الرئيسية | مقالات | ما تيجى نبنى

ما تيجى نبنى

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ما تيجى نبنى

في مصر، قامت ثورة عظيمة، أسقطت نظاما فاسدا، اعتمد في بقائه على القهر والكبت والطغيان، وحوَّل البلاد من دولة قادرة على أن تقود الأمة العربية كلها، إلى عزبة كبيرة، يعيث فيها مماليك العصر الحديث فسادا، ويستبيحون أرضها وعرضها، ويضربون عرض العالم بمصالحها، ويضعون مطامعهم فوق مكاسبها، ويهبطون بها إلى كيان ضعيف غير قادر على النهوض أو بناء المستقبل، يحبط شبابه، ويستأصل كباره، ويحني هامة بلاده، فتتحوَّل من قائد للأمة، إلى تابع ذليل، لمن هم خارج الأمة..

ولهذا قامت الثورة..
ولهذا أيضا، سقط النظام..
ولكن سقوط أي نظام، ليس هو الثورة..
فالثورة ليست في إسقاط نظام..
بل في إقامة نظام..

ولكي يقوم نظام جديد، على حطام نظام قديم، لا بد أن نضع أولا استراتيجية واضحة، وأهدافا مباشرة.. ووسيلة صحيحة..
والمشكلة تكمن هنا في الوسيلة الصحيحة..

فمن المقولات -التي تتردّد كثيرا منذ قيام الثورة- أنه من المحتَّم أوّلا القضاء على كل من ينتمي إلى النظام القديم؛ للبدء في بناء نظام جديد..

والواقع أنها مقولة خاطئة تماما، على الرغم من أنها تبدو منطقية في الظاهر.
فالنظام القديم كان متغلغلا في كل نواحي الحياة تقريبا، ومن ينتمون إليه منتشرون على نحو يفوق التصوَّر؛ إذ إنهم لم يقتصروا على من يحتلون المناصب العليا وحدهم، بل يمتد أيضا إلى الصف الثاني منهم.
والثالث..
والرابع..
وربما الخامس أيضا..

فلو أنك وضعت هدفك في القضاء على كل هؤلاء قبل أن تبدأ مرحلة البناء، فسيؤدي بك هذا إلى نتائج لا تتفق مع تصوَّرك..
أوَّلها: أنك ستشنّ حربا على شريحة ضخمة من المجتمع، وهو ما سيدفعها للتآزر ضدك، كما يفعل أصحاب المصالح المشتركة، أو المخاطر المشتركة دوما، وحربهم لن تكون سهلة أو هيّنة؛ لأن جيشهم أكبر مما تتخيّل، وجنودهم منتشرون في كل مكان حولك، وهو مستفيدون من فسادهم، وسيدافعون عنهم وعن أنفسهم، ويشنّون عليك حربا مضادة، أو ثورة مضادة، إذا صح التعبير..

وستنشغل أنت بتلك الحرب..
وستسعى للانتصار فيها..
ولكن، مثلها مثل كل الحروب، ستهدم ولن تبني..
وستستهلك جهدك كله، فتضيع منك فرصة بناء المستقبل..
وثانيا: أن الشعب نفسه لن يحتمل حربك الطويلة والمستمرة هذه.. ربما يبدأها معك، ويستمر فيها بعض الوقت، ولكنه سرعان ما يشعر بالإرهاق، وتسير القافلة كما تسير دوما، بقدر احتمال أضعفها..

ورويدا رويدا ستنفصل عنك فئات من الشعب..
ثم تغضب منك..
وبعدها تنقلب عليك..
ثم -وهو الأسوأ- ستعتبرك عدوا؛ لأنك لم تحاول بناء شيء لها، وإنما انشغلت بتصفية حسابات قديمة، أو بالثأر من الماضي، ونسيت مستقبل الوطن..
ومستقبلهم..

المشكلة أنه لا يهم هنا إذا ما كنت على حق أم لا؛ فمع الوقت والإنهاك سينسى البسطاء أهدافك، ولن يعنيهم نبل الغايات، ولا سموا النيات..
لأنهم سيتعبون..
ويرهقون..
ويفقدون الشعور بالأمن والأمان..
وهذا ضدك، وضد ثورتك، على طول الخط..

وثالثا: أنك لن تستطيع -مهما حاولت- أن تقضي على الفساد قضاء تاما؛ لأن هذا لم يحدث قط عبر التاريخ، لا في هذه الثورة، ولا في أي ثورات أخرى؛ لأن الشيطان لن يتوقّف عن العمل؛ فقط لأنك أشعلت ثورة في بلدك..
هذا لا يعني أن تنصرف عن فكرة محاسبة كبار فاسدي النظام السابق..
ولكن يعني أن يسير الأمر في مضمارين متوازيين..
أن تحاسب الماضي..
وتبني المستقبل..
وفي الوقت ذاته..

فالسبيل العملي والمنطقي والوحيد لمحاربة الفساد، ليس في محاسبة من فسد بالفعل، ولكن في وضع منظومة جديدة؛ لكشف الفساد، وفضحه، وإيجاد آليات مكافحته، ومعاقبة من يمارسه..
وهذا يستلزم حالة من الاستقرار تتيح وضع تلك المنظومة..
فالفساد موجود في كل مكان..
وأي مكان..
في بلدنا، وفي كل بلاد الدنيا أيضا..

ضعاف النفوس يغريهم الشيطان بالفساد، حتى لو كانت عقوبته هي الإعدام، وسترى هذا واضحا في حالات الاغتصاب وتجارة المخدرات؛ إذ تصل عقوبة كل منهما إلى الإعدام، وعلى الرغم من هذا، فإنهما ما زالا يحدثان، حتى لحظة كتابة هذه السطور، وبعدها أيضا، إلى يوم الدين..
دعونا إذن نتوقّف عن تركيز كل اهتمامنا على فساد الماضي..
ولنبدأ بناء المستقبل..
فالوطن في الواقع يحتاج منّا إلى الكثير..
والكثير جدا..
جدا..

وهذا الشعب -الذي عانى كثيرا- عبر عقود من الزمن، ينتظر منكم أكثر..
ينتظر منكم المستقبل..
ينتظر إنصافه..
وتقليل معاناته..
والاهتمام بشأنه..
فإما أن تمنحوه هذا، أو حتى لمحة منه، أو تضيع من بين أيديكم الثورة..

تعالوا نبني..
ونبني..
ونبني..
في بلدنا ملايين من الفقراء..
ومئات الألوف من الأيتام..
ومئات الألوف أيضا من الأرامل والمطلقات اللاتي لا يملكن قوت يومهن، فتجبرهن الحاجة إلى دفع فلذات أكبادهن إلى سوق العمل؛ بحثا عن لقمة عيش..

في بلادنا مرضى، لا يجدون ثمن العلاج..
وشباب عاطل يبحث عن فرص للعمل..
وعمال باليومية يجوعون وتجوع معهم أسرهم، لو توقّفوا أسبوعا واحدا عن العمل والكفاح..
وكل هؤلاء لا تعنيهم محاسبة الماضي..
 كل هؤلاء ينتظرون منكم المستقبل..
والبناء..

فأرجوكم.. أن تمنحوهم ما يريدونه، وما يتمنّونه..
ابحثوا معي عن أفكار تكفلهم..
وترعاهم..

وتحقّق لهم العدالة الاجتماعية التي كانت أحد أهم مطالب الثورة..
دعونا نتطلّع إلى المستقبل..
ونبدأ معا، رحلة البناء..
وللحديث بقية...

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (29 منشور)

avatar
محمود الغريب 20/09/2011 06:03:59
اولاً يا دكتور احب ان اشكرك على مجهودك الفكري الرائع وخاصة روايات ادهم صبري اللذي وإن كان بطل على ورق لكن تعلمنا منه الكثير, لكن والحق يقال لم يفتني اصرارك في كل رواياتك على قدسية المنصب الرئاسي والرئيس في رواياتك , !!!!
avatar
شرقاوي 20/09/2011 09:37:39
اتفق معك جدا ، ولكن تحاذر الدكتور من تصنيف الرئيس بإسم ، فجعله الرئيس بدون ملامح واضحة
avatar
سندريلا الجميلة 20/09/2011 06:24:35
مقال رائع يا دكتور
عندك حق فى كل الى قلته بالفعل
بدليل ما يحدث الان فى البلاد
avatar
ahmed eldieb 23/09/2011 21:18:20
أظن ان الدكتور نبيل قد أجاب على موضوع الرئيس هذا بأن الرئيس فى رواياته رمز وليس شخص بعينه وان الرواية تختلف عن المقال
avatar
Staysha 10/01/2012 18:45:57
IMHO you've got the right aneswr!
avatar
Sugar 10/01/2012 22:57:24
Ah yes, nicely put, evryeone.
avatar
croqsyhieu 11/01/2012 01:39:42
qP6Vf3 <a href="http://gygqjleirbht.com/">gygqjleirbht</a>
avatar
txlwtpdef 11/01/2012 21:22:52
XqRLrz <a href="http://bsbxrvkdnvux.com/">bsbxrvkdnvux</a>
avatar
Destinatious 01/02/2012 19:19:27
<a href="http://www.erectionmeds.net/">cheapest cialis</a> 8[[ <a href="http://www.eatcakehaveshoes.com/nexium.html">nexium</a> :OO <a href="http://www.yourmedecines.com/">nexium</a> vpxwvi
avatar
asdffd 01/02/2012 22:11:27
<a href="http://www.eatcakehaveshoes.com/lexapro.html">lexapro stronger erection</a> qvzwt <a href="http://www.smedica.com/">synthroid</a> 859
avatar
white2grey 10/02/2012 14:08:52
<a href="http://www.insurdeal.net/">cheap auto insurance</a> 314088 <a href="http://www.lifeinsurancpricing.com/">life insurance cost</a> 9862
1 2 3 next المجموع: 28 | عرض: 1 - 10

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال