الرئيسية | مقالات | مش صدفة

مش صدفة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
مش صدفة

أهى مصادفة أن تشتعل الأمور فى أماكن شتى من مصر قبل الانتخابات بأيام قليلة؟! أهى مصادفة أن ينتبه الناس فجأة إلى أن مصانع تعمل من سنوات هى خطر على البيئة فى توقيت العد التنازلى للانتخابات؟!

أهى مصادفة أن يثور الناس، ويقطعوا الطرقات، ويعلنوا العصيان فى عدة مدن فى توقيت متقارب؟!

أهى مصادفة أن تتجدّد المصادمات قبل أسبوع واحد من الانتخابات؟! أهى مصادفة أن تنتشر الدعوة إلى الاعتصامات مع مقرب وضع نظام تشريعى دستورى، وأن يتصاعد الهجوم على الكل، ومن الكل فى هذا التوقيت؟! كل النظريات الاستراتيجية فى العالم، لا تؤمن بما يسمى (المصادفة المتكررة)، فالمصادفة تأتى مرة، أو ربما مرتين، ولكن تكرارها، على هذا النحو، يخرجها من خانة المصادفة، إلى خانة المؤامرة…

السؤال التالى المنطقى، فى هذه الحالة، هو: مؤامرة مَن، وضد مَن؟! للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من اتباع الأسلوب البوليسى النمطى، وطرح السؤال الأساسى، وهو الدافع، فالدافع إلى ارتكاب الفعل، هو أقرب وأهم وسيلة للتوصّل إلى الفاعل، والدافع هنا واضح ومعروف، وهو منع إجراء الانتخابات التشريعية فى موعدها، وتأجيلها أو إلغائها، حتى لا يصبح هناك كيان تشريعى معترف به، أيا كان، خشية أن يكون هذا بداية لرحلة الإصلاح فى مصر، التى تتعارض مع مصالح العديدين، الذين وجدوا فى ثورة بلا قائد، الفرصة المثالية، لإسقاط مصر كلها من الخريطة الدولية، وتحويلها إلى بلد تابع، على الرغم منه، أو إلى بلد سلبى، على أقل تقدير، لا يهش ولا ينش، كما حدث مع الاتحاد السوفييتى، الذى نجحت خطة مماثلة فى نقله من مصاف الدول العظمى إلى خانة الدول التابعة، لما أطلق على نفسه اسم (النظام العالمى الجديد)… فمن إذن من مصلحته هذا؟ ومن يملك الدافع له؟ المشكلة هنا أن أصحاب المصالح أكثر مما يمكن حصرهم فى سهولة، فالنظام السابق، عن وعى أو جهل، عمل جاهدا بضعفه وتخاذله على انتزاع مصر من مكانتها السيادية فى المنطقة، وتحويلها من دولة تقود الأمة إلى دولة خاضعة خانعة، تسمع الكلام، وتنحنى للأوامر، وترعى مصالح الغير، متجاهلة مصالح شعبها..

ومصر بعد الثورة، وعلى الرغم من كل الانفلاتات والتجاوزات، التى تعقب الثورات فى المعتاد، لديها فرصة مثالية، لتصحيح الأوضاع، واستعادة مكانتها، ليس فى المنطقة العربية فحسب، ولكن فى العالم كله، الذى سيسعى إليها عندئذ، قبل أن تسعى هى إليه.. وهذا ليس فى مصلحة أحد، سوى مصر وشعبها فقط، وهذا لا يُرضى أعداءها

***

السؤال الذى يطرحه الجميع الآن فى مصر هو: لمصلحة من يحدث هذا؟!.. لمصلحة من تتم هذه المحاولة المذعورة، لإشعال الأمور فى مصر، قبل أيام من بدء الانتخابات التشريعية الحرة الأولى، فى تاريخ ما بعد 52؟!… أهى قوى سياسية قديمة، تريد أن تثبت أن القديمة تحلى، ولو كانت وحلة؟!… ولا يستنكر أحدكم هذا، فقراءتى الميدانية للشارع العادى، جعلتنى أرى العديدين، الذين أصابهم الهلع مما يحدث فى التحرير، وأرهقهم الخوف على مستقبلهم ومستقبل أولادهم، وأغضبهم تدنى أحوالهم المالية، لما يقرب من العام الكامل، فراحوا يترحمون على أيام النظام السابق، ويتحدثون علانية عن رغبتهم فى عودته، قابلين باللعبة الشهيرة لقهر الشعوب، وهى الأمن مقابل الحرية، دون أن يدركوا أن الشعوب التى قبلت بهذا، لم تنعم بالأمن، ولم تحظ بأى حرية، ودون أن ينتبهوا إلى أن ما هم فيه من غم وهم، هو نتاج سياسات إفسادية طويلة، نهبت خيراتهم، وسرقت أرزاقهم، وحجبت مستقبلهم… واللعب على هذا الوتر فى هذا التوقيت بالذات، هو لعبة ذكية ميكيافيلية ناجحة، ولكن يعوقها أمر واحد شديد الخطورة، وهو أنه هناك انتخابات تشريعية، ستوجد نظاما جديدا شرعيا، أيا كانت هويته، ولكنه سيزيح النظام القديم إلى الأبد، وسيحل محله رسميا، محليا وعالميا… ولهذا كان من الضرورى منع تلك الانتخابات… وبأى ثمن، حتى لو كان أمن مصر وسلامها واستقرارها، وحتى دم شعبها… وكل هذا ليس سوى المشتبه فيه الأوّل فحسب، وليس المشتبه فيه الوحيد، فهناك دول عربية، لديها تار بايت قديم مع مصر، وليس من مصلحتها أن تعود مصر قوية، كما كانت قبل عصر الخنوع، وهى دول غنية بمقاييس المنطقة، ولديها استعداد لإنفاق المليارات فى سبيل أن تبقى مصر لأطول وقت ممكن فى حالة الفوضى وعدم الاستقرار، حتى لا تعود قوية، فتضعف هى أمامها بالتالى… وهناك دول أخرى، تخشى المد الشيعى، الذى يهدّد وجودها، وتسعى إلى تكوين جبهة سنية، للتصدى له… وهذه فقط المشتبه فيه الثانى، وليس المتهم أيضا، فهناك مشتبه فيه رئيسى، لا يمكن نسيانه أو تجاهله فى موقفنا وموقعنا وحالتنا المستقبلية المنتظرة… إسرائيل التى عاشت أزهى عصور استقرارها، فى السنوات الثلاثين الماضية، عندما كان النظام السابق يرى أمنه واستقراره فى رضا أمريكا، وربيبتها الأثيرة إسرائيل، التى لم تخف محاولات مخابراتها، حتى فى عهد النظام السابق، فى بث الفتنة الدينية، وزعزعة الاستقرار، فما بالك بالظروف الحالية، التى التهبت فيها المشاعر، وتأجّجت فيها الانفعالات، واختلطت فيها المشاعر؟!.. وتصارعت فيها القوى

***

مليونية الجمعة قبل الماضية، مرّت على عكس توقعات الجميع، فى سلام، دون أى تداعيات فورية، وأعلن المشاركون فيها موقفهم، ومطالبهم، وانصرفوا، وبقيت فئة قليلة، أصرّت على الاعتصام فى التحرير، وأقامت الخيام لهذا الغرض، وعندما أرادت الشرطة إخلاء الميدان كالمعتاد، قاومت هذه الفئة فى استماتة، مما أفقد الشرطة أعصابها، فلجأت إلى الأسلوب الوحيد الذى تجيده، وانهالت عليهم ضربا.. وبمنتهى العنف.. وهنا استعاد المصريون ذاكرة الأحداث الأولى، التى فجّرت الغضب، وأشعلت ثورة يناير.. واشتعلت الدنيا.

وقبل الانتخابات بأيام.. وفى الميدان، شاهدنا الفيلم يتكرّر مرة ثانية.. وبنفس السيناريو تقريبا.. مطالب معقولة فى البداية، وتباطؤ فى اتخاذ القرارات، واختفاء الوجوه المسؤولة عن الشاشة، ثم الإعلان عن بيان للمشير، وانتظار مع أمل.. وبعدها بيان يخالف المنتظر، ورد فعل انقسامى.

الصديق الفنان عمرو واكد، باعتباره خبيرا فى قراءة السيناريو، رأى إعادة فيلم قديم، فعلّق على صفحته على «تويتر» قائلا: إنه تبقّت خطبتان، مشيرا بهذا إلى سيناريو الرئيس المنتزع من مقعد السلطة، فى يناير الماضى، الذى يتم تكراره فى نوفمبر، بنفس المشاهد تقريبا، فيما عدا اختلافات واضحة.. أوّل المشاهد، التى تغيّرت، فى السيناريو الحالى، هو استعداد «الداخلية» الواضح للمواجهة هذه المرة، واستخدامها لتكنيك حربى، وليس أمنيا فحسب، مع ترسنة واضحة لوزارة الداخلية، تمنحها القدرة على مواجهة الحدث، والتعامل مع المتظاهرين، لأطول فترة ممكنة، هذا لأنه فى مواجهات يناير استخدمت الشرطة أسلوبا أمنيا، اعتمد على غطرسة القوة وعلى ما يسمى بحرب المعركة التصادمية، أى المواجهة المباشرة فى الميدان، فى غياب خطة مواجهة أو دراسة مسبقة لكيفية التعامل مع أعداد كبيرة تفوقها عددا وإرادة، ولم تستعد أيامها أيضا، بكم كاف من الذخيرة، أو وسائل المقاومة.

أما بعد عشرة أشهر من الاستعداد، فقد اختلفت الصورة تماما، كما يبدو واضحا، إذ تم تحديث تسليح وزارة الداخلية وأقسامها ومديرياتها، وتم وضع خطة حربية متقنة للمواجهة، وتحويلها من معركة تصادمية إلى تكنيك حرب الممرات ودعمه بموجات من الحرب الخاطفة. وفى التكنيك الجديد تقف الشرطة ثابتة فى ممرات محصّنة فى الشوارع المحيطة بالوزارة وفى الأقسام والمديريات، وتتصدى للهجوم عليها أو محاولة الوصول إليها واقتحامها دون معارك تصادمية أو مواجهات مباشرة، وكلما تراجع المهاجمون، انطلقت فى موجة هجومية خاطفة، بضربة مكثّفة، ثم تعود مرة أخرى إلى مواقعها فى سرعة.. المثير للانتباه، هو أن «الداخلية» هذه المرة تستخدم أسلوبا حربيا مدروسا، وليس تكنيكا أمنيا متغطرسا، والمتظاهرون يواصلون محاولاتهم، دون خطة واضحة، نظرا لغياب القيادة الواحدة

***

ثورة الشباب فى الميدان اختلفت هذه المرة، على الرغم من أن المقدمات واحدة، ولكن هناك علم (سيبرانتيك)، الذى يقول إن المقدمات المتشابهة، لا تقود بالضرورة إلى نتائج متشابهة، لأن لكل مقدمات ظروفها، ولكل تحركات تداعياتها، ومن المستحيل أن تتكرّر الأحداث على النحو نفسه، مهما تشابهت مقدماتها ودوافعها، ويستند هذا العلم إلى أنه هناك دوما متغيرات صغيرة، وتطورات بسيطة، تحتم أن لا تتخذ الأحداث نفس المجرى، مهما تشابهت، وهو يضرب مثالا على هذا بوضع نقطة زيت على سطح منزلق، لتنزلق متخذة مسارا بعينه، ثم وضع نقطة ثانية، مساوية لها فى الكتلة والكثافة، وفى نفس الموضع بالضبط، فتتخذ مسارا مخالفا، نظرا للعديد من الموانع الميكروسكوبية فى طريقها.. هى إذن ليست مصادفة أن تختلف الأمور هذه المرة، فمع اتفاقنا أو اختلافنا مع ما يحدث فى التحرير، فلا بد أن نعترف أن التوقيت هذه المرة صنع فارقا كبيرا، ففى يناير كان هناك شعب فقد الأمل، فخرج ينادى بالتغيير، وفى هذه المرة هناك شعب متشبث بالأمل، فى انتخابات حرة، ربما لأوّل مرة فى تاريخه الحديث، وتفاعل شعب مقدم على الأمل، يختلف حتما، مع تفاعل شعب فقد الأمل، والأسلوب الذى تعامل به شباب التحرير فى يناير، لم يختلف عن أسلوبهم فى نوفمبر، فهم يطالبون بالحرية، ويرفضون، وبمنتهى العنف، كل من يتعارض معهم، أو يطالب بنفس الحرية، من منظور مختلف، على الرغم من أن تعريف الحرية يستحيل أن يكون معناه هو حرية التحرير، بل هو حرية شعب فى التعبير، سواء اتفقت معه أو اختلفت، ووصف من يختلف معهم بأنه مأجور وخائن، وتابع للفلول، هو وسيلة مثلى لانفصال الشارع عنهم، ووصف حزب الكنبة، الذى يوصف به كل من لا ينزل إلى الميدان، هو وصف مثالى، لخسارة الغالبية العظمى من الشعب، سواء فى التحرير، أو فى صناديق الانتخاب، ففى النهاية، شاء التحرير أم أبى، سيدلى حزب الكنبة بصوته فى الانتخابات، التى تجرى بالفعل، ولو أن هناك مليونى شخص فى التحرير، وهو أمر مستحيل هندسيا، نظرا لأن المتر المربّع الواحد (هندسيا) لا يحتمل سوى أربعة أشخاص، فهناك ستة وأربعون مليونا آخرون خارج الميدان، والطوابير الطويلة الكثيفة، أمام لجان التصويت تشير إلى أن معظمهم مصر على لعب دوره، وأنه ليس حزب كنبة كما يصفونه، وإنما هو حزب إيجابى، فى اتجاه حر، لا يمكن فرض الإرادة عليه بالقوة.. من ينادى بالحرية والديمقراطية لا بد أن يبدأ بنفسه، ويمارسهما أوّلا، وأن يؤمن بهما، وإلا فهو مثل سيئ لما يطالب به.. اغضبوا من كلماتى، ولكن فكروا.. يا أولى الألباب.

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (8 منشور)

avatar
Latasha 16/01/2012 02:12:55
Hats off to whoeevr wrote this up and posted it.
avatar
djihuspp 17/01/2012 05:10:03
PBreHQ , eynijdtwntix, [link=http://sjfbmvpouzrs.com/]sjfbmvpouzrs[/link], http://nggqsnfpoawi.com/
avatar
xSmellyFart 28/01/2012 18:13:00
http://www.medicationsquotes.com/ colchicine >:[[ http://www.jerusalemridge.com/toradol.htm toradol >:-]]]
avatar
dmgamboa 09/02/2012 23:33:51
http://www.autoassurancequote.com/ free auto insurance quotes ljrn http://www.quotestores.net/ life insurance quotes mmt http://www.lifeinsurancpricing.com/ best life insurance 90727
avatar
TyGirlzNewz 14/02/2012 19:07:26
http://www.searchinsuranceonline.net/ low income health insurance :[ http://www.vehicleinsur.com/ auto insurance quote uvm
avatar
Melvina 05/10/2012 05:16:07
http://www.impotens-behandling.com/ cialis 609 http://www.insurersbasic.com/ florida auto insurance bojde http://www.allstatesquotes.com/ cheap auto insurance %) http://www.oldstylelist.com/ auto insurance %P
avatar
Kenisha 29/10/2012 01:17:18
http://starladear.com/ insurance and propecia %))) http://www.insuranceslife.net/ affordable term life insurance xut http://www.getlifeinsurancequotes.net/ term life insurance quote xev http://www.affordinsurance.net/ nj car insurance hxif
avatar
Candid 19/11/2012 19:11:10
http://www.getlifeinsurancequotes.net/ life insurance >:-] http://instc.org/ priligy ukt http://www.comparecarinsurrates.com/ car insureance %O http://www.findhairlossmeds.com/ propecia rpjky
المجموع: 8 | عرض: 1 - 8

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال