فتنة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
فتنة

فى مصر فتنة.. لا بد أن نواجه أنفسنا بهذه الحقيقة، وأن لا نخفى رؤوسنا فى الرمال كالمعتاد، ونكتفى بشعارات وكلمات، وتربيت على الظهور والأكتاف، وجلسات صلح، ومانشيتات صحف. أصبح من البطولة، وإثبات الولاء للثورة، أن تثير فتنة موازية، باتهام المجلس العسكرى بكل شىء، وأى شىء، وكأنه لا هم له، سوى التآمر على الشعب، وتدمير كل مكتسباته، وليس العمل طوال الوقت، على محاولة رأب الصدوع، التى تتزايد كل يوم، مع مطالبة كل الفئات بما لا تحتمله ميزانية أى دولة، فى الظروف الاقتصادية العالمية المتدهورة.. مشكلة الاحتقان بين المسلمين والمسيحيين مشكلة مزمنة، تماما مثل كل الأمراض، التى لا تعالج على النحو الصحيح، فى حالتها الحادة، فتتوارى أعراضها العنيفة، وتتحوّل إلى الحالة المزمنة، التى تنهش الجسد فى بطء، وبلا رحمة، ومثل كل الأمراض المزمنة، فأعراض المرض تبقى طويلا، ثم تتفجّر فى نوبات عنيفة، وتعود إلى الاختباء تحت السطح مرة أخرى، فلا الجسد يشفى، ولا المرض يخمد، ولا الأعراض العنيفة المتكرّرة تنتهى.. المشكلة فى الواقع تراكمية، إلى حد بات يزعجنى ويقلقنى كمسلم، فما بالنا بالأقباط، الذين لم يعد هناك من هم لبعضهم، سوى اتهامهم بالكفر طوال الوقت، وكأنه ليس من حق مخلوق أن يؤمن، إلا بما يؤمن به أصحاب الفتنة، الذين يدعى بعضهم أنهم يتبعون السلف الصالح، ثم تتركز تعاليمهم كلها على ما لم يفعله السلف الصالح، فى التاريخ الإسلامى كله، وهو التاريخ الذى حفل بالتسامح، والمودة، والدعوة إلى سبيل رب العباد بالحكمة والموعظة الحسنة.. ولكن الحديث عن الدين الحق لم يعد مجديا، مع شعب فقد السيطرة على عقله، من شدة غضبه، ومنعته سياسة تعليم متدنية، منذ أكثر من نصف القرن، من التفكير بمنهجية وعقلانية، فصار أشبه بالدب، الذى قتل صاحبه، فى سعيه إلى حمايته، ثم جلس يبكيه، وهو قاتله، ويرثيه وهو مدمره.. الفتنة لها أسباب كثيرة، أهمها قانون حالى، الذى لا يضع أى قيود على بناء زاوية، فى بناية عادية، يمكن أن يكون كل هدف صاحبها الإعفاء من العوايد، ثم يضيق على المسيحيين، ليس فى بناء الكنائس فحسب، ولكن حتى فى ترميمها، على الرغم من أنه يمكن للمسلم أن يؤدى صلواته الخمس فى منزله، ولكن المسيحى لا يؤدى صلواته إلا فى كنيسة.. والأهم: فى أى مرحلة من تاريخ الإسلام، حرقت كنيسة، بل وفى أى مرحلة من تاريخ مصر، التى كان شعار الثورات فيها «الهلال مع الصليب»؟ وهل حوى القرآن الكريم، أو حوت السنة الشريفة تحريضا واحدا ضد أهل الذمة؟

***

ماذا لو ضيّقت أوروبا أو أمريكا على المسلمين فى بناء مساجدهم، ألن نثور ونغضب، ونتهمهم بالتعصّب والديكتاتورية، ونصرخ بأنهم يحاربون الإسلام؟! وماذا لو قرّروا أن يعاملونا بالمثل، وأن يطبقوا نفس القانون على مساجدنا لديهم؟ هل سنرى أن هذا عدل، لأنهم أغلبية مسيحية، أم سنثور، وكأن ما نفعله نحن ملائكى، وما يفعلونه هم شيطانى؟! لماذا لا يصدر القانون ويرتاح الجميع؟! ولماذا لا يعاقب، وبشدة، كل من يحرق دار عبادة، وكل من يحمل سلاحا بلا ترخيص، بغض النظر عن ديانته، ما دام مصريا، يحمل جنسية مصر، ويخضع لقانونها، ويتمتع فيها بكل الحقوق، وعليه كل الالتزامات؟! الفتنة لن تحل بالطبطبة وجلسات الصلح، والشعارات المتألقة، ولا بالتجاوز عن الجرائم، خشية تصاعد الأمر، لأن الأمور تتصاعد بالفعل، والنيران لا تكف عن الاشتعال، وإن اختفت بعض الوقت، تحت ستار الكلمات المعسولة… طبقوا القانون والعدالة على الجميع، بلا استثناء، وسارعوا باستصدار قوانين المواطنة، التى تجعل الجميع على أرض الوطن سواسية، فلا يرتكب أحدهم جريمة، متسترا وراء الدين، ومطمئنا إلى غياب العقاب، وانتهاء الأمر بمصالحات مؤقتة، لا تشفى الغليل، أو ترضى الضمير، خصوصا أن هذا فى صالح أعداء الوطن والثورة، الذين يشعلون نيران الفتنة، ويصرون على التصعيد، حتى بلغ الأمر مرحلة إطلاق النار على أفراد القوات المسلحة عمدا، ومع سبق الإصرار والترصّد، مما يستحق حكم الإعدام، وفقا للقانون المدنى، لأن أفراد القوات المسلحة ليسوا من عالم آخر، بل هم إخوتنا وأولادنا ورجالنا، الذين إذا ما هاجمناهم، فكيف نطلب منهم حمايتنا من أى خطر خارجى، وهم مهدّدون داخليا؟! وأى شعب هذا، الذى يهاجم جيشه، مهما كانت مطالبه؟! ثم لماذا صارت الصحف ووسائل الإعلام سوداوية إلى هذا الحد، لماذا صارت البطولة الوحيدة إعلاميا، هى مهاجمة المجلس العسكرى، واتهامه بالتآمر على كل شىء، على الرغم من أن الإعلام نفسه، لم يعد له من هم، منذ اندلاع الثورة، سوى الحرص على احتقان الشارع، والعمل على تصعيده، فى كل مناسبة، مدفوعا بوسواس الشك، الذى ورثه من ستة عقود مضت؟! هل أصلح هذا شيئا؟! هل دفع البلاد خطوة واحدة إلى الأمام؟! هل أدار عجلة التنمية لحظة واحدة؟! والعجيب أن الإعلام يريد أن يكسر كل قواعد الكون، فيعمل طوال الوقت على حقن الشارع، فإذا ما استجاب له الشارع، وأفرغ احتقانه، فهى مؤامرة من المجلس العسكرى، وليس رد فعل للاحتقان المتزايد، الذى صار سمة إعلامية معتادة!!! باختصار الإعلام ملاك، والمجلس العسكرى شيطان، هكذا البطولة

***

الإعلام مسؤولية، ومسؤولية كبيرة، ربما أكبر مما يتصور العاملون فيه، والقائمون عليه، ومن أخطر ما فيه أنه يبقى، بعد حتى أن ينتهى كل شىء، ويصبح وثيقة للزمن والتاريخ، يحاسبك كلاهما عليها، طال الزمن أم قصر، ولهذا فإنه على الإعلام أن يتوخى الدقة، فلا يكتفى بوجهة نظره، أو رؤيته الأمور، وإنما عليه أن يؤيد هذا بالوثائق والأدلة والبراهين، وأن يتخلى عن الانفعال والغضب، وكل المشاعر السلبية، التى تؤثر حتما على فكره، ونظرته للأمور، وعليه أيضا أن يكون إعلاما محايدا بقدر الإمكان، حتى ينقل الحقائق للقارئ أو المستمع أو المشاهد، بكل جوانبها، السلبية والإيجابية… وما أرصده الآن هو إعلام موجَّه، ولكن فى اتجاه معاكس للسابق فحسب، وإعلام يلهث خلف مانشيت صحفى مثير، أو سبق تليفزيونى هامّ، بغض النظر عن الحقائق والنتائج، والعجيب أن الإعلام، الذى يعتبر نفسه حرا، يتصور أن إثبات حريته يكمن فى التشكيك فى كل شىء، وتكذيب كل فعل، وتأييد كل إضراب وكل فوضى، وإلا فهو ليس حرا، وليس مؤيدا للثورة، والكل فيه يتحدث فقط عن مخاوف، ولا يريد أن يصبر، حتى يتيقن من مخاوفه، ويتخذ أسلوبا غاية فى الديكتاتورية، للمناداة بالحرية، فى تناقض لا يتفق مع رسالته، وإن أكدت الدراسات أنه ما من إعلام محايد أبدا، ومن غير المنطقى أن نطلب هذا، لذا فكل ما نطلبه هو إعلام لا يميل كل الميل، إلى جانب دون الآخر، لأن هذا ينفى عنه صفة الإعلام الحر، ويعيده إلى مسار الإعلام الموجَّه، بغض النظر عن الجهة التى يتوجه إليها… أدرك جيدا أن الحرية أمر غير معتاد فى مجتمعنا، وأنه يمر الآن بمرحلة طفولة الحرية، بكل ما فيها من عبث وعدم استيعاب، ولكن من المفترض أن يكون رجال الإعلام أكثر نضجا، وأكثر استيعابا لمفهوم الحرية، وأن يقودوا المجتمع إليها، لا أن يسايروا طفولتها، ليحظوا بنسب مشاهدة أكبر، أو نسب مبيعات أكثر، وأن لا يقتصر دوره على لعبة التشكيك والتخوين، من أجل الهدف نفسه، وأن يتمتع، على خلاف العامة، ببعد النظر، والرؤية المستقبلية، والشعور بالمسؤولية، وأن يتحمل، فى الوقت ذاته، تبعة ونتائج توجهاته، لا أن يتنصل منها، إذا ما أسفرت عن سلبيات واضحة، وتجاوزات خطيرة، وأن لا يتعامل باعتباره ملاكا لا يخطئ، مهما كانت النتائج والتداعيات… إننى هنا أتحدث عن وطن، لو انهار فسننهار معه جميعا، وكما يحاسَب مَن قبلنا، سنحاسَب أيضا ذات يوم، مهما طال الزمن، ومهما كانت المبررات، وعلينا أن نتعلم من مصيرهم، وأن لا ننتظر الخراب… هذه هى المسؤولية، لقوم يتفكرون، ولأولى الألباب

***

قصة من الأدب الصينى، قرأتها منذ أكثر من عشرين عاما، ثم تذكّرتها الآن؛ ربما لأننى وجدتها تتفق مع الواقع الحالى، على نحو مدهش. القصة تتحدّث عن رجل فقير يسكن منزلا آيلا للسقوط، وذات يوم، سقط سقف المنزل، وذهب ضحيته أحدُ أبنائه، وانتقل الرجل بباقى أسرته إلى منزل جديد، ومنذ اللحظة الأولى فى المنزل الجديد أخذ العامل يتطلّع إلى سقف المنزل ويخبر الجميع أنه يخشى أن ينهار السقف الجديد كما انهار القديم… ولأن ذلك الوسواس أصابه وخلق لديه حالة من الخوف المَرَضى كان يحضر سلمه كل يوم ويصعد بمطرقته ليدق على السقف بقوة، ولم يستمع إلى تحذيرات الجميع من خطر ما يفعله بالسقف الجديد، بل ظل يؤكّد أنه يصنع الصالح؛ لأنه يخشى أن ينهار السقف، كما حدث من قبل، وهو غير مستعد لأن يخسر ابنا آخر، إذا ما انهار السقف، كما حدث من قبل. ومع مرور الوقت، ومع طرقاته المستمرة على السقف ظهرت بعض التشققات والصدوع، وكرّر الكل تحذيرهم مما يفعله، ولكن حالة الخوف المَرَضى عنده، جعلته يواصل طرقاته على السقف؛ ليتأكّد من قوته. وذات يوم، ومع استمرار طرقاته، سقط جزء من السقف، ليقتل ابنا آخر من أبنائه، وعلى الرغم من حزنه، فإنه لم يقتنع أبدا بأن طرقاته المستمرة هى المسؤولة عما حدث، وصمَّ أذنيه عن تكرار تحذيرات الجميع، مُصرًّا على أنه يعلم صالحهم أكثر مما يعلمونه، وواصل طرقاته على السقف، بل وزادها قوة؛ ليتأكّد من أنه لن يسقط، ورد على الكل بأن لديه خبرة سابقة فى هذه الأمور، وأنه يعلم أن السقف سينهار… ورويدا رويدا تشقّق السقف أكثر وأكثر، واتسعت الشقوق وكبرت التصدعات، وهو يرفض التوقّف، ويضع ألف مبرّر ومبرّر للاستمرار فى طرقاته القوية على السقف… وفى محاولة أخيرة، نصحه البعض بترميم السقف، بدلا من الانشغال بطرقه، ولكن مخاوفه السابقة، وذكريات السقف القديم المنهار، حجبت عنه الحكمة ورجاحة العقل ودفعته إلى التشبث برأيه أكثر وأكثر، وكلما نصحه أحدهم ازدادت طرقاته على السقف قوة، وتولّد لديه شعور بأن التوقف سيعنى أن الآخرين كانوا على حق وسيفقده مصداقيته، وفى الوقت ذاته، كانت ذكرى السقف القديم تؤرقه، وتطير النوم من عينيه، فيصعد حتى فى أحلك الليالى، ليدق عليه فى قوة، تزعج جميع سكان المنطقة. وفى النهاية، ومع الإصرار والاستمرار، انهار السقف على رأسه ورؤوس عائلته كلها. وبينما يلفظ أنفاسه الأخيرة، بعد أن لقيت أسرته كلها مصرعها، أكّد أنه كان يعلم أن السقف سينهار. فى القصة القديمة حكمة كبيرة… لأولى الألباب..

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (2 منشور)

avatar
حازم 02/11/2011 15:09:17
والله يا دكتور انا شايف ان الموضوع محتاج شويه حزم ومفيش داعى لموضوع الانخابات ف الوقت الحالى زى ايام السادات الاولى لحد الامور متتظبط ساعتها نفكر فموضوع الاحزاب والمجالس التشريعيه وخصوصا اننا فالسويس بنعانى من حاله فراغ امنى كبيييييييييير (حدث ولا حرج) مثلا كثرت حالات الاختطاف حت اصبحت من مجريات الامور الطبيعية .. البلطجة وتجاره المخدرات .. حتى المرور الرجاله واقفه فالضل وملهمش دعوة باللى بيحل نهائيا كأنهم بيتفرجوا على فيلم وطبعا الكلام ده بالليل اما بالنهار فالدنيا شمس نادرا متلاقى عسكرى غلبان هو اللى موجود .. .. من هنا ارى ان الواجب تظبيط البلد الاول امنيا واجماعيا واقتصاديا ... الخ بعد كده نشوف موضوع الانتخابات لان فى رائيى هيكون فى مشكله كبيره عند الانتخابات .... وربنا يستر
avatar
عبد المنعم الشافعي 13/11/2011 19:59:04
في الوقت الذي يحتاج الوطن فيه لتنازل أفراده عن بعض حقوقهم لكي , هل تظن أن أحدا من الناس سيرضي بمجرد تأجيل بعض مطالبه من أجل الوطن؟
وإذا لم يوجد من يتنازل من أجل بلاده , فهل يستحق مثل هذا الشعب مستقبل أفضل ؟
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال