاب عن عالمى ...

غاب عن مشروع عمره الثقافى ...

غاب عن الدنيا ...

وبقيت أعماله ...

ففى هذا الخلود الحقيقى ...

فليس الخلود أن تعيش أبد الدهر، ولكن الخلود أن تحيا أعمالك وأفكارك من بعدك ...

ولهذا فإن الفارس سيبقى ...

سيبقى خالداً، حتى وإن أفنى الدهر جسده ...

سيبقى فى عطاياه ...

فى ذكراة من أحبوه ...

فى الخير الذى أفاضه على من حوله ...

وفى مشاريعه الثقافية العملاقة ...

فى كل من كًَّتب له دخول عالم الأدب على يديه ...

سيبقى كلما أمسك أحدكم رواية، من (روايات مصرية للجيب) ...

كلما طالعتم صفحة منها ...

أو سطر ...

أو حتى كلمة ....

ففى مرحلة تالية، وبعد نجاح مشروعه العظيم (روايات مصرية للجيب)، رأى رحمه الله، ضرورة أن يتيح الفرصة أكثر، للمزيد من الأقلام الشابة، وكان الناشر الوحيد فى (مصر)، الذى تبنى المواهب الشابة، وأتاح لها فرصة الظهور ....

ومن هنا، أنشأ، ضمن سلاسل روايات الجيب، ما أطلق عليه اسم (سلة الروايات) ...

وكانت (سلة الروايات) هذه سلسلة مفتوحة، فتح بابها على مصراعيه، لكل قلم شاب، وكل موهبة، لم تأخذ حقها فى الظهور ...

وتوالت الأسماء على (سلة الروايات) ...

وتوالت المواهب ...

والأفكار ...

والإبداعات الشابة ...

كان- رحمه الله- شديد الاهتمام بالمواهب الشابة، حتى أنه ذات يوم، ترك أحدهم فى المطبعة خطاباً، عن تفاعله مع الروايات ...

وقرأ الأستاذ (حمدى) الخطاب ...

وبحاسته الأدبية، رأى فيه موهبة واضحة ...

وعلى عكس ما يحدث، فى كل دور النشر تقريباً، جعلنا الأستاذ (حمدى) نبذل جهداً خرافياً، لمعرفة من ترك هذا الخطاب ...

وعندما عثرنا عليه، ضمه إلى عالم الروايات ...

وكانت صورة جميلة، تشف عن روح الأديب فى داخله ...

فالأستاذ (حمدى)، لمن لا يعلم، ليس ناشراً فحسب ...

إنه أيضاً أديب كبير ...

والتعريف هنا ليس مجازياً، بل حقيقة، تعرفها كتبه التى ألفها فى شبابه، والتى تحوًَّلت إلى روايات مقرًَّرة، على بعض السنوات الدراسية، فى ذلك الحين، مثل (جول جمال)، و(بطولة سفينة)، و(أيام عصيبة فى أبو عجيلة) ...

وهكذا كان يجمع بين الحسنيين ...

بين الكاتب ...

والناشر ...

وربما لهذا كان دائم البحث عن المواهب الشابة ...

فيصقلها ...

ويبرزها ...

ويمنحها فرصة عمر، لم يعد هناك من يمنحها، فى زمننا هذا ...

رحل الفارس، وترك لنا ذكراه ...

وترك لى بالتحديد، عدد لا يحصى من ذكرياتى معه ...

تلك الذكريات، التى أعود بها معكم إلى البداية ...

إلى اللقاء الأوًَّل .

*          *          *

لقائى الأوًَّل بالأستاذ (حمدى مصطفى)، كان على أرضه ... فى المطبعة، فعلى الرغم من أن مؤسسته، تمتلك عدداً من الأفرع، فى اماكن متعددة، فقد كان- رحمه الله-يرى أن أرضه الحقيقية، هى المكان الذى يتم فيه الإنتاج، وليس البيع أو التوزيع...

ولأنه من ذلك الجيل الذهبى القديم، فقد كان يؤمن دوماً بأنه لا قيمة للعمل، بدون انتاج حقيقى، يمكن أن يفيد الناس والمجتمع...

وكنت قد أرسلت، بناءً على مسابقة أعلنت عنها المؤسسة، الرواية الأولى من سلسلة (ملف المستقبل)، ووضعت لها عنواناً أساسياً (أشعة ضاد)، باعتبار أن اللغة العربية، كان يطلق عليها فى ذلك الحين اسم (لغة الضاد)، ولم أكن أتوقع أن تفوز بالمسابقة، نظراً لوصولها فى آخر دقيقة منها، إلا أننى فوجئت بخطاب يصلنى من المؤسسة، بعد أسبوع واحد فحسب، يطلب منى الحضور شخصياً؛ للتعاقد بشأنها...

وأظننى قد رويت، أكثر من مرة، على الورق، وعلى شاشات التليفزيون، كيف أننى حضرت إلى (القاهرة)، وفى جيبى قروش قليلة، وفى قلبى أمل كبير، فى أن يتحوًَّل حلم عمرى إلى حقيقة، وأصبح من أصحاب القلم المحترفين، بعد سلسلة محاولات فاشلة، مع دور نشر أخرى، لم تلق حتى نظرة واحدة على أعمالى ...

وكان اللقاء الأوًَّل ...

ولو عدنا إلى النظريات العلمية الحديثة جداً، والتى تشير إلى وجود عوامل تجاذب وراثية، بين الأفراد بعضهم ببعض، وعوامل تنافرية أيضاً، نستطيع أن نقول : إن اللقاء كان يوحى موجة توافقية جارفة، جعلتنا نشعر بالارتياح لبعضنا البعض، منذ اللقاء الأوًَّل ...

هذا لأن الأستاذ (حمدى)- رحمه الله- كان انساناً بسيطاً مباشراً، يجيد قراءة البشر من اللحظة الأولى، وكان حديثه معى بسيطاً، وكأننا صديقين قديمين، وودوداً، على نحو لم أعهده فى أية دار نشر أخرى ...

وخلال الساعات القليلة، التى استغرقها اللقاء، علمت أن قصتى ليست مجرًَّد قصة، بل إن الأستاذ (حمدى) يحلم بإصدار سلاسل قصصية للشباب، تختلف عن كل ما يملأ، أو كان يملأ الأسواق أيامها، فبعد أن أصدر أستاذنا (محمود سالم) سلسلة (المغامرون الخمسة)، ونجاحها الكبير، ثم توقف عن مواصلة كتابتها، تحت ظروف خارجة عن إرادته، بدأت لعبة التقليد المعتادة، فظهرت فى الأسواق مجموعات قصصية، تحمل نفس الطابع، وإن لم ترق إلى مستوى كتابات أستاذنا ...

والحق يقال، إنها كانت عبقرية من الأستاذ (حمدى)، أن يقيم مسابقة لكتابة قصص الخيال العلمى للشباب، فى وقت لم تكن للخيال العلمى فيه قاعدة عريضة، تسمح لأى دار نشر بالمجازفة، بنشر هذه النوعية، وفى سلاسل قصصية أيضاً ...

وفى المقابلة نفسها، سألنى الأستاذ (حمدى)- أدخله الله سبحانه وتعالى فسيح جناته- عما إذا كانت لدى أفكار أخرى ...

والواقع أنه لم تكن فى ذهنى أي فكرة لحظتها ...

ولكننى اجبت بالإيجاب ...

وجاء السؤال التالى ليملأنى توتراً ...

لقد سألنى عن الفكرة التالية ..

وبتوفيق من الله (عزًَّ وجلًَّ)، وجدت نفسى أروى له فكرة الرواية التالية، التى حملت اسم (اختفاء صاروخ)، من وحى اللحظة ...

ومن الواضح أنها أعجبته بشدة ...

وطلب منى أن أجعل أبطال الرواية الأولى، هم نفس أبطال السلسلة الدائمة، وهو ما كنت أنتويه بالفعل؛ نظراً لأننى أبتكرت شخصية (نور)، لأوًَّلأ مرة، أثناء تواجدى فى فترة التكليف، فى صعيد مصر، وقبل عامين من لقائى الأوًَّل، بالأستاذ (حمدى) ...

ثم كان السؤال الأهم ...

ماذا سنطلق على السلسلة ؟!...

ومرة ثانية، هبط وحى الخالق العلى القدير، وأخبرته أن اسمها سيكون (ملف المستقبل)، مع ختم فى الركن العلوى للصفحة، يحمل عبارة (سرى جداً) ...

وأعجبت الفكرة الأستاذ (حمدى)، وطلب منى سرعة إنجاز الرواية الثانية ...

وانتعى اللقاء، وقد انقلبت حياتى رأساً على عقب ...

ذهبت إليه طبيباً ...

وعدت من عنده كاتباً محترفاً، يتقاضى، ولأوًَّل مرة، أجر على ما يكتبه، منذ نعومة أظفاره، دون مقابل ...

وفى منزلى فى (طنطا)، قضيت يوماً كاملاً، أحاول استيعاب هذا التغيير، الذى كان يوماً ما حلم حياتى ...

ثم أمسكت قلمى، وبدأت فى كتابة القصة الثانية ...

فى نفس اليوم، تلقيت اتصالاً هاتفياً من الأستاذ (حمدى)، يستأذننى فيه (وهو الناشر العظيم)، فى تغيير اسم القصة؛ حيث أنه يرى أن اسم (أشعة ضاد)، ليس اسماً تجارياً ناجحاً بالدرجة الكافية، لسلسلة تخرج إلى النور لأوًَّل مرة ...

ومعاً على الهاتف، اتفقنا على ان يصبح الأسم (أشعة الموت)، وهو الأسم الذى صدرت به الرواية فعلياً ...

وبكل الحماس، كتبت العدد الثانى من السلسلة ...

وعدت إلى (القاهرة) ...

وإلى الأستاذ (حمدى) ...

ولقد أندهش كثيراً فى الواقع، عندما عدت إليه بالقصة الثانية، بعد أسبوع واحد من لقائى الأوًَّل معه ...

واندهش أكثر عندما قرأها ...

فمع السرعة فى الانجاز، تصوًَّر مبدئياً- على حد قوله- أن القصة ستأتى ركيكة، ضعيفة الحبكة والأسلوب ...

وكم أشعر بالفخر؛ لأنه لم يجدها كذلك ...

يومها كنت أصطحب معى صديق العمر، الدكتور (محمد حجازى)، كبير الأطباء الشرعيين فى منطقة الخليج حالياً، والذى انبهر أيضاً بشخصية الأستاذ (حمدى) وبساطته التلقائية، وضحك عندما تحدثنا عن سرعة كتابة القصة، وأخبره (حجازى) أن هذا دأبى دوماً ...

ساعات نوم قليلة ...

وساعات انجاز كبيرة ...

وفى طريق العودة، أخبرنى (حجازى) عن انبهاره بالأستاذ (حمدى)، ونصحنى أن أبقى معه دوماً؛ لأن عقليته تناسب عقليتى كثيراً ...

وفى ليلة عودتنا، خطرت ببالى فكرة، قهرتها دور نشر أخرى أكثر من مرة ...

فقبل لقائى بالأستاذ (حمدى)، كنت قد قدًَّمت روايتى الأولى عن (رجل المستحيل)، لعدة دور نشر، رفضتها كلها فى شدة، بلغت حد استدعاء الامن لإخراجى من أحد هذه الدور، عندما استنكرت فكرة رفض الشخصيات العربية الفردية، فى سوق نشر، إكتظ بروايات عن شخصيات فردية غربية ...

وتساءلت ليلتها: مع عقلية مثل عقلية الاستاذ (حمدى)، هل سألقى، وتلقى رواية (رجل المستحيل) المصير نفسه ؟!...

وفى الأسبوع التالى؟، توكلت على الخالق (جلًَّ جلاله)، وحملت رواية (رجل المستحيل) الأولى (الاختطاف الغامض)، مع العدد الثالث من سلسلة (ملف المستقبل)، وقدمتهما معاً للأستاذ (حمدى)، والتساؤل مازال يعربد فى رأسى ...

هل سيتقبلها ؟!...

هل ؟!...

وكانت المفاجأة ...

ففى اليوم التالى مباشرة، تلقيت اتصالاً من الأستاذ (حمدى)، يسألنى فى اهتمام عن العدد الثانى من (رجل المستحيل) ...

وكدت أطير من السعادة ...

وبعد أقل من أسبوع، حملت إليه العدد الثانى من (رجل المستحيل) ...

وكان هذا لقائى الأوًَّل مع فارس الفن، الذى تمزق قلبى لرحيله أيضاً، قبل سنوات من رحيل الأستاذ (حمدى) – (رحمهما الله) ....

التقيت مع الاستاذ (إسماعيل دياب) ...

لم يكن هو المرشح الأوًَّل لرسم أغلفة الروايات، بل سبقه فنان شهير آخر، كانت أغلفته كلها عبارة عن كادرات كبيرة من مجلة (تان تان)، يضيف إليها بعض لمسات من ريشته فحسب، وعندما أخبرته بهذا، هاج وماج، وأقسم أنه لم يتصفح مجلة (تان تان) هذه قط، فما كان منى إلا أن حملت رسومه إلى القسم الفنى، وإلى الراحل الثالث، الذى ربطتنى به صداقة طويلة وثيقة، الأستاذ (صبحى عبود)، والذى فحص الرسوم بعدسة النسيج، ثم أكًَّد ما قلته، وبأن نقاط الطباعة واضحة، فى خلفية الصورة ...

وعلى الرغم من شهرة ذلك الفنان أيامها، فقد صرفه الأستاذ (حمدى)، الذى يكره الغش والخداع، واستبدله ( لحسن حظ الجميع)، بالمبدع الفنان (إسماعيل دياب) ...

وبدأت الرحلة فعلياً ...

*          *          *

روايتك المطبوعة الأولى، يكون لها دوماً بريقاً من نوع خاص، فأنت تعشق الكتابة، وتملأ بها صفحات كشاكيل وكراسات، وتكتب عليها اسمك بخط كبير واضح، وتحاول أن تصنع غلافاً، وتلونه، وتبذل قصارى جهدك، لكى يبدو الكراس أشبه بكتاب مطبوع يحمل اسمك ...

ثم تأتى لحظة تحوًَّل الحلم إلى حقيقة، وتصبح لديك رواية، مطبوعة بالفعل ...

ولا يمكنك تصوًَّر عظمة هذه اللحظة ...

لقد كنت أتابع خطوات الطباعة خطوة بخطوة، واجلس طويلاً مع عمال الجمع، وفى حجرة المونتاج، واحصل على نسخة من كل ملزمة يتم طبعها، والأستاذ (حمدى) يتابع كل هذا بابتسامة هادئة، وهو الذى اعتاد ضجيج المطابع، منذ نعومة أظفاره، وراح يشرح لى تفاصيل عملية الطباعة، منذ ورود العمل، وحتى خروجه إلى الأسواق، مروراً بعملية الجمع، والتوضيب، والمونتاج، والطباعة، وتصميم الغلاف، وهكذا ...

وكنت أشعر طوال الوقت، أنه رحمه الله – يتعامل معى، كما لو كنت ابناً من أبنائه، يحاول منحه كل أسرار المهنة، فى حب خالص، وموًَّدة صادقة ...

وخرج أوًَّل عمل لى إلى النور كاملاً، وفى الصباح، تلقيت اتصالاً من الأستاذ (حمدى)، يبلغنى فيه فى سعادة، عن خروج أوًَّل عمل من المطابع ...

وبعد ساعتين فحسب، كنت فى (القاهرة)، قبل حتى وصول الأستاذ إلى المطبعة، أمسك أوًَّل قصة مطبوعة، تحمل اسمى، وأنا أكاد أبكى من الفرح ...

وحضر الأستاذ، وشعرت بأنه يشاركنى فرحتى الكبرى، بأوًَّل مولود روائى من مؤسسة عريقة، لها تاريخ طويل فى نشر الكتب الدراسية ...

وكان الأستاذ (حمدى) هو من اختار للسلاسل اسم (روايات مصرية للجيب)؛ نظراً لغرامه فى حداثته، بسلسلة (روايات الجيب)، التى قدًَّمت للمكتبة العربية روائع الأدب العالمى ...

قضيت يومها النهار بطوله مع الأستاذ، نتناقش فى كيفية الدعاية للسلاسل الثلاث الأولى، التى ستصدر عن (روايات مصرية للجيب)، والتى ستقدمها للقارئ، وكان – رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته- صاحب فكرة عبقرية، فى أن يبدأ الامر بإعلانات صغيرة فى الصحف، تذكر أسماء السلسل، دون أية إشارة اخرى، ثم تعقبها حملة دعائية؛ للتعريف بها ...

وفى نهاية النهار نفسه، كنت امسك العدد الأوًَّل من (رجل المستحيل) ...

ومع عودتى إلى مدينتى (طنطا)، رحت أخبر الجميع بالأمر، وعلى رأسهم (محمد حجازى)، الذى شجعنى فى البداية على تقديم الرواية الأولى للمسابقة ...

واندهش معظم من عرفت فى الواقع ...

فطوال حياتى فى الكلية، عرفنى الجميع كرسام، يملأ الحوائط برسومه، ويصدر كل أسبوع مجلة حائط، بالاشتراك مع الزميل (سمير حنتيرة)، تمتلئ برسوم كاريكاتورية، عن أحداث شهدتها الكلية خلال الأسبوع، ويعد ديكورات حفلات الكلية، ولافتات الدعاية الانتخابية ...

بل والرسوم المصاحبة للقصص التى يكتبها آخرون ...

وكنت عضواً باللجنة الفنية، لا الثقافية، ثم أميناً للجنة فيما بعد ...

ولم يعرفنى أحدهم أبداً ككاتب ...

كل كتاباتى كان يعرفها الأصدقاء المقربون جداً فحسب ...

وكانت تملأ مجموعة كشاكيل، مازلت احتفظ بها، حتى يومنا هذا ...

ولهذا كان صدور روايات بقلمى، مفاجأة للجميع ...

ومازلت أذكر حتى الآن، كيف التقى بى أحد الأصدقاء القدامى، فى القطار العائد إلى (طنطا)، وكنت أتصفح أحد أعداد (ملف المستقبل)، فضحك وهو يسألنى ساخراً، عما إذا كنت لا أزال أقرأ تلك النوعية، فأخبرته مبتسماً أنها من انتاجى، وهنا اندهش بشدة، ثم هنأنى على جودة الغلاف، وكانت دهشته أكبر، عندما علم أننى لم أرسم الغلاف، وإنما كتبت الرواية نفسها ....

أعود هنا إلى ذكرياتى مع أستاذى الراحل العظيم، عندما كنت فى طريقى إلى (الاسكندرية)، ووجدت أولى إعلانات الحملة الصحفية، فى الركن السفلى للصفحة الثالثة من الجريدة ...

كان إعلاناً بسيطاً للغاية، ولكنه يلفت الانتباه إلى حد كبير .

(رجل المستحيل) ... (ملف المستقبل)....(المكتب رقم 19) ...

ثلاثة عناوين، متراصة بشكل أنيق، دون أية إضافة إخرى ...

وعلى مسافة قريبة منى، سمعت أحدهم يتساءل عن معنى العناوين الثلاثة ...

وابتسمت ...

كانت فكرة عبقرية من الأستاذ (حمدى) بالفعل ...

اعلانات مبهمة، مع عناوين جذابة ...

ودون أية تفاصيل ...

ولم يمض أسبوع واحد، حتى أصبح هناك عدد كبير من الناس، يتساءل عما تعنيه تلك الإعلانات...

وهنا بدأت المرحلة الثانية من الحملة ....

إعلانات جديدة، تذكر أن هذه العناوين الثلاثة، لسلاسل قصصية جديدة، تحت عنوان واحد، وهو (روايات مصرية للجيب)، تصدر فى الأوًَّل والعاشر، والعشرين من كل شهر ...

الطريف أنه، وعلى الرغم من الدعاية، لم يحدث، ولو مرة واحدة، أن صدرت السلاسل بهذا الترتيب؛ نظراً لأنها كانت ترتبط بظروف ومواعيد الطباعة ...

وعقب الحملة الإعلانية، وقبل أن تكتمل بأسبوع واحد، بدأ طرح السلاسل فى الأسواق ...وكان الامر محبطاً فى البداية ...

الأسواق لم تتقبل السلاسل على نحو جيد، وإنما بتحفظ شديد، خاصة وان السوق كان مغموراً بعشرات الروايات، التى تقلًَّد أسلوب أستاذنا (محمود سالم)، الذى مازالت رواياته عن (المغامرون الخمسة)، و(الشياطين الثلاثة عشر)، تملأ الأسواق، وتلقى رواجاً جيداً ...

فى نفس الوقت، كنت أواصل إفراغ مخزون الأعوام من الأفكار، فى روايات جديدة، حتى أننى كنت أقدًَّم العدد السابع من كل من السلسلتين، وعددهما الثانى لم يصدر بعد ...

وكانت المبيعات، حتى العدد الرابع، منخفضة للغاية، مما دعانى يوماً لأن أعرض على الأستاذ (حمدى) التوقف، إلا أنه ابتسم فى ثقة، واخبرنى أن الأشياء الجديدة تحتاج إلى فترة من الصبر، وأنها لن تلبث أن تجد رواجاً، عندما تستوعبها الأسواق ...

ثم طلب منى الاستمرار فى الكتابة، دون الالتفات إلى التوزيع ...

وكم كانت نظرته مستقبلية صائبة كالمعتاد !...

فمع العدد السادس من السلسلتين، تضاعفت المبيعات على نحو ملحوظ، وحدث إقبال واضح على السلاسل الثلاث، وبدأ البعض يتحدثون عنها، وخاصة مع جودتها ورخص سعرها؛ ليثبت الأستاذ أن لديه نظرة مستقبلية، لا تخطئ أبداً ...

كان والدى رحمه الله مستاء جداً، من أننى قد استقلت من الوظيفة الحكومية، وركًَّزت اهتمامى على الكتابة، وكان هذا فى عرفه، دليلاً على الفشل وعدم وضوح الرؤية، فكيف لطبيب، يحلم القطاع العريض من الشباب بمهنته، أن يترك وظيفة طبيب فى مستشفى محترم، من أجل مهنة غير مضمونة، مثل مهنة الكتابة ؟!..

ولكن الواقع أننى كنت اعشق مهنة الكتابة، إلى الحد الذى يحجب عنى أية مهنة اخرى ...

أعشق الورق ...

والطباعة ...

والإخراج ....

وكنت أشعر دوماً أننى ما خلقت إلا لهذه المهنة، وأننى لست أفخر بحمل سًَّماعة الطبيب وجهاز قياس ضغط الدم، بقدر فخرى بحمل قلم، يمكن أن ينقل أفكاره إلى آخرين ...

ثم كان ذلك اليوم، الذى استوقف فيه بعض الشباب والدى فى (طنطا)؛ ليسألوه فى لهفة، إذا ما كان والدى، وعندما أجاب بالإيجاب، انهالوا عليه بعبارات الثناء، والتقدير لما أكتبه ...

وعاد والدى- رحمه الله- إلى المنزل، وهو ممتلئ فخراً وسعادة ...

روى لى ما حدث، ثم تغيًَّرت نظرته إلى ما أفعله تماماً بعدها ...

كنت أيامها أستعد للزفاف، بعد خطبة استمرت ثلاثة أعوام، ومثل أى شاب، كنت أحتاج إلى نفقات عديدة؛ لإتمام الزفاف ...

وهنا ظهر جانب آخر من جوانب الأستاذ (حمدى) الرائعة ...

جانب مازلت أدين به له، حتى يومنا هذا ...

ولهذا قصة ...

*          *          *

كأى شاب مقدم على الزواج، فى العشرينات من عمره، كنت اعانى من ضائقة مالية، مع متطلبات الزواج، التى نصًَّر على ان نجعلها أكبر مما ينبغى، ولكننى كنت ومازلت مصاباً بمشكلة نفسية معقًَّدة، تجعلنى أعجز عن طلب العون، مهما كنت فى أشد الحاجة إليه، ولهذا لم يكن من السهل علىًَّ أن أطالب والدى، رحمه الله، بما ينقصنى من موارد، كما كانت تدور فى رأسى حسابات لا حصر لها، حول مصروفات حفل الزفاف، وشهر العسل، وخلافه ...

وكان الأستاذ (حمدى) يدرك أننى مقدم على الزواج ...

ولم نتحدث فى هذا قط ...

ولم أحاول من ناحيتى الإشارة إلى ما أعانيه ...

زوجتى وحدها كانت تعلم بالمشكلة، ووفقاً لمطلبى، لم تخبر بها احداً ...

وتصوًَّرت فى لحظة ما، أن الحل الوحيد هو ألا نقيم حفل زفاف، وأن نقضى شهر العسل فى منزل الزوجية ...

ثم فجأة، وجدت الأستاذ (حمدى)- رحمه الله- يعطينى مظروفاً مغلقاً، ويبتسم قائلاً: إنها معاونة من المؤسسة على الزواج ...

لم أدر لحظتها ماذا أقول، وإن حاولت متخاذلاً إقناعه بأننى لست فى حاجة إلى المعاونة، على الرغم من كل الظروف ...

وكان بسيطاً، وهو يخبرنى أنه يعلم هذا، ولكنه تقليد فى المؤسسة، تجاه كل من يقدم على الزواج...

وكانت معاونة شديدة القيمة، بمقاييس تلك الأيام ...

وعندما عدت إلى (طنطا)، كانت فى انتظارى مفاجأة أخرى ...

فوالدى – رحمه الله- قد توًَّلى كل ما يتعلق بحفل الزفاف كهدية منه ...

وهكذا، ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت ...

لم يكن منزل الزوجية مجهزاً بكل شئ، كما هو الحال هذه الأيام، وكنا قد اكتفينا بهذا، على أن نكمل ما تبقى عقب الزفاف، فقررنا استخدام مساعدة المؤسسة، فى قضاء شهر عسل جيد ...

ومرة أخرى، دخل الأستاذ (حمدى) الصورة ...

وبقوة ...

فقبل الزفاف بأسبوع واحد، فوجئت به يعطينى مفتاح شقته فى المعمورة، وكانت أيامها أفخر مصايف (مصر)، حيث لم يكن إنشاء الساحل الشمالى قد بدأ بعد ...

وبنفس الابتسامة، أخبرنى أنها هدية شهر العسل ...

ولم أصدق كل هذا ...

لقد حسبت ألف حسبة، قبل أن تهبط علًَّى كل هذه المفاجأت، وبعد أن قررًَّت وزوجتى الاكتفاء بأقل القليل، وجدت نفسى أقيم حفل زفافا جميل، وأقضى شهر عسل أجمل، فى أرقى مصايف (مصر) فى ذلك الحين ...

شعرت بامتنان كبير أيامها، لطرفين هامين فى حياتى ...

والدى ...

والأستاذ (حمدى) ...

وفى شهر العسل، حصلت من شباب (مصر) على أجمل هدية زفاف ...

كانت رواياتى تفترش كل الأرصفة، وإقبال الشباب عليها شديد الوضوح، حتى أننى كلما جلست مع زوجتى على الشاطئ، كان هناك من يقرأ رواية منها ...

وعدت من شهر العسل، وكلى حماس؛ لكتابة المزيد والمزيد من الروايات ...

وفى كل مرة نلتقى، الأستاذ (حمدى) وأنا، كنا نفكًَّر فى مشروع جديد، ونناقشه، ونضع له الأسماء، والمضمون ...

وذات يوم، وجدت على مكتب الأستاذ (حمدى)، عدة أعداد من سلسلة رومانسية شهيرة، كانت تملأ الأسواق فى ذلك الحين، وكان الإقبال عليها ملحوظاً، ولم أكد ألتقى به، حتى بدأ يحدثنى فى حماس عن تلك السلسلة، وعن قراءته لها، وضيقه من أنها تحوى الكثير، مما لا يتناسب مع قيم مجتمعنا وتعاليم ديننا، ثم سألنى، إذا ما كنت أستطيع كتابة روايات رومانسية، تلتزم بالتقاليد، وتعطى صورة جميلة مهذًَّبة للحب، كما ينبغى أن يكون، ثم قال بالنص : "أريد روايات، لا يخجل الأب أو الأم، من وجودها فى منزلهم، وبين يدى أولادهم "...

وفى الجلسة نفسها، اخترنا للروايات، التى لم تكتب بعد، اسم (زهور) ...

وبدأت بالفعل فى كتابة الرواية الأولى ...

ومع مولد ابنى (شريف)، بدأت طباعتها، فقررًَّت أن أضع فى مقدمة عددها الأوًَّل اهداءاً له ...

وتم طرح (زهور) فى الأسواق، وأنا أضع يدى على قلبى ...

إنها روايات رومانسية، تنافس سلسلة معروفة، تلقى رواجاً بالفعل فى الأسواق العربية ...

فماذا سيكون تأثير هذا ؟!...

ولكن الشباب العربى لم يخذلنا ...

الروايات الرومانسية، ذات الطابع الشرقى، نجحت فى أن تحتل مكانها، وسط الروايات الرومانسية المترجمة ...

ليس هذا فحسب، وإنما راحت تزيحها رويداً رويداً من الأسواق ...

وبعد أقل من عامين، صارت روايات (زهور) هى الأكثر مبيعاً، وسط عالم الروايات الرومانسية، فى العالم العربى كله، وخاصة بعد أن انضم إلىًَّ فيها الزميل (شريف شوقى)، ورأينا أن نفتح صفحاتها، لكل من يمتلك الموهبة فى هذا المجال، نظراً لأنها سلسلة متصلة منفصلة، لكل رواية فيها طعم مختلف، وليس من الضرورى أن ترتبط بكاتب واحد ...

ولم تكن طبيعة الأستاذ بقادرة على الاكتفاء بهذا فحسب ...

وكان طول الوقت يبحث عن جديد ...

وعن إضافة لسلاسل (روايات مصرية للجيب) ...

وفى واحدة من الشركات، العاملة فى مجال الدعاية، التقيت بالفنان (خالد الصفتى)، وأدهشنى أنه يمتلك موهبة كبيرة، ولكنها لا تلقى تقديراً، من الجهة التى يعمل فيها، فاصطحبته إلى الأستاذ (حمدى)؛ ليعرض عليه موهبته ...

وبدأ الأستاذ يبحث عن الوسيلة المثلى، للإفادة من تلك الموهبة ...

ولأنه – رحمه الله- كان شديد الحماس لكل فكرة جديدة، جاء اتصاله بى فى الصباح الباكر ذات يوم؛ ليخبرنى أنه قد عثر على الفكرة ...

وخلال ساعتين فحسب، كنت فى (القاهرة)، فى مكتبه، ليطرقع بإصبعيه، هاتفاً :" فلاش" .. سألته عما يعنيه هذا، فأخبرنى أنها فكرة سلسلة جديدة، عبارة عن فلاشات قصيرة متنوًَّعة، ترسم ضحكة على الوجوه، وتسلية لوقت الفراغ، وكان يستند فى هذا إلى باب يحررًَّه (خالد الصفتى)، فى مجلة محدودة الانتشار، لم تحقق له أيامها الشهرة المطلوبة ...

وراقت الفكرة للفنان (خالد الصفتى)، وتناسبت مع طبيعته وموهبته، واستعنا بالمخرج (عادل قلين)، لعمل الإعلانات اللازمة لترويجها ...

وكنت أشعر أن الأستاذ يمتلك عقلاً من ذهب ...

فبقوة ليس لها مثيل، فى عالم النشر، انتشرت (فلاش) فى (مصر) كلها، مع معرض الكتاب الدولى، وحققًَّت مبيعات خيالية، فاقت كل التوقعات، حتى شديدة التفاؤل منها ...

ومع هذا النجاح الباهر، أوغر أحدهم صدر (خالد)، فتقًَّدم للأستاذ بطلب مكتب منفرد، وهاتف خاص، وجهاز تكييف، وتليفزيون، و ....،و ...

وضحك الأستاذ، كما لم يضحك من قبل، واندهش (خالد) نفسه؛ لأنه لم يكن يفكًَّر فى كل هذا، وإنما أخبره شخص قريب من الأستاذ، بضرورة طلب ما طلب، وانصاع له هو فى استسلام؛ لشدة قرب هذا الشخص من الأستاذ، وتصوًَّر أنه مطلب طبيعى، فى مثل هذه الظروف ...

وانتهى الموقف كله فى هدوء، بعد أن ادرك (خالد) أنها كانت محاولة عبث ليس إلا ...

وكعادته- رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته- تجاوز هذا الامر فى سرعة، ثم بدأ التفكير فى سلسلة جديدة ...

كان يحلم دوماً بأن تصبح (روايات مصرية للجيب) منارة الشباب الثقافية، فى العالم العربى كله، وبعدد لا حصر له من السلاسل، فى مختلف المجالات ...

وهنا، اقترحت سلسلة، كنت احلم بها طيلة عمرى ...

سلسلة منوًَّعة، تضم كل ما أكتبه، خارج السلاسل المعروفة ...

سلسلة تضم القصة القصيرة، والدراسة، والخواطر، ورواية منفصلة، ورسائل القراء وغيرها ...

ووضعت لتلك السلسلة اسم (كوكتيل 2000) ...

وبدأت رحلة جديدة ....

*          *          *

مع اختلاط الذكريات بعضها ببعض، لا أستطيع الجزم بإما إذا كان إصدار (كوكتيل 2000) قد سبق (فلاش) أم العكس، ولكننى أذكر أننا قد أصدرنا بعدها سلسلة أخرى، حملت اسماً مقتبساً أيضاً من عالم التصوير الضوئى، الذى اعتبره أهم هواية فى حياتى ...

اسم (زووم) ...

وعلى عكس فلاش، كانت (زووم) تعتمد على التركيز على موضوعات جادة متنوًَّعة، بحيث تصير أشبه بمجلات (المختار) القديمة، التى كانت تصدر فى حجم كتاب، وتقطف من كل بستان زهرة ...

كنت أيامها أسبق عجلة النشر بعشر روايات كاملة من كل سلسلة، مما شجعنى على خوض تجربة (زووم)...

والواقع أنها كانت تجربة جميلة، عملت على تنمية ثقافتى، واتساع آفاق فكرى؛ بسبب إطلاعى على عشرات الكتب، فى شتى المواضيع، بحثاً عن جديد...

ولكن التجربة كان فيها عيب رئيسى ...

كانت أشبه بمجلة كاملة، يحررًَّها شخص واحد ...

وهذا غير عملى ...

وغير منطقى أيضاً ...

وعلى الرغم من أننى كنت أسبق النشر بعشرة أعداد، إلا أن انشغالى بتحرير (زووم)، التهم وقتى كله تقريباً، فراحت تلك الفجوة تتناقض تدريجياً، حتى لم يعد يفصلنى عن عالم النشرسوى عددين فحسب ...

وهنا بدأت أعيد حساباتى ...

وصارحت الأستاذ (حمدى)بالمشكلة ...

ومعاً، جلسنا نبحث عن الحل ...

كنت احب كل ما أكتبه، وأجد متعة مع كل سطر، ولكننى كنت أشبه بقائد سفينة، توشك على الغرق، وليس أمامه من حل، سوى أن يضحى بأحد ركابها ...

ولما كان العدد الواحد من (زووم)، يستغرق ما يزيد عن ضعف وقت كتابة واحدة من قصص السلاسل الأخرى، وكانت أقل توزيعاً منها فى الوقت ذاته، لم يكن هناك مناص من اتخاذ القرار المؤلم ...

وتوًَّقفت سلسلة (زووم) ...

كان القرار، على الرغم من مرارته، لصالح السلاسل الأخرى، الأكثر مبيعاً وانتشاراً، مثل

(رجل المستحيل)، و(ملف المستقبل)، و(كوكتيل 2000) ...

ولقد رأيت فى الوقت ذاته، أنه يمكن تعويض (زووم)، من خلال ما ينشر من منوعات مختلفة المشارب، فى (كوكتيل 2000) ...

وعدت أسبق المطابع بأربعة أعداد ...

وخمسة ...

وستة ...

ولكن عقل الأستاذ أبى أن يتوًَّقف عن البحث عن أفكار جديدة ...

وسلاسل جديدة ...

وذات يوم، وفى واحدة من زياراتى المنتظمة لمكتبه، فوجئت به يطرح علىًَّ فكرة سلسلة جديدة ...

كان يفكًَّر فى عمل، يجمع ما بين المجلة والكتاب، فى محتوى واحد ...

عمل يصدر فى حجم وهيئة مجلة، ويحوى ما يتصف به كتاب ...

وطلب منى وضع تصوًَّر كامل لهذا ...

وراقت لى الفكرة، على الرغم من انشغالى الشديد أيامها ...

وعدت إلى (طنطا)، وجلست خلف مكتبى لما يقرب من يوم كامل، ثم عدت إليه فى (القاهرة)، بالعدد الأوًَّل من سلسة (بانورما)...

ومرة أخرى، اخترت الاسم من عالم هوايتى المفضًَّلة ...

عالم التصوير...

قرأها الأستاذ، وأعجبته، وفى لحظات، كان قد أرسلها إلى قسم التوضيب، وإلى الأستاذ (اسماعيل دياب)؛ لعمل الغلاف ...

وهنا ذهبت السكرة، وجاءت الفكرة ...

لقد أضيفت إلىًَّ سلسلة جديدة، دون أن انتبه ...

وهذا يعنى المزيد من العمل ...

والمزيد من الجهد ...

والقليل جداً ... من وقت الفراغ ...

أيامها كان (شريف) ابنى الأكبر، مازال طفلاً، لا يحلو له أن ينام، إلا إذا وضعته على ساقى، وأنا أكتب ...

وكانت معادلة صعبة نوعاً ما ...

كنت أكتب، وأضمه إلىًَّ، وأداعبه ...

وكل هذا فى وقت واحد ...

وعندما يخلد إلى النوم أخيراً، كنت أحمله فى رفق إلى فراشه، وأعود لمواصلة الكتابة ....ثم جاءت شقيقته الأولى ...

ابنة صغيرة، جميلة، أحببتها منذ أن وقعت عينًَّى عليها، وكان كل ما يشغلنى بشأنها، هو كيفية الربط بينها وبين (شريف)، حتى لا يغار منها، أو يغضب عندما ندللها ...

وبمولدها، أصبحت رب أسرة، عليه ان يرعى أسرته، ويمنحها بعض وقته، ويكتب كل هذه السلاسل فى الوقت ذاته ...

أيامها، طرح علىًَّ الأستاذ فكرة الانتقال إلى (القاهرة)...

كان يرى- رحمه الله- أن السفر من (طنطا) إلى (القاهرة) يستنفد الكثير من الوقت، ويمنعه من الالتقاء بى، عندما يريد مناقشة فكرة ما، طرأت على ذهنى، وان انتقالى إلى (القاهرة) سيوفر الكثير من الوقت الضائع، وسيضعنى على مقربة منه، فى الوقت ذاته ...

كانت المشكلة فى هذا هى العثور على شقة فى (القاهرة)، التى تنافس أكثر عواصم العالم ازدحاماً، والتى تعانى، على خلافها، من أزمة إسكان رهيبة ...

ولكن الأستاذ حل الأزمة فى بساطة كعادته ...

كان يمتلك عدداً من البنايات فى (القاهرة)، وفى منطقة (مصر الجديدة) بالتحديد، لذا فما أن خلت شقة فى إحدى عمارته، حتى اتصل بى فى (طنطا)، وحضرت لرؤية الشقة، وكتبنا عقدها فى اليوم نفسه ...

وهنا بدأ خوف مبهم يتسلل إلى نفسى ...

صحيح أننى كنت أعمل بالفعل فى (القاهرة)، ولكننى كنت أدير، فى الوقت ذاته، مستشفى صغير فى (طنطا)، التى أقيم فيها منذ مولدى، وارتبط فيها بعلاقات وصداقات عديدة ...

والانتقال من حياة إلى أخرى، أمر مقلق للغاية ...

فعندما ننتقل، عليك أن تبدأ حياة جديدة، وترتبط بعلاقات مختلفة، وصلات مغايرة ...

ولكن الحل كان عملياً بالفعل ...

ففى تلك الفترة، كنت قد انضممت إلى أسرة تحرير مجلة (باسم) السعودية، وأكتب مقالات غير منتظمة، فى مجلة (الشرق الأوسط) اللندنية، التى تصدر كملحق لجريدة تحمل الاسم نفسه، وكان علىًَّ أن أبدأ رحلتى إلى (القاهرة) فى السادسة صباحاً؛ لكى أصل إلى (باسم) مبكراً، ثم اتجه إلى المؤسسة، وبعدها أعود لإدارة ذلك المستشفى الصغير فى (طنطا)، ولأكتب الروايات فى نهاية الليل ...

وكان هذا مرهقاً ...

وبشدة ...

ثم ان (شريف) كان قد بلغ السن، التى ينبغى له فيها دخول المدرسة لأوًَّل مرة، وكان من المحتم تحديد مساره...

هل يبدأ دراسته فى (طنطا) ...

أم فى (القاهرة) ...

هذه النقطة الأخيرة حسمت الموقف ...

ولكن ليس دفعة واحدة ...

لقد قررًَّت عمل هذا على نحو تدريجى، بان أصطحب زوجتى وطفلىًَّ معاً إلى تلك الشقة الجديدة فى (القاهرة)، ليومين أو ثلاثة أسبوعياً، تمهيداً للانتقال النهائى ...

وفى (طنطا)، وقبل بدء هذه المرحلة بفترة قصيرة، نطقت ابنتى الصغيرة بكلمة (بابا) لأوًَّل مرة ...

وكدت أطير من السعادة ...

ولكننى لم أدر أن الصباح التالى سيحمل لى مفاجأة ...

مفاجأة غير سارة ...

على الإطلاق...

****

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (5 منشور)

avatar
محمد رضا عبد الله 16/12/2011 00:49:40
ذكريات جميلة عن أستاذنا الجميل / حمدى مصطفى .. اللهم اغفر له و ارحمه و أسكنه الجنة
شكرا جزيلا د. نبيل على هذه الخواطر و فى انتظار المزيد .
محمد رضا
مؤلف (حالات خاصة)
avatar
احمد حمدون 16/12/2011 03:55:58
رحم الله الاستاذ حمدي مصطفي نشكرك استاذ نبيل علي الذكريات الجميله دي
avatar
خليل 16/12/2011 20:42:51
رائع د.نبيل !!! .. شكراً جزيلاً لك سيدي .. ورحم الله ناشرنا وأدخله فسيح جناته
avatar
سارة 17/12/2011 08:07:19
رحم الله الأستاذ العظيم / حمدى مصطفى
وأسكنه فسيح جناته
وشكرًا د/نبيل على هذه الذكريات الرائعة
وفى انتظار المزيد
avatar
wq123 27/07/2015 16:30:39
ralph lauren outlet,http://www.ralphlaurenpolo.in.net/
ray-ban,http://www.ray-ban-outlet.us.com/
ray ban outlet,http://www.raybans.us.org/
ray ban,http://www.rayban-sunglasses.org.uk/
ray ban sunglasses outlet,http://www.rayban-sunglasses.us.org/
ray ban sunglasses,http://www.raybansunglassesoutlet.net.co/
cheap ray ban,http://www.raybanwayfarer.in.net/
knockoff handbags,http://www.replicahandbags.com.co/
omega watches,http://www.replica-watches.us.com/
jordan release dates,http://www.retro-jordans.com/
replica watches,http://www.rolex-watches.me.uk/
roshe run,http://www.rosherun.org.uk/
roshe runs,http://www.rosheruns.us/
ferragamo shoes,http://www.salvatoreferragamo.in.net/
indoor soccer shoes,http://www.soccer-shoes.org/
easton bats,http://www.softball-bats.us/
supra shoes,http://www.suprashoe.net/
swarovski jewelry,http://www.swarovskicrystal.com.co/
swarovski,http://www.swarovskijewelry.com.co/
swarovski,http://www.swarovski-uk.org.uk/
north face jackets,http://www.the-northface.com.co/
northface,http://www.the-northface.in.net/
north face,http://www.thenorth-face.org.uk/
the north face,http://www.thenorthface.us.org/
the north face,http://www.thenorthfacejackets.in.net/
thomas sabo,http://www.thomas-sabo-uk.co.uk/
tiffany jewelry,http://www.tiffanyandco.net.co/
tiffany co,http://www.tiffanyjewelry.us.org/
timberland shoes,http://www.timberlandboots-outlet.net/
timberland outlet,http://www.timberlandshoes.com.co/
tommy hilfiger coupons,http://www.tommyhilfiger.net.co/
tommy hilfiger,http://www.tommy-hilfigeroutlet.com/
toms shoes,http://www.toms-shoes-outlet.net/
tom's shoes,http://www.toms--outlet.in.net/
toms shoes outlet,http://www.toms-shoes.com.co/
tory burch sandals,http://www.tory-burch-outlet.in.net/
tory burch sandals,http://www.tory-burchoutlet.us.com/
true religion jeans,http://www.true-religion.com.co/
true religion,http://www.truereligionjeans.net.co/
true religion jeans outlet,http://www.truereligion-outlet.com.co/
ugg,http://www.ugg-australia.in.net/
ugg australia,http://www.uggboots.net.co/
uggs,http://www.uggbootsclearance.com.co/
ugg boots clearance,http://www.uggsonsale.com.co/
burberry outlet,http://burberry.outletnow.org/
christian louboutin outlet,http://christian.louboutin-outlet.net/
tory burch sandals,http://toryburch.salesandals.net/
abercrombie and fitch,http://www.abercrombieand-fitch.com.co/
abercrombie and fitch,http://www.abercrombiefitch.us.com/
abercrombie,http://www.abercrombie-kids.us.com/
nike huarache,http://www.air-huarache.co.uk/
air jordan,http://www.airjordans.us/
air jordan shoes,http://www.airjordanshoes2015.com/
nike air max 2015,http://www.airmax-2015.org/
air max,http://www.airmax-90.org/
babyliss pro,http://www.babyliss-pro.net/
basketball shoes,http://www.basketballshoes.com.co/
beats by dre outlet,http://www.beatsbydrdre.co.com/
beats by dre,http://www.beatsbydre.com.co/
monster beats outlet,http://www.beats-by-dre.com.co/
beats headphones,http://www.beatsheadphones.in.net/
bottega,http://www.bottega.us/
burberry outlet online,http://www.burberryhandbags.in.net/
burberry,http://www.outlet-burberry.in.net/
burberry outlet,http://www.burberryoutlet.me.uk/
burberry factory,http://www.burberryoutlet.club/
burberry,http://www.burberryoutlet-online.in.net/
cheap calvin kleins,http://www.calvinklein.co.com/
celine bags,http://www.celinebags.org/
chanel bags,http://www.chanelhandbags.net.in/
softball bats,http://www.cheap-baseballbats.net/
christian louboutin outlet,http://www.christianlouboutinshoes.ar.com/
baseball jerseys,http://www.cheap-jerseys.us.org/
air jordan shoes,http://www.cheap-jordans.net/
michael kors handbags clearance,http://www.cheapmichaelkors.us.org/
nike outlet,http://www.cheap-nikeshoes.net/
oakley sunglasses cheap,http://www.cheapoakley.us.org/
oakley outlet,http://www.cheapoakleysunglasses.ar.com/
oakley sunglasses,http://www.cheap-oakleysunglasses.in.net/
ray bans,http://www.cheaprayban.com.co/
shoes outlet,http://www.cheapshoes.com.co/
ugg boots,http://www.cheapuggboots.eu.com/
flat iron,http://www.chiflatiron.net.co/
christian louboutin shoes,http://www.christian--louboutin.in.net/
louboutin,http://www.christianlouboutin.org.uk/
christian louboutin outlet,http://www.christianlouboutinshoes.jp.net/
coachoutlet.com,http://www.coachfactory-outlet.co.com/
coach factory outlet,http://www.coach-factoryoutletonline.in.net/
coach outlet online usa,http://www.coach-handbags.com.co/
coach outlet online,http://www.coachoutlet-online.com.co/
coach store outlet online,http://www.coachoutletstore.net.co/
coach outlet online,http://www.coachoutletstore-online.com.co/
chanel bags,http://www.coco-chanelbags.com.co/
converse sneakers,http://www.converse.net.co/
burberry handbags,http://www.designerhandbagsoutlet.com.co/
eyeglasses stores,http://www.eyeglassesonline.us.org/
eyeglasses frames,http://www.eyeglassframes.us.org/
ralph lauren clothes,http://www.fashion-clothing.us.org/
ferragamo shoes,http://www.ferragamo.com.co/
salvatore ferragamo,http://www.ferragamoshoes.net/
ghd,http://www.ghdhairstraightener.com.co/
gucci outlet,http://www.gucci-uk.me.uk/
gucci outlet,http://www.guccihandbags.net.co/
gucci sale,http://www.guccioutletsale.in.net/
gucci belts,http://www.gucci-outlet.biz/
gucci shoes uk,http://www.guccishoes.net.co/
gucci handbags,http://www.guccishoes.us.org/
hermes birkin,http://www.hermesbags.club/
hermes,http://www.hermesbirkin.biz/
hermes belt,http://www.hermesoutlet.top/
hollisterco,http://www.hollister.us.org/
hollister coupons,http://www.hollisterclothing-store.in.net/
insanity workout calendar,http://www.insanityworkout.net.co/
phone cases,http://www.iphone-cases.us/
jimmy choo,http://www.jimmychoo.net.co/
air jordan retro,http://www.jordanretro.org/
jordan retro,http://www.jordan-shoes.com.co/
juicy couture outlet,http://www.juicycouture.com.co/
juicy couture handbags,http://www.juicycoutureoutlet.net.co/
kate spade handbags,http://www.kate-spade.com.co/
kate spade,http://www.katespade-outlet.com.co/
kate spade,http://www.kate-spades.com/
long champ,http://www.longchamp.us.org/
longchamp handbags,http://www.longchamp.com.co/
red bottom shoes,http://www.louboutin.jp.net/
louis vuitton,http://www.louis-vuittoncanada.ca/
louis vuitton outlet online,http://www.louisvuitton.jp.net/
louis vuitton uk,http://www.louis--vuitton.org.uk/
louis vuitton outlet,http://www.louisvuitton.so/
louis vuitton outlet online,http://www.louisvuittonas.com/
louis vuitton outlet,http://www.louisvuitton-outlet.com.co/
louis vuitton handbags,http://www.louisvuitton-outlets.us/
marc jacobs bags sale,http://www.marcjacobsonsale.com/
mcm bags,http://www.mcm-bags.net/
mcm handbags,http://www.mcmhandbags.com.co/
michael kors outlet store,http://www.michaelkors.so/
michael kors outlet online,http://www.michael--kors.us.com/
michael kors outlet,http://www.michaelkorsbags.us.org/
michael kors uk,http://www.michaelkorshandbags.org.uk/
michael kors,http://www.michael-kors-handbags.us.com/
michael kors outlet online sale,http://www.michaelkorsoutlet.ar.com/
michael kors purses,http://www.michael-kors-outlet.us.org/
michael kors handbags,http://www.michaelkorsoutlet-online.ar.com/
michael kors,http://www.michael-kors-outlet-online.us.org/
,http://www.michaelkorsoutletonline-sale.us.com/
michael kors uk,http://www.michaelkors-uk.org.uk/
mont blanc pens,http://www.montblanc--pens.net/
new balance,http://www.newbalance-outlet.org/
nike air max,http://www.nike-air-max.us/
nike factory,http://www.nikefactory.org/
nike free,http://www.nikefree5.net/
nike free run,http://www.nikefree-run.net/
nike free,http://www.nikefree-run.org.uk/
air jordans,http://www.jordanrelease-dates.net/
nike mercurial,http://www.nikemercurial.net/
nike roshe,http://www.nikerosherun.us/
nike outlet store,http://www.nikestore.us/
north face,http://www.northface.us.org/
north face clearance,http://www.northfaceoutlet.com.co/
oakley outlet,http://www.oakleyoutlet.us.org/
oakley sunglasses,http://www.oakleysunglasses.gr.com/
oakley sunglasses cheap,http://www.oakleysunglassescheap.in.net/
oakley sunglasses,http://www.oakleysunglassesoutlet.com.co/
omega watches,http://www.omegawatches.us.com/
pandora charms,http://www.pandora-charms.org.uk/
pandora jewelry,http://www.pandorajewelry.top/
polo outlet,http://www.polo-outlets.com/
prada outlet,http://www.pradahandbags.net.co/
prada handbags,http://www.pradahandbags.com.co/
prada shoes for men,http://www.pradashoes.com.co/
polo ralph lauren outlet,http://www.ralph-lauren.org.uk/
ralph lauren outlet,http://www.ralphlaurenoutlet.us.com/
ralph lauren uk,http://www.ralphlauren-outlet.org.uk/
ralph lauren polos,http://www.ralphlaurenoutletonline.com.co/
ralph lauren outlet online,http://www.ralphlaurenoutletonline.in.net/
uggs on sale,http://www.uggsoutlet.com.co/
coach outlet store,http://www.uptocoachoutlet.com/
vans outlet,http://www.vansshoes.us/
wedding dress,http://www.weddingdressesuk.org.uk/
lululemon outlet,http://www.yogapants.com.co/
cheap ugg boots,http://www.ugg-boots.us.org/
ralph lauren outlet online,http://www.poloralphlaurenoutlet.net.co/
burberry handbags,http://www.burberryoutletonline.ar.com/
toms outlet,http://www.toms-outlet.net.co/
michael kors outlet online,http://www.michaelkors.in.net/
christian louboutin shoes,http://www.christianlouboutinoutlet.net.co/
tory burch handbags,http://www.toryburchsale.com.co/
prada outlet,http://www.pradaoutlet.com.co/
longchamp outlet,http://www.longchamp-handbags.in.net/
longchamp,http://www.longchampoutlet.com.co/
chanel bags,http://www.chanel-bags.com.co/
true religion jeans outlet,http://www.truereligion-outlet.us.org/
abercrombie fitch,http://www.abercrombie-and-fitch.us.com/
hollister co,http://www.hollisterclothing.in.net/
new balance store,http://www.newbalance-shoes.org/
converse sneakers,http://www.converses-shoes.net/
lululemon outlet,http://www.lululemonoutlet.com.co/
cheap jerseys,http://www.nfl-jersey.in.net/
nfl jerseys,http://www.cheapjerseys.us.org/
rolex watches,http://www.rolex-watches.us.com/
omega watches,http://www.rolexwatchesforsale.us.com/
p90x,http://www.p90xworkout.in.net/
giuseppe zanotti,http://www.giuseppezanotti.com.co/
mac cosmetics,http://www.maccosmetics.net.co/
instyler,http://www.instyler.in.net/
mizuno,http://www.mizunorunning.net/
purses and handbags,http://www.handbagsoutlet.com.co/
hilfiger outlet,http://www.hilfigeroutlet.in.net/
ed hardy clothing,http://www.edhardy.in.net/
levis jeans,http://www.levisjeans.com.co/
bcbg max azria,http://www.bcbgdresses.net/
bebe clothing,http://www.bebeclothing.net/
harrods london,http://www.harrods-london.co.uk/
gucci handbags,http://www.guccishoes.com.co/
ralph lauren outlet,http://www.ralphlaurenoutletonline.us.org/
yoga pants,http://www.lululemoncanada.ca/
lululemon canada,http://www.yoga-pants.ca/
nike canada,http://www.nike-shoes-canada.ca/
pandora,http://www.pandora-charms-canada.ca/
watches canada,http://www.rolex-watches-canada.ca/
michael kors canada,http://www.michael-kors-canada-outlet.ca/
adidas shoes,http://www.adidas--canada.ca/
tiffany,http://www.tiffanyandco-canada.ca/
abercrombie kids,http://www.hollistercanada.ca/
abercrombie,http://www.abercrombie-and-fitch.ca/
oakley sunglasses,http://www.oakley-sunglasses-canada.ca/
wedding dresses,http://www.wedding--dresses.ca/
swarovski canada,http://www.swarovskicanada.ca/
tommy hilfiger,http://www.tommy-hilfiger-canada.ca/
new balance,http://www.new-balance.ca/
burberry,http://www.burberrycanada.ca/
north face,http://www.the-north-face.ca/
polo ralph,http://www.ralph-lauren.ca/
rayban outlet,http://www.ray--ban.ca/
christian louboutin,http://www.christian-louboutin-shoes.ca/
nike air max,http://www.nike-air-max.ca/
bcbg max azria,http://www.bcbg-max-azria.ca/
uggs canada,http://www.uggscanada.ca/
المجموع: 5 | عرض: 1 - 5

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال