الرئيسية | مقالات | الكبار

الكبار

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الكبار

القرية الفرعونية بالجيزة قامت بمبادرة متحضرة، كنت أتمنى أن تأتى من أى حكومة من الحكومات، التى تعاقبت على مصر، إذ منحت تخفيضا خاصا، قدره خمسة وعشرون بالمئة لكبار السن، ففى بلاد العالم المتحضرة، يتعاملون مع كبار السن باحترام كبير، باعتبار أنهم أناس بذلوا عمرهم فى أوطانهم، ويستحقون مع بلوغهم هذا العمر، أن يحظوا برعاية وعناية أوطانهم.. وفى بعض البلاد يطلقون عليهم اسم (سنيور سيتزين)، أو (مواطن فوق العادة)، ولأنه مواطن فوق العادة، وهذه تعنى عندهم أنه مواطن تجاوز السبعين من العمر، بغض النظر عن وظيفته، أو مهنته، أو منصبه، أو رتبته، فهم يمنحونه تخفيضا يبلغ خمسين فى المئة، على كل وسائل المواصلات العامة، وحجز الفنادق، وأسعار دخول أى مكان، وكثيرا من الامتيازات الأخرى.

وفى بلدنا بالذات، يستحق من هو فوق السبعين أكثر من هذا، ليس فقط لأنه بلغ هذا العمر، بل لأنه عاش خمسة عصور، من عصر الملك فاروق إلى عصر محمد نجيب، فجمال عبد الناصر، فالسادات، وعانى عذابات عصر مبارك، وهذا يعنى أنه مواطن لم يذق الأمرَّين فحسب، ولكنه ذاق المرارات، واحتمل، وقاوم، وعاش حتى تجاوز السبعين.. صحيح أن قيادات الحكم الشابة لدينا كانت كلها فوق السبعين، وبعضها بأكثر من عشر سنوات وقتًا ضائعًا، ولكنها كانت قيادات تحيا فى رفاهية وعز وأنتخة، ولا تعانى إلا من كثرة المال، وملل الرفاهية، وتخمة الشبع، ولا يمكن، بل يستحيل أن تشعر بما يعانيه مواطن عادى، احتمل المرارات حتى بلغ السبعين.. لماذا لا يصدر فى بلدنا بعد الثورة قانون خاص بمن تجاوزوا سن السبعين، وعددهم حتما ليس كثيرا، مع فشل النظم الصحية والاجتماعية؟.. لماذا لا يصدر قانون باعتبار من يتجاوز السبعين، أيا كان، يعتبر مواطنا فوق العادة، يحصل على امتيازات لن تكلف الدولة كثيرا، مع قلة عددهم، ولكنها ستمنحها صورة حضارية جميلة ومهمة، وستمنح أى مواطن، من أى فئة، الشعور بالأمان، وبأنه لا يهدر حياته، فى وطن يلتهم شبابه، ثم ينساه فى شيخوخته، عندما يكون فى أمس الحاجة إلى من يمد له يد العون؟!… أليست هذه واحدة من أهم أهداف الثورة، أن يشعر كل مواطن أنه فى بلده، وليس كما منسيا فى بلد آخرين؟!.. الشباب عندنا أشعلوا فتيل الثورة، وانضم إليهم الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، ومع نجاح الثورة، صار للجميع حقوق، وأكثر من ينبغى الانتباه إليهم، فى هذه المرحلة، الأطفال والشيوخ، وهذا لتحقيق أهم الأهداف

***

فى هذه المرحلة، التى نستهدف فيها إعادة الانتماء إلى النفوس، والسعى إلى بناء مصر المستقبل، لا بد أن نعيد النظر، وبجدية شديدة إلى أسلوب تربية وتعليم الأطفال فى مصر، وهذا أمر يستغرق سنوات وسنوات، أما بالنسبة للشيوخ، فمنحهم امتيازات بسيطة، يشعر كل من يحيا على أرض الكنانة بالأمان فى حاضره ومستقبله.. ولست أظن أن هذا يكلّف ميزانية الدولة كثيرا.. تعالوا نحصى عدد من بلغوا السبعين فى مصر، وننظر كم سيكلف قانون يمنحهم امتيازات خاصة، باعتبارهم مواطنين فوق العادة.. إن تعداد مصر الرسمى يقترب من خمسة وثمانين مليونا، ونسبة من تجاوزوا السبعين منهم، لن تتجاوز مليونين أو ثلاثة، على أقصى تقدير، فماذا سيضر أى نظام لو تقمص شخصية النظام المتحضر، وأصدر قانون المواطن فوق العادة، الذى لن نطالب بأن يتضمّن معاشا استثنائيا، ولكننا سنطالب بمنحهم بطاقات مميّزة، تتيح لهم الحصول على تخفيض خاص، فى وسائل المواصلات العامة، وأجر دخول أى أماكن، وتخفيض أو إعفاء، من بعض المصروفات الحكومية المملة، مثل قيمة الأوراق، أو التمغات وخلافه؟ أليس هذا من حق أى مواطن مسن فى مصر، بغض النظر عن وضعه الاقتصادى والاجتماعى والسياسى؟ أليس من حق من احتمل الطغيان والديكتاتورية والقهر وكتم الأنفس، ومحاباة الأثرياء على حساب الفقراء أن يرتاح ولو قليلا، ويحظى بشىء من التميز، بعد أن يصل إلى هذا العمر؟!

الفكرة ليست سيئة، لو نظرنا إليها بعين ترى كل فئات الشعب، ولو توقفنا لحظات، عن التفكير والتخطيط للمليونيات، وانتبهنا إلى معاناة مواطنين أفنوا عمرهم، فى ظل هذا الوطن، وشهدوا ثورة تندلع، دون أن يخفّف هذا من آلامهم وأوجاعهم، بل ربما ضاعفها، وهم يرون أن نظام ما قبل الثورة نسيهم، وأنظمة ما بعد الثورة انشغلت عنهم، وغرقت فى صراعاتها، سعيا وراء السيطرة على المستقبل، لا محاولة بنائه.. ربما يرى البعض أن الوقت لا يناسب هذا الحديث، إما لأنه ما زال شابا يتمتع بكامل الصحة والعافية، ويتصوّر أن سن السبعين لن يأتى أبدا، أو لأنه يمر به بالفعل، فى منزله الفاخر، ومع طبيبه الخاص، ويؤرقه أن قهوته جاءت باردة هذا الصباح.. ولكن الحديث عن تخفيف آلام الآخرين لا وقت له، لأن الآلام لا وقت لها، ومن يعانى منها لحظة، ليس كمن يتحدّث عنها ساعة أو حتى أيام، فذات يوم سألوا العالم الفذ ألبرت أينشتاين، عن مفهوم نسبية الوقت، فأجاب أنه نفس ما تشعر به من فارق، بين جلوسك مع حسناء فاتنة لساعة، وجلوسك فوق موقد مشتعل لدقيقة، والمعنى لأولى الألباب.

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (1 منشور)

avatar
يارا محسن 10/11/2011 06:27:04
اتفق معك تماما يا دكتور نبيل في كل حرف
المسنون يعانون الكثير في كل ما هو حكومي في هذا البلد بداية بالمواصلات انتهاء بالمستشفيات
وصار المعني كما ختمت لاولي الالباب الذين اتمني ان يكونوا ممن يبصرون ويسمعون
سلم فكرك وسلمت يداك
تحياتي
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال