الرئيسية | مقالات | طب ملطشتستان

طب ملطشتستان

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
طب ملطشتستان

الأطباء فى مصر صاروا ملطشة، لكل من هب ودب… طبيب الاستقبال يسهر طوال الليل لإسعاف أى مصاب أو مريض عاجل، ثم يفاجأ بعدد من البلطجية، الذين يحملون مصابا، ويريدون علاجه بالبلطجة، وحتى عندما يهم الطبيب بمعالجته -باعتباره يحتاج إلى العلاج أيا كانت هويته- فإنهم يصرون على إجراءات معينة لعلاجه، دون فهم لحالته أو احتياجاته، فإذا ما حاول الطبيب -مجرد محاولة- إقناعهم بعكس ما يريدون، فالنتيجة هى كارثة… أحد الأطباء طعنه واحد من أصدقاء المصاب فى بطنه، وآخر هاجموه بالشوم واللكمات، وثالث كادت عينه تضيع، فى موقعة مماثلة، ورابع وخامس وسادس وخمسون… وحتى طاقم التمريض لم يسلم من الضرب والتنكيل والمهانة… هذا لأنهم فى ملطشة… والمسؤولية هنا حائرة، بين وزارة الصحة، التى من المفترض منها أن تحمى العاملين فيها، والذين يؤدون خدمة طبية، لكل من يحتاج إليها، وبين وزارة الداخلية، المفترض منها أن تحمى كل مواطن، والطبيب والممرضة والممرض هم أيضا مواطنون بالمناسبة… وعندما تم التعاقد مع بعض شركات الأمن، لحماية الأطباء ومستشفياتهم، كانت النتيجة مزيجا من الكروش الكبيرة، والأجساد الضعيفة، والوجوه الشاحبة، والذين يرتدون زى رجال الأمن، ثم يكونون أول من يفر من الساحة، عندما تبدأ المعركة، لأنهم ليسوا مدربين أو مؤهلين لمثل هذه المواجهات… كل هذا ووزارات الصحة المتعاقبة تتجاهل على نحو أو آخر مشكلة أجور الأطباء المتدنية، إلى درجة الجفاف، وحتى عندما فكرت فى رفع الأجور، قامت برفع أجور الأطباء الجدد وحدهم، دون القدامى، فصار راتب الطبيب الجديد يقارب عند بدء تعيينه راتب طبيب قديم، أمضى خمسة عشر عاما فى خدمة الطب. وفى محاولتها الثانية، رفعت أجور طاقم التمريض والإداريين، ومنحتهم حوافز غير مشروطة، ثم وضعت شروطا مجحفة لحوافز الأطباء، بحيث لا يستحقونها، إلا لو قضوا النهار والليل ساهرين، وأصيبوا بأمراض الدنيا كلها، من فرط الإجهاد… ووزراء الصحة المتعاقبون يتصورون أن كل الأطباء لديهم عيادات، يجنون منها الشهد، فلا داعى لزيادة أجورهم، فى حين أن هذا غير صحيح عمليا، فالعيادات الطبية، التى يمكن أن تؤمن لصاحبها دخلا محترما، لا تتجاوز عشرة فى المئة، من عدد الأطباء الفعليين، لأن العيادة تعنى شقة وتجهيزات، ونقودا.. ونقودا.. ونقودا… أما البقية منهم، وهى الغالبية، فعليها أن تلهث هنا وهناك، حتى يحقق ما يكفى لحياة كريمة، أو تسعى للحصول على عقد عمل من الخارج، لتأمين دخل مناسب… وبعد كل هذا، تتركهم الوزارة ملطشة لكل من هب ودب!

***

من يرعى الأطباء فى مصر؟!.. ومن يحميهم من هجمات البلطجية، التى صارت خبرا شبه يومى، فى صفحات الحوادث؟!.. أهى وزارة الصحة أم وزارة الداخلية أم المجلس العسكرى، أم من؟!.. وهل على كل طبيب أن يذهب إلى عمله مسلحا؟ أم عليه أن يستأجر حرسا خاصا لحمايته من الاعتداءات؟!.. فى مصر، ومنذ سنوات، جمعية تعرف باسم «أطباء بلا حقوق»، وهى تدافع فى استماتة طوال الوقت عن حقوق الأطباء الضائعة، وعن أجورهم المتدنية، نسبة إلى أجور العاملين فى وزارة المالية، والداخلية، وغيرها، باعتبار أنهم جهة خدمية، وليسوا جهة تحصيل أموال.. والآن أضيفت إلى مهامها مشقة الدفاع عن أرواح الأطباء وحمايتهم من الاعتداءات أيضا، وهو عمل دولة، لا عمل جمعيات أهلية.. ومن الضرورى هنا أن نناقش فكرة وطبيعة شركات الأمن الخاصة أيضا، التى يعتمد العاملون فيها على زيهم ومسمياتهم الوظيفية فحسب، دون تدريبات، أو لياقة، أو متابعة، ودون حتى قدرة على مواجهة أخطار أو تهديدات حقيقية، وعلى الرغم من هذا، فإن تلك الشركات تحصل على تصاريح، وعقود عمل وأرباح!.. المفترض أن تخضع شركات الأمن الخاصة إلى تدقيق حقيقى، وأن لا توظَّف إلا من يصلح لمهنة الأمن الخاص، ولست أدرى لماذا لا تنشأ شركة أمن على مستوى عال، مستعينة بمن لهم خبرات سابقة، وبأفراد الصاعقة الذين أنهوا خدمتهم، والذين تدرَّبوا على المواجهة، ولا تخيفهم شومة فى يد بلطجى، أو سنجة فى قبضة مسجَّل خطر، فمن الواضح أن المجتمع، فى حالته الحالية، أحوج ما يكون إلى هذه النوعية من شركات الأمن الخاصة، التى يمكن أن تؤمن حماية حقيقية وفعَّالة.. ونعود هنا إلى الحديث عن الضحايا، أو أطباء ملطشة الخط الأوَّل للمواجهة، فى استقبال المستشفيات العامة، والذين تسبَّب ما يصيبهم فى أن تغلق بعض المستشفيات العامة حجرات الاستقبال فيها، بعد رفض الأطباء الوجود هناك، اكتفاء بالعيادات الخارجية، التى ليست أيضا بمأمن من الاقتحام والبلطجة وحمل السلاح، الذى صار اليوم فى كل يد، وفى قبضة كل من هب ودب، والشرطة تخشى العقاب والمحاكمة، بعد أن حوكم بعض أفرادها، بسبب دفاعهم عن أقسامهم، كما حوكم من قتلوا الثوّار عمدا، ولهذا تقف عاجزة سلبية، فى انتظار ما ستسفر عنه المواجهة.. والسؤال الآن لك يا وزارة الصحة، ولك يا وزارة الداخلية.. من منكما سيحمى أطباء مصر؟!.. من سيحمى مستشفياتها؟!.. الأمن الضعيف أبو كرش أم رجال الشرطة؟ أم على الأطباء أن يرفعوا أيديهم إلى السماء، باعتبار أن الله سبحانه وتعالى هو السَّتار؟!.. من يا مصر؟!.. من؟

***

من الأمور العجيبة، فى طب ملطشتستان، عملية توزيع الحوافز المقلوبة، مثل كل شىء فى مصر؛ فالأطباء، الذين يؤدون العمل فعليا يحصلون على النسبة الأقل من الحوافز، فى حين يحصل رؤساؤهم وهم جالسون خلف مكاتبهم على نسبة أكبر، ويحصل رؤساء رؤسائهم فى مديريات الشؤون الصحية على نسبة أكبر وأكبر، ثم تصل النسبة الأعظم إلى مسؤولى الوزارة، الذين أشّروا على خطة العمل فحسب! وأنا هنا لا أقلّل من جهد الرؤساء أو أهميتهم، ولكن العقل والمنطق والعدل، وحتى الاقتصاد، يحتم حصولهم على النسبة الأقل؛ لأن الطبيب يحصل على نسبة من مستشفاه وحده، ورئيسه يحصل على نسبة من جهد كل أطباء المستشفى، ورئيسهم فى المديرية يحصل على نسبة من حصيلة كل المستشفيات التابعة لمديريته، وعندما يصل الأمر إلى مسؤول الوزارة فسنجد أن نسبته تشمل حصيلة كل مستشفيات الجمهورية، وبالمنطق التجارى البحت، سيكون نصيب مسؤول الوزارة، أكبر من نصيب طبيب المستشفى الواحد بكثير، حتى لو حصل مسؤول الوزارة على عُشر النسبة التى يحصل عليها الطبيب الواحد. إن أصول الفساد وقواعد التربّح وأدبيات السلب والنهب عكست الأمر، ومنحت من يجلس فى الوزارة النسبة الأكبر، من دخل كل مستشفيات الجمهورية، حتى يصبح عبدا ذليلا للحكومة ينفذ أوامرها بلا مناقشة حتى ولو كان يثق مليونا فى المئة فى حماقتها، ويبوس القدم ويبدى الندم فى كل لحظة، حتى لا يخرج من ميغة عز ملطشتستان. ولكى يثبت لأسياده أنه أهل لمنصبه وللميغة التى يعب منها عبا.. وبالقانون، فلا مانع لديه من إصدار أى تعليمات مجحفة تضع أعباء لا معنى أو قيمة لها على كل الأطباء، ما دام فى النهاية وبعد أن يضع تأشيرته الكريمة سيعود إلى بيته وينام، وطظ فى الأطباء الذين حرمهم قراره من النوم والراحة بجرة قلم ودون أى فائدة عملية أو منطقية للمرضى، اللهم إلا وضعهم أمام طبيب عاجز عن التركيز، يفتح عينيه فى صعوبة من شدة الإرهاق الذى بلا طائل، ربما هذا لأن النظام السابق كان مصابا بعقدة أساتذة الجامعة الذين لم يعملوا أبدا فى وزارة الصحة ولا يعرفون أو يفهمون مشكلاتها الحقيقية ولم ينزلوا أبدا إلى أرض الواقع إلا للتفتيش على حضور وانصراف الأطباء وحسن السير والسلوك، واكتفوا بتقارير مسؤولى الميغة التى تؤكّد دوما أن كل شىء تمام والمرضى مية مية، ولا يهمك يا ريس، والوزير الذى لا يفهم شيئا فى وزارة الصحة يهز رأسه ويخشى أن يقول إنه لا يفهم؛ لأنه أستاذ جامعى محترم

***

سؤال يشغلنى كثيرا، منذ أيام النظام السابق، الذى سن كل السنن السيئة، لماذا دوما أساتذة الجامعة؟! الأساتذة طبعا على عينّا وراسنا، لكن فى مجال أستاذيتهم فحسب، فحتى المنطق والعقل لا يقولان إن أستاذ الهندسة الناجح مثلا، يمكنه أن يكون وزير تعليم فالحا، من باب المجاملة، فالتجربة العملية أثبتت العكس تماما، فقد يكون أستاذ الأساتذة فى الجامعة، لكنه لا يفقه شيئا فى الصحة، أو التعليم مثلا، فلماذا لا يأتى وزير الصحة من الصحة، ووزير التعليم من التعليم؟! مشكلات الوزارات أيها السادة، لا يمكن أن يفهمها أو يدرك أبعادها أو يُوجد لها الحلول المنطقية والقابلة للتنفيذ على أرض الواقع إلا من عايشها منذ زمن طويل، وعانى منها، وفكّر ألف مرة فى حلولها. خلصونا بقى من أساتذة الجامعة، الذين تبلون بهم وزارتى الصحة والتعليم منذ الأزل، والذين يأتون بكل جهلهم بمكان لم يعملوا فيه من قبل، ليفتكسوا ويبتكروا، ويرسموا أحلاما وردية على الورق، وكلها نظرية، يمكن أن تجعل بابا الرئيس يطبطب على رؤوسهم، أو حتى على «…»، ويبتسم فى رضا، ويمد فى عمر وزارتهم، ثم لا يصلح حلم واحد منهم، إلا فى إفساد الأمور أكثر وأكثر، أتوا بأساتذة جامعة فى التعليم، فأصدروا آلاف القرارات العنترية، وتدهور التعليم فى عهودهم، حتى لم يعد بعض خريجى الجامعة قادرا على كتابة جملة واحدة مفيدة، وآخرهم كان يتصوّر أنه وزير داخلية، ومن النوع الذى قامت الثورة لمحوه أيضا، وعلى الرغم من قراراته الهمايونية التى حاول أن يلعب بها دور هتلر فى زمانه، فإنه لم يُصلح فتفوتة فى التعليم، أما وزراء الصحة الأساتذة، فهم كارثة ما بعدها كارثة، وزارة الصحة، بما آلت إليها حالها، هى كارثة فى حد ذاتها، وإصلاحها سيستغرق وقتا ليس بالقليل، لكن المهم أن توضع خطة واقعية للإصلاح، ووحياة أبوكو أو رحمته، ماتحشروش فيها أساتذة الجامعة، حتى يكون لها ولو القدر الأدنى من احتمالات النجاح، اختاروا من عملوا بوزارة الصحة لسنوات، وعانوا من مشكلاتها فعليا لا نظريا، استمعوا إلى مشكلات الأطباء، وطاقم التمريض، والفنيين والإداريين، وليكن من يستمع إليهم منهم، يفهمهم، ويدرك حقيقة متاعبهم وشكواهم، هذا لو أنكم تريدون خيرا بشعب هذا البلد، ولو أنكم تهتمون برعايته الصحية والنفسية، فالعلاج حق لكل مواطن، والمرض سيف على رقاب العباد، والأطباء يفحصون المرضى، ويشخصون المرض، ويصفون العلاج، ويتابعون التطورات، ويسهرون ويتعبون، فإن لم يجدوا فى النهاية ما يستحقون، فماذا منهم تنتظرون؟!

 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال