الرئيسية | مقالات | لماذا أحلنا عقولنا الى المعاش المبكر

لماذا أحلنا عقولنا الى المعاش المبكر

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
لماذا أحلنا عقولنا الى المعاش المبكر

لسبب ما، في هذا العصر بالتحديد، صار الحديث عن العقل والتفكير جريمة، في نظر الكثيرين..

والكثيرين جداً للأسف..

لم يعد الناس يرغبون في إعمال عقولهم، وصاروا أكثر ميلاً للانصياع إلى كل ما يرضي نزعات أنفسهم وأهوائهم..

وأحياناً حتى.. أهواء الآخرين..

ودون أن يدروا..

لأنهم -باختصار- لا يُعملون عقولهم؛ ولهذا تسهل السيطرة عليهم..

وأيضاً دون أن يدروا..

ضغوط الحياة الكثيرة جعلت الناس تميل إلى هذا، وترغب في إراحة عقولها؛ باعتبار أن عقولها مرهقة طوال الوقت بالفعل، في مشكلات اقتصادية ومعيشية واجتماعية، ولا داعي لإرهاقها أكثر بالتفكير في كل الأمور، والأسهل والأيسر أن يغلقوا عقولهم في بعض الأوقات..

تماماً كما لو أنهم يتناولون مخدراً ما..

أو هو الأمر نفسه في الواقع..

فالذين يقعون في فخ المخدرات؛ إنما يقعون فيه للهدف نفسه.. لتغييب العقول، ونسيان المشكلات مؤقتاً، وكأن هذا سيساعد على علاجها أو حلها..

ولو أنك تحدّثت إلى أحدهم؛ فسيبذل جهداً كبيراً؛ ليؤكد لك أنه لا يوجد أي ضرر مما يفعله، وأن إيقاف العقل عن العمل لبعض الوقت مطلوب دوماً..

وهذا كما يقال، كلمة حق يراد بها باطل..

فالعقل كالجسد، يحتاج حتماً إلى فترات من الراحة والاسترخاء..

ولكن ليس أبداً للغياب..

ولهذا يمارس البعض هواية ما..

أو رياضة ما..

أو يسافر إلى مكان ما..

أو يقرأ..

أو حتى يشاهد فيلماً سينمائياً..

وكلها وسائل لتهدئة العقل..

وللراحة..

والاسترخاء..

وسائل يعود بعدها العقل والذهن إلى نشاطهما، ويعودان للعمل والتألق بشكل أفضل..

ولكن تغييب العقل أمر مختلف تماماً..

إنه وسيلة مثالية لخداع النفس..

وسيلة ليوهم الإنسان نفسه بأن مشكلاته قد انتهت..

أو توارت..

ومشكلة هذا، أنه يدمن فيما بعد ذلك الشعور الزائف بالراحة..

يدمنه، إلى حد يصعب معه التخلي عنه..

وهكذا يغوص في المشكلة الفعلية أكثر..

وأكثر..
وأكثر..
وأكثر..


والأسوأ هو أنه يضيف إليها مشكلة أخرى..

مشكلة دائمة..

راقب أنت من حولك، وستدرك أنني على حق..

أولئك الذين اعتادوا إعمال عقولهم، هم الذين ينعمون بالنجاح والتفوق، على المدى الطويل..

والذين يلجئون إلى إخماد عقولهم، يعانون الفشل لفترات طويلة..

فترات قد تمتد إلى عمرهم كله..

وهم حتى لا يدركون هذا..

لا يدركون أن إخماد العقول وتغييبها هو سبب الفشل..

فقط يظلون يشكون..

ويشكون..
ويغضبون..
ويكتئبون..
ويثورون..


ولكنهم أبداً لا يتوقّفون عن اللعبة نفسها..

لعبة تغييب العقل..

هذا لأن عقولهم لم تعد قادرة على الخروج من المأزق..

فالقاعدة العلمية تقول: إن العضو المستخدم ينمو، والعضو المهمل يضمر..

والعقل عضو من أعضاء حياتك ومستقبلك..

عضو إن أعملته ينمو..

وإن أخمدته يضمر..

وما حدث، أن عقول كل من يرتاح إلى إيقافها يضمر مع الوقت..

وقدرته على التفكير والحسم واتخاذ القرار تقل..

وتقل..
وتقل..

ومن حوله، يرى أقرانه يتقدمون..

ويرتفعون..
ويفوزون..
ويرتقون..

ويغضب أكثر وأكثر..

وبدلاً من أن يعمل عقله؛ ليرى كيف تقدموا، ويبحث عن وسيلة للحاق بهم، أو لركوب قطار التطور والنجاح، تجده يلجأ دوماً إلى تغييب العقل، وإغماض العينين عن المشكلة..

ليس بالمخدرات دوماً..

بل أحياناً بخداع النفس..

فكل شيء سيصبح أفضل..
 
وأحسن..

وأجمل..

هذا ما يردده لنفسه، وما يغضب إذا ما واجهه الآخرون بعكسه؛ ليس لأن هذا ما سيحدث فعلياً؛ ولكن فقط لأن هذا ما يحلم بحدوثه..

ولكنه، في الوقت ذاته، لا يبذل أو حتى يحاول أن يبذل أي جهد، لتحويل ما يحلم بحدوثه إلى حقيقة..

ربما لأن هذا يستلزم جهداً...

وتعباً..

وكفاحاً...

ومواجهة لصعوبات عديدة..

وهذا ما لم يعدْ عقله قادراً على مواجهته أو استيعابه..

لأن عقلهم أدمن لعبة أخرى تماماً..

لعبة التعامي عن الحياة الحقيقية ومتطلباتها، أو السعي لتناسي مشكلاتها ومشكلاته، والغرق إما في مخدر فعليّ، أو مخدر معنويّ، ينسيه كل ما يعانيه، ولا يحل منه شيئاً..

أي شيء..

وبدلاً من هذا، تجده يمر بحالات من الاكتئاب الشديد، والانزواء عن المجتمع، والانعزال منفرداً، كلما استيقظ عقله، وأخبره أن المشكلات لم تحل، ولن تحل بهذه الوسيلة..

وحتى عندما يحدث هذا، يسعى لإخماده أكثر..

وأكثر..
وأكثر..


وهكذا يدمن اللعبة..

ويعيش حالة من تغييب العقل على نحو دائم..

وتبقى المشكلات كما هي..

وتظل المتاعب على حالها..

وتتواصل رحلته مع الفشل..

***

منذ قديم الأزل، تشتعل حرب العقل في كل المجتمعات..
الناس كلها تسير على مفاهيم واحدة..
مفاهيم ورثتها عن أجدادها..
وعن تراثها..
وثقافتها..

وأحياناً عن منظور الأسلاف لبعض الأمور..
والمفاهيم..
والمعتقدات..
ويمضي الزمن ويتطوّر..
وليست كل العقول قابلة للتطوّر..

الغالبية العظمى من العقول، ومن النفوس البشرية، نزّاعة للسكون والانصياع، والتقليد، والتكرار..
الغالبية العظمى تنزع إلى ما نطلق عليه اسم (روح القطيع)..
أي إلى أن تتبع ما تعلمته، ونشأت عليه..

وروح القطيع تستتبع ليس فقط أن تتبع، بل أيضاً أن ترفض في عنف وشراسة ما يخالف ما يسير عليه القطيع..
وهذا بغض النظر عن صحته أو عدمها..
وروح القطيع أيضاً تعني التشبث بكل ما هو سائد ومألوف، ورفض كل ما هو على عكس هذا..
بل ويصل الأمر في معظم الأحيان، إلى محاربة كل من يقول عكس ما يسيرون عليه..
وبكل عنف وشراسة ووحشية ودموية الدنيا..

هذا لأن من يأتي بجديد يطعن ضمنياً كل قديم، ويثبت أنه لم يكن صحيحاً..
وهنا يبدأ الإنسان، دون وعي منه، في الدفاع عن كيانه بالدرجة الأولى، باعتبار أن هدم معتقداته التي تربى عليها، يعني هدم ذاته نفسها، والحكم بأنها قد أفنت عمرها في فشل..
والغالبية العظمى من البشر، في كل مكان في الدنيا، تفضّل أن تواصل سيرها في السبيل الخطأ؛ على أن يواجهها شخص ما بأنه كان خطأ، أو بأنه هناك سبيل إلى إصلاحه..
والمشكلة الكبرى أن هذا الشخص يأتي دوماً..
وهذه سُنّة الحياة..

ففي كل زمن، وبعد أن يعتاد الناس فكر ما، أو حياة ما، يأتي من يتحدّث بروح العقل، ويكشف أخطاء ما سبق، وينادي بإصلاحها..
وعبر التاريخ، حارب الناس مثل هذا الشخص، بكل شراسة الدنيا..
كل مفكر جاء ينادي بفكر جديد، حاربوه..
وعذبوه..
وعادوه..
ولو استطاعوا قتلوه..

الفلاسفة..
العلماء..
القادة..
المفكرون..
وحتى الأنبياء..

(جاليليو) حكموا عليه بالموت؛ فقط لأنه لم يقتنع بأن الأرض مسطحة، كما كان سائداً في عصره، وقال إنها مستديرة، وتدور مع باقي الكواكب حول الشمس..

أعدموه، ثم صارت هذه حقيقة علمية فيما بعد، يدرسها أي طالب صغير، في أية مدرسة، ولا يتساءل حتى عن حقيقتها..
صار ما وصفوه بالكفر يوماً، حقيقة لا تقبل الجدل..

نبي الله (موسى) عليه السلام، جاء يدعو فرعون للتوحيد والإيمان، فحاربه، وطارده، وأخرجه وقومه من (مصر)..
(عيسى بن مريم)، سلام الله سبحانه وتعالى عليهما، جاء يدعو إلى ربه؛ فحاربوه، واضطهدوه، وطاردوه..
(محمد) صلى الله عليه وسلم، جاء برسالة أن لا إله إلا الله، وسط قوم عبدوا عشرات الأصنام، فرفضوه، وحاربوه، وحاصروه، وآذوه، ودفعوه إلى الخروج من (مكة) مطارداً...
كل هذا لأنهم أتوا بجديد..
أتوا بما يعتبره العقل اليوم حقيقة..
أتوا بما نؤمن به كلنا..

ولكنه، عندما أتوا به، كان يخالف روح القطيع..
يخالف ما تعلموه آنذاك..
وما نشئوا عليه..

وما اتفقت جموعهم على اتباعه..
واليوم نصفهم بالكفر..
والجهل..
والتعنت..
والعصيان..

وبعضهم نصفهم بالوحشية والشراسة والعنف والدموية..
ولكن المشكلة أننا، مع كل هذا، لم نتعلم شيئاً..
لم نفهم الدرس..
أو نستوعبه..
أو نتبعه..
أو حتى نهتدي، أو نقتدي به..

ما زلنا نحيا في روح القطيع..
ونتبع روح القطيع..
ونرتاح لروح القطيع..
ونستسلم لروح القطيع..

ما زلنا نرفض صوت العقل، لو أنه خالف ما نحفظه، وما نشأنا عليه، وفقط لأنه يخالفه..
ما زلنا لا نفسح السبيل لصوت العقل..
ولو لحظة واحدة..

وربما لا يكمن العيب فينا نحن؛ وإنما فيما تربينا عليه..
أو فيما لم تتم تربيتنا عليه..

فمنذ مولدنا، لا يكون هناك من همّ -لكل من هم حولنا- سوى تدريبنا على الطاعة..
ولقد تربينا على تراث، يربط الطاعة بالولاء..
وبالصلاح..
وبالاستقامة..

ونحن نبذل جهداً رهيباً، لإقناع أولادنا بأهمية الطاعة العمياء..
والمشكلة أننا، مع كثرة ما نبذله، ننجح في هذا..
ويعتاد أبناؤنا الطاعة..
وأحياناً الطاعة العمياء أيضاً..

ويتعلمون أن أفضل ما يفعلونه، هو أن يتبعوا روح القطيع..
وألا يناقشوا..
أو يجادلوا..
أو يعترضوا..
ثم يكبر الأولاد، ويصبحون شباباً، وما زالوا يطيعون..
ورجالاً ونساءً يطيعون..

ولأن القاعدة العلمية تؤكد أن القدرة المستخدمة تنمو، والقدرة المهملة تضمر؛ فالطاعة لديهم تنمو، والإرادة والعقل والابتكار يضمرون..
ويكبر القطيع..
ويكبر..
ويكبر..

وتصبح الحرب أكثر صعوبة..
حرب العقل..

 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (4 منشور)

avatar
tota 23/10/2011 02:53:45
وربما لا يكمن العيب فينا نحن؛ وإنما فيما تربينا عليه..
أو فيما لم تتم تربيتنا عليه..
صدقت
avatar
Vijay 03/08/2014 19:24:27
I love reading these articles because they're short but infaomrtive.
avatar
Sameer 04/08/2014 14:42:16
That's not just logic. That's really <a href="http://bgpmyxfzpx.com">senbesli.</a>
avatar
Josmooth 06/08/2014 17:02:29
A bit <a href="http://fpfvibvsuvt.com">susirpred</a> it seems to simple and yet useful.
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال