الرئيسية | مقالات | حنتغير

حنتغير

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

الناس بعد الثورة لديها عشرات الأسئلة، ومئات المخاوف.. أسئلة عن المصير، والمستقبل، والرئيس القادم، والنظام التالى، والمجلس العسكرى، وغيرها.. ومخاوف من كل هذا، بالإضافة إلى المخاوف على الاقتصاد، ولقمة العيش، والأسعار، والأمن، والوظائف، ومئات الأمور الأخرى التى تشغل كل فئة، مثل المخاوف من سيطرة الإسلاميين، وتغيير النظم، وقلب مصر رأسا على عقب، ومن عودة الحزب الوطنى ورجاله، وعودة النظام القديم بوجوه جديدة، وتحت اسم جديد.. والواقع أن كل هذه المخاوف فى محلّها، لكن هناك أمورا أخرى، تثير مخاوفى أكثر.. فالشارع بعد الثورة، صار أشبه بغابة لم يعد بها أسد، فسادتها الفوضى، الضاربة فى كل شىء، وزادتها المخاوف فوضى على فوضى، حتى إن بعضهم صار يتأسّف على النظام السابق، الذى هو فى الواقع السبب الرئيسى لكل هذه الفوضى.. والمتسبّب الأوّل فى هذا التسيّب، الذى بدأ فى عهده، فلم يبال به، ما دام لا يهدّد بقاءه.. ربما لأنه كان قصير النظر، أو لأنه انشغل بفكرة التوريث، عن كل الأمور الأخرى، بما فيها البلد نفسه، أو لأنه منح استثناءات لا حصر لها لكل من تقرّب منه أو انصاع له أو كان عضوا فى حزبه أو صديقا أو قريبا أو حبيبا.. وأحيانا عشيقا.. وأيا كانت الأسباب، فالعقول الديناصورية السابقة، لم تدرك أن الزمن لم يعد زمنها، وأن الدنيا تتغيّر، والبقاء لم يعد للأقوى، بل للأذكى والأبرع، وفى كثير من الأحيان، تمنح السلطة أصحابها غرورا وغطرسة، تجعلهم يتصوّرون أنهم ليسوا بحاجة إلى الذكاء، وأن القوة وحدها تكفى.. وأيا كانت الأسباب، فالنتائج التى نراها، تشير إلى أن ثلاثين عاما من الطغيان، قد نجحت فى تغيير طبيعة شعب، كانت سماته الحسنة مضربا للأمثال، قبل أن تصبح فوضته مثالا للانحدار.. والسؤال الآن هو: هل يمكن أن نتغيّر؟! هل يمكن أن نصحو ذات يوم فنجد أن القيم القديمة الرائعة قد عادت تتسلّل إلى الجيل الجديد، وأن الناس قد أدركت قيمة النظام والعلم والعمل، وأن الكل منشغل بالإنتاج والتنمية، أكثر من انشغاله بالتباهى وإثبات الذات؟! هل يمكن أن نرى شعبا يتباهى بنظافة شوارعه، ونظام دواوينه، وسيولة الحركة فى طرقه، وسيادة القانون على أرضه؟! التاريخ الأمريكى يثبت أن هذا ممكن، ولكن ليس بالسرعة التى يتمناها البعض، فصحيح أن الثورة أسقطت النظام القديم، إلا أنها لم تصنع نظاما جديدا بعد، وإنما انشغل الكل فيها بمحاولة الاستفادة منها، بزيادة فى المرتبات، ومضاعفة للحوافز، وفرض الآراء، والسعى إلى المكاسب

***

فى عشرينيات القرن العشرين، كانت أمريكا مثالا للفوضى، حيث سيطرت عليها عصابات وتنظيمات إجرامية مختلفة، وانتشر الفساد فيها، بين رجال الشرطة، والقضاء، وحتى أعضاء الكونجرس، وعانت من أزمات مالية طاحنة، رفعت معدلات الانتحار، إلى درجة مفزعة، وتصور الكل أنها ستبقى هكذا إلى الأبد، مع اليأس الذى انتابهم، مع انتشار الفساد والفوضى، ولكن اندلاع الحرب العالمية الثانية غير كل شىء، وحتم فرض النظام داخل البلاد، وأسهمت الصحافة الحرة بنصيب كبير، فى كشف الفساد، وتعبئة الشعب ضده، وعلت قيمة العلم، لما يحققه من إبداع وابتكار، وما حسم به الحرب، من اختراع القنبلة الذرية، التى رفعت أمريكا إلى مصاف الدول العظمى، وقلبت الموازين فى العالم كله… بعدها بدأ الشعب الأمريكى يتغير، لأن الناس تصبح مؤهلة للتغيير، عندما تمتلئ بشعور النصر والقوة… وحتى هذا لم يكن سريعا، وإنما استغرق سنوات وسنوات، فحتى فى سبعينيات القرن العشرين، اعتدت الشرطة على رجل أسود، فى قلب الشارع، ونجح أحد المواطنين فى تصوير الواقعة، فقامت الدنيا ولم تقعد، حتى تمت محاكمة رجال الشرطة المخطئين، وإقالتهم من عملهم… وهذا أمر طبيعى، فالناس لا تتغير بين عشية وضحاها، بل يحتاج الأمر حتما إلى بعض الوقت، الذى يطول أو يقصر، وفقا لطبيعة الشعب، وطبيعة المؤثرات الخارجية، الداعية إلى التغيير، وأقواها بالطبع القوانين الرادعة، التى يتم تطبيقها على الجميع، ودون أى استثناءات… وإذا ما كنا نريد حقا أن نتغير، فلا بد لنا فى البداية من أن نضع برنامجا مدروسا وعمليا، لتطوير نظم التعليم، وتحويلها من حالة التلقين المباشر، التى سادت كل مناهج التعليم لعشرات السنين، إلى حالة التفكير والابتكار، التى يمكنها أن تصنع مستقبلا واعدا، وهذا يحتم الخروج من الحالة الأنبوبية فى التعليم، ونظم وضع الأسئلة والامتحانات، إلى حالة جديدة، تتناسب مع طرق التعليم الحديثة، فى الدول التى سبقتنا، فى ركب التطور، وإضافة بعض الأساسيات الحياتية إلى المناهج الدراسية، مثل قواعد المرور، وفوائد النظام، وضرورة الحفاظ على البيئة، واحترام آراء الغير، مع منح العلم مساحة كبيرة، تسمح بتطوير العقول، واكتشاف العباقرة والمبدعين، ورعايتهم، وحسن توجيه مواهبهم، ومن الضرورى أيضا، أن تهتم كل المدارس بحصص الهوايات، التى كانت أساسا لا حياد عنه، فى المناهج القديمة، مما يستلزم معه تخفيف الضغط عن الطلاب، فى مختلف المراحل التعليمية، وتحديث المناهج، التى تمتلئ بالأخطاء العلمية، والنظريات القديمة، التى محَتها نظريات أحدث، أو عدلتها نظريات أفضل، وإلا فصغارنا سينشَؤون منفصلين عن عالمهم، لا نفع منهم لمجتمعهم، ولا فائدة منهم للمستقبل، ولا حتى لسوق العمل فى ما بعد

***

لماذا يجد الناس الراحة، ويشعرون بالقوة، عندما يخالفون القوانين البسيطة؟! الدراسات العلمية تقول: إن الناس تفعل هذا فى حالتين: الأولى عندما يشعرون أن القانون يطبّق على فئة دون الأخرى، مما يجعل من الفخامة أن لا تلتزم بالقانون، أو لأنهم مقهورون فى حياتهم اليومية، فينفثون عن هذا بمخالفة القوانين، ذات الرادع المحدود…. ولقد عانينا الأمرين معا، خلال الفترة الطويلة الماضية، ونعانى من نتائجهما بعد الثورة، عندما خفت قبضة الأمن (وما زالت)، فانطلق الناس ينفثون عن كبت الماضى، بتحدى القوانين ومخالفتها… من هذا ندرك أن أوّل ما يزيل هذه الحالة مع الزمن، هو إدراك الكل أن القانون يتم تطبيقه على الكل، حتى رئيس الجمهورية القادم نفسه، مع منح مناخ من الحرية، يزيل كثيرا من الاحتقان فى النفوس، ولا ينبغى أن ننسى أن الاقتصاد هو أحد الأسباب الرئيسية للشعور بالكبت والقهر، خصوصا فى بلد تفاوتت فيه الدخول، على نحو ملحوظ.

ولست أدرى لماذا لا نحاول دراسة برنامج مهاتير محمد، أو التجربة الصينية الاقتصادية، لتطوير الأداء الاقتصادى، وإنشاء مشاريع جديدة، يمكنها أن تعتمد على مشاركة ملايين المواطنين فى منازلهم، كما فعلت بعض الدول، بحيث تصبح كل أسرة فى مصر منتجة، فمن الممكن جدا أن تنشأ صناعات، تقوم بتدريب عدد كبير من الشباب من الجنسين، على تركيب جزء واحد من منتج ما فى المنزل، ثم تنقله إلى آخرين بقومون بتركيب جزء آخر، وهكذا… هذا يمكن أن يوفّر دخلا معقولا لآلاف الشباب، الباحثين عن عمل أو دخل، ويحفّزهم على الإنتاج، خصوصا عندما يرتبط دخلهم بكم ما ينتجونه، وتخفّف الضغط عن الطرق والمواصلات، وتوفّر فى الوقت نفسه ثمن أشياء بسيطة، اعتدنا استيرادها من الصين، دون أى سبب منطقى، فيرتفع اقتصاد الصين، وينخفض اقتصادنا… إننا حتى نستورد منهم سجاجيد الصلاة، والسبح، وفوانيس رمضان، فهل هذا منطقى أو معقول؟!

الأهم من كل هذا، هو أنه عندما يجد الناس دخلا، من عمل شريف يؤدونه، فإنهم يهدئون فى أعماقهم، وينشغلون بأعمالهم، ويحرصون على استمرار هذا العمل، الذى سيصير مصدر رزقهم، وكلها فوائد للمجتمع، خصوصا عندما تنتشر الفكرة، مع انتشار تلك الصناعات، واعتمادها على مصممين شباب، أصحاب فكر متطوّر، لصنع السلع الصغيرة فى صورة أنيقة وجيدة، مع وجود جهة مستقلة لمراقبة جودة وصلاحية الإنتاج…. لن يتحقّق هذا بسرعة طبعا، ولكن كل ما نحتاج إليه هو البداية، مع تأمين أصحاب الأعمال، بمنظومة محكمة، من الغول، الذى يجعل سعر سلعتهم يفوق السلعة المستوردة، وأعنى بهذا غول الرشوة والفساد

***

ما السر العجيب، فى أن السلعة المستوردة، التى تتحمّل عبء الشحن، والنقل، والجمارك، تباع فى أسواقنا، بسعر أرخص من السلعة المحلية، على الرغم من الأجور المتدنية نسبيا، بالنسبة إلى الأجور العالمية للعمال والصنّاع والفنيين؟!… سؤال عجيب، وإجابته أعجب!!.. فالسلعة المحلية تحتاج إلى مواد خام، تندرج تحت فئة جمركية عالية، ويستلزم تخليصها المرور بمحيط مخيف من الفساد، يكلفها رشاوى وإكراميات، وصباح الفل يا باشا، وإحنا فى الخدمة يا سعادة البيه، وخلافه…. ثم تنتقل بعدها إلى عملية التصنيع، فيبدأ بحر جديد من الفساد والرشوة، من أمن صناعى، ومكتب عمل، ورقابات متعدّدة، حتى تخرج السلعة إلى النور، وقد أضيفت إلى تكاليف تصنيعها الفعلية ألوف مؤلفة، وكلها راحت فى جيوب عشرات الفاسدين… وهكذا تزيد تكلفة الإنتاج، ويرتفع سعر السلعة، وتصبح عاجزة، فى بلد تصنيعها، عن منافسة سلعة أخرى مستوردة، ربما تكون أكثر جودة…. هذا بالطبع يملأ جيوب الفاسدين، ويفرغ السلعة الوطنية من هدفها الحقيقى، وقدرتها على المنافسة، فى السوق العالمية، وحتى المحلية… خلاصة هذا أن الخطوة الأولى لتنمية الاقتصاد، وإنعاش السوق المحلية، وما يستتبعه من زيادة فى الدخول، وراحة لكل مواطن، تبدأ بالقضاء على غول الفساد، الذى استشرى حتى تجاوز الركب، وصار يهدّد، ليس حاضر الوطن فحسب، وإنما مستقبله أيضا…. والقضاء على غول الفساد ليس سهلا أو هيّنا، ولا يمكن أن يتم فى يوم وليلة، ولا حتى فى عام أو عامين، ولن يتم حتى بالقضاء على فاسدى العصر السابق، لأنهم أكثر مما يمكن تصوّره، وإنما لا بد من وضع منظومة دقيقة، تطارد الفساد فى كل أجهزة الدولة، ولديها آليات لكشفه، ونظم لمحاسبته، وقوانين رادعة لاستئصال الفاسدين، من كل مكان…. فالمواطن لا يمكن أن يشعر بالراحة والاستقرار فى وطنه، إلا لو اطمأن إلى أنه يحصل على حقوقه، دون أن يضطر إلى دفع أضعاف ثمنها…. وفى رسالة نشرت سابقا، كانت هناك شكوى من استغلال نقص الأوراق المطلوبة لكل خدمة، والدمغات اللازمة لها، على الرغم من أننا فى عصر الكمبيوتر، ويمكن لصاحب المصلحة طباعة الأوراق المطلوبة عبر موقع إلكترونى، وسداد قيمتها وقيمة الدمغة المطلوبة نقدا عند تخليصها، فيرتاح من الاستغلال ووجع القلب، كما يمكن أن يضع كل موظف، يتولى مرحلة من مراحل التخليص، رقمه القومى، أو حتى رقما كوديا خاصاً به على الأوراق، مع تاريخ وتوقيت تسلمه لها، وبهذا يمكن تحديد المسؤولية، إذا ما شابت الأمور شبهة فساد…. الحلول أيها السادة ليست مستحيلة أو عسيرة، لو أننا نرغب حقا فى الإصلاح والتغيير، فهل حقا نرغب؟!.. هل؟!

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (9 منشور)

avatar
AHMED MOUSA 08/10/2011 01:49:22
إن شاء الله هنتغير يا دكتور
و شكراً على المقال الرائع
avatar
Jeana 17/01/2012 16:33:22
It's like you're on a misiosn to save me time and money!
avatar
mwelkcmfrd 18/01/2012 03:14:04
8YOhS4 , xtfbcvylftfl, [link=http://kdszzlrhfrtt.com/]kdszzlrhfrtt[/link], http://zllqsobvjmns.com/
avatar
egruntz 26/01/2012 19:21:17
http://www.jerusalemridge.com/flagyl.htm discount flagyl ivgce http://www.theworldwidewhat.com/ ativan 48051 http://www.availabletopmeds.net/ nexium 08581
avatar
ko0k33z 11/02/2012 22:59:10
http://www.bestinsurdeal.com/ cheap car insurance 8) http://www.findhomecover.com/ home insurance in florida wisoj http://www.yourlifepolicies.com/ life insurance policies :)))
avatar
Burchard 11/10/2012 09:26:58
http://www.autosinsurance4u.com/ car insurance rates 537390 http://www.insuranceslife.net/ life insurance 027 http://www.insurforall.com/ life insurance 63565
avatar
Sunshine 05/11/2012 07:23:38
http://dynamicteencompany.org/ car insureance 366539 http://www.locateonlinecolleges.com/ online colleges =-OO http://www.allcarinsuranceproviders.com/ car insureance 66575 http://www.insurforall.com/ life insurance >:-]]
avatar
Barbi 11/11/2012 21:12:03
http://starladear.com/ Propecia krxlp http://videolinux.net/ viagra adolcj http://www.insurancequotesva.net/ car insurance quotes va iizixa http://www.lowpricemed.net/ viagra %-))
avatar
Smiley 24/11/2012 00:35:39
http://videolinux.net/ buy viagra 8] http://www.insuranceslife.net/ life insurance 728 http://www.comparecarinsurrates.com/ affordable car insurance lixh http://www.myedtreatment.com/ cheap prices on cialis 38841
المجموع: 9 | عرض: 1 - 9

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال