الرئيسية | مقالات | الشعب فين ؟

الشعب فين ؟

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الشعب فين ؟

من أهم الأمور، التى نسيناها، فى غمرة الانفعال الثورى، شكاوى الشعب نفسه، الذى نصرخ دوما بأنه يريد… ففى الماضى، وأيام النظام السابق، كان الكل يتسابق على نشر شكاوى الناس، وكان هذا، من تجربتى الشخصية، يثير اهتمام المسؤولين، ويدفعهم فى كثير من الأحيان، إلى الرد عما نشر، والتحقيق فيه فى أحيان أخرى، وكانت الداخلية دوما هى أوّل من يستجيب لأى شكوى تنشر، وأوّل من يتصل ويحقّق فى الشكوى، وتليها وزارات أخرى، باستثناء وزارة المالية، التى كانت غطرسة وزيرها، تجعله يتجاهل الشكاوى كلها، بل ويثور على أعضاء مجلس الشعب كله، إذا ما أشارت التقارير الرسمية إلى وجود عجز غير مبرّر فى الميزانية، وكأن المال مال أبيه، ومصر كلها عزبة أسياده، وهو مسؤول تغطية السلب والنهب فيها، والآن اندلعت الثورة، وأسقطت النظام القديم، وسعت لإسقاط كل نظام، ونسيت فى غمرة هذا أهم ما فى الثورة.. الشعب نفسه.. الإعلام انشغل بشدة، فى الحديث عن الثورة، ونسى مطالب الشعب البسيط، فصار من النادر أن تنشر شكوى لمواطن عادى، لا يخرج إلى ميدان التحرير، ولا فى مليونيات، وليست له مطالب سياسية، أو عنده شكاوى من النظام القديم… وشعر ذلك المواطن أن الجميع نسيه، كما كان النظام السابق ينساه، وزاد شعوره بالغبن بعد الثورة، بأكثر مما كان قبلها، وحتى الوزارات المختلفة، لم تعد تبالى بالرد على ما ينشر، وتقلّصت كل اهتماماتها فى أن تثبت ولاءها للثورة، وتبرئ نفسها من انتسابها للفلول، كما صار يحلو لنا أن نطلق عليهم، ففى هذا العمود وحده، نشرت شكوى لمعلم مظلوم، يناشد المسؤولين التحقيق فيها، وأخرى لموظفة، يتجاهل رؤساؤها تنفيذ ما أشارت به الجهات القانونية لمجاملة شخص ينافقهم أكثر، أو تربطهم به قرابة أو مصالح، وثالثة لمتهمة وصفت بشاعة ما يحدث الآن فى أحد سجون مصر، ورابعة، وخامسة، وسادسة… ولم ينجح أحد!! بل ونشرت هنا أطالب وزير الصحة بالكشف عن المكافآت التى يتقاضاها كبار مديريه ومستشاريه، فى الحملة القومية لشلل الأطفال، من مال الشعب، وهم جالسون خلف مكاتبهم.. وتجاهل الوزير هذا، وربما لأن مسؤول إعلامه، الذى يتقاضى مكافأة بدوره، قد نصحه بعدم الرد، وتجاهل عمودا يوميا، استنادا إلى أن انشغال الكل بالثورة والهجوم على المجلس العسكرى سينسيهم إياه، وبدلا من أن يحل مشكلة ضعف أجور الأطباء، ينبغى أن يحافظ على مكافآت الكبار، وأن لا يعلنها للشعب صاحب المال، حتى لا تستفز الأطباء والناس، وليس من المهم أن تضيع أموال الشعب على فئة من كبار المسؤولين فحسب.

***

بعض الشكاوى، التى وصلت إلى بريدى الإلكترونى، لم تكن موجّهة إلىّ وحدى، بل إلى كومة من الزملاء الآخرين، ولم أشاهد واحدة منها فى أعمدتهم، إلا فى ما ندر، وهذا يعنى أننا، كما كان النظام السابق، لا نشعر ببسطاء هذا الشعب، ونتصوّر كما تصوّروا، أن المشكلات الفردية لا تساوى الاهتمام بها، ما دامت هناك مشكلات كبيرة، متناسين أن مشكلة الفرد هى مشكلة مجتمع، وأن معاناته هى تعبير عن معاناة آلاف مثله، لم يجدوا سبيلهم لعرض شكواهم، أو استسلموا للظلم وأمرهم لله عزّ وجلّ. ونسينا أيضا أن القلم، الذى وضعه الله سبحانه وتعالى بين أصابعنا، هو مسؤولية كبرى، سيحاسبنا جلّ جلاله على كل حرف نكتبه به، وأنه المفترض فى صاحب القلم الحر أن يكون الضعيف قويا عنده يقاتل ليأتى له بالحق، والقوى ضعيفا أمامه يجاهد لينتزع منه حق الضعيف، فالمشكلة، مهما بدت صغيرة فى نظر قارئها، هى كبيرة عند صاحبها تؤرقه وتعذبه وتطير النوم من عينيه، وربما تهدّد حياته بالضياع أيضا، وتجاهلها، باعتبارها مشكلة صغيرة، يصنع لديه، ولدى من حوله، شعورا بالضياع واليأس وانعدام الأمل، وعندما يجد أن الثورة التى وجد فيها الأمل والحل لمشكلاته تنظر إلى ما يعانيه، واعتبرته أصغر من أن تلتفت إليه، يتحول إيمانه بها إلى غضب عليها وعداء لها، وعندما يرى مسؤول ما أن الكل لا يضع تجاوزاته موضع الاهتمام فإنه يتمادى بحكم الطبيعة البشرية وتتحقّق قاعدة أنه لا صغير مع استمرار ولا كبير مع استغفار، فتتحوّل المشكلة الفردية الصغيرة إلى مشكلة جماعية متراكمة كبيرة وربما إلى كارثة فى ما بعد. والأهم أن نتعلّم من أخطاء مَن قبلَنا، ولا نكرّر خطاياهم، كما حدث مع الطبيب الذى حكموا عليه بألف وخمسمئة جلدة فى السعودية، فخرج رأس النظام السابق يقول: إنها مشكلة فردية، فى حين أنها كانت مشكلة كرامة شعب بأكمله.. مشكلة قد تصنع قوة أو تأتى بضعف أمة كاملة. ولقد تساءلت أيامها، فى عمود مماثل: ماذا لو أن هذا حدث فى عصر عبد الناصر، هل كان سيعتبرها مشكلة فردية، أم كان سيقيم الدنيا ويقعدها؟! وهل كان من الممكن فى عهده أن يصدر مثل هذا الحكم على مواطن مصرى؟! والحديث عن المقارنة هنا ليس لتفخيم ناصر، ولكن للحديث عن الفارق بين قوة الدولة وضعفها، من خلال قوة أو ضعف كل فرد من أفرادها، فقوة الأفراد تصنع فى مجموعها قوة الدولة، والعكس بالعكس. لو أن النظام قد سقط، فالشعب ما زال هنا، والشعب كيان جماعى، وحدته كيان فردى

***

عندما بدأ بناء الكيان الاقتصادى الأمريكى اعتمد على قاعدة تقول: إن قوة المجموع فى قوة الفرد، متأثرا فى هذا برائعة ألكسندر دوماس، الفرد للجماعة، والجماعة للفرد، فلو صار كل فرد قويا يحصل على حقوقه ويؤدى واجباته، يصبح المجموع قوة تؤازر بعضها بعضا فى كيان قوى متماسك، أما لو شعر الفرد بأن الجماعة تنظر إليه باعتباره وحدة ضعيفة فسينفصل عن الشعور بأنه جزء منها، ويتزعزع جدار قوتها شيئا فشىء، حتى تتهالك كلها… أدرك جيدا هنا أن المصاعب والمشكلات التى تواجهها الدولة كبيرة، ولكن هذا أشبه بجيش يخوض معركة، ويرى قادته أن مشكلات الجنود ليست بأهمية المعركة الكبرى، فيتخاذل الجنود فى القتال، ويخسر الجيش المعركة كلها!! من هنا كانت أهمية المشكلات الصغيرة التى هى دوما منسية قبل وبعد الثورة، التى لم يكن ينبغى أن تكون كذلك، وأيضا قبل وبعد الثورة، وإلا فما قيمة الثورة لو أنها ستهمل مشكلة الفرد، وحتى فى مرحلة الانتخابات، ستصبح مشكلة الفرد هى الفيصل، لأن الشعب هو مجموع الأفراد الذين سيمنحون أصواتهم لمن يرون أنه مهتم بمشكلاتهم، وليس لمن يصنعها أو يتجاهلها… الشعب أيها السادة ليس فقط من تصرخ كل فئة بأنها تعبّر عن إرادته، بل الشعب هو أنا وأنت ورجل الشارع البسيط والطالب، والفلاح، والعامل فى مصنع، والموظف فى مكتب… وليس من الضرورة أن يخرج إلى ميدان التحرير أو إلى جامع إبراهيم لكى يصبح من الشعب.. دعونا نعرف هذا الشعب الذى نتحدّث دوما باسمه…. دعونا نهتم بمشكلاته الصغيرة قبل الكبيرة.. دعونا نبنى له مستقبلا أفضل يجد فيه حقوقه وينتزعها بالقوة من خلال كل من حوله من بين أنياب الفساد.. دعونا نكشف كل من يتجبّر عليه فى غمرة الفوضى.. دعونا نعاونه على الحصول على حقوقه.. دعونا نكشف كل من يهضم حقوقه.. دعونا نفضح من يطالبه برشوة، ومن يتجاوزه مستضعفا إياه…. دعونا نكون سيفا فى يد الضعيف وعلى رقاب الفاسدين.. الإعلام أيها الزملاء قوة ما بعدها قوة، وضوء كاشف قوى يبدد ذلك الظلام الذى يسمح للفساد بالتستّر والانتشار، ومرآة الحقيقة التى يحاول الفاسدون حجبها.. دعونا نستخدمه، كما ينبغى أن يكون، لنحقّق هدفه السامى الحقيقى.. كفانا هجوما على كل شىء وأى شىء، ولنهتم الآن ببناء الفرد، الذى هو لبنة كل دولة.. دعونا نمد يد العون لبعضنا بعضا، كلُ حسب قدرته… عندئذ فقط سنصنع مستقبلا لا يتساءل أحد فيه: هو الشعب فين؟!

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (1 منشور)

avatar
mohamed sayed 29/10/2011 08:10:30
القلم الذي يهتم بهموم الناس واوجاعهم قلم يستحق الاحترام والتقدير
وليس هذا الكلام بجديد علي الاستاذ
الذي كان له الفضل بعد الله سبحانه وتعالي في تثقيف وتنشئة جيل كامل بل واجيال من شباب مصر
الاستاذ
نبيل فاروق
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال