العلم

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
العلم

أمر عجيب يتميّز به هذا العصر..
العداء مع العلم..
الكل يستخدم الكمبيوتر، ويتصفح شبكة الإنترنت، ويحمل هاتفاً نقالاً، أو يركب سيارة، قديمة كانت أو حديثة، ويكتب خطاباته ببرامج رقمية، ويشاهد قنوات تليفزيونية فضائية، وغيرها، ثم عندما تطلب منه أن يؤدي شيئاً ما بأسلوب علمي، تفاجئك إجابته: "خليها على الله"...

يقولها مبتسماً، باعتبار أنه، من وجهة نظر نفسه، رجل مؤمن، يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، وليس إلى العلم، وكأنهما أمران متعارضان، ولا يجوز الجمع بينهما.. إما الله عزّ وجلّ، أو العلم!!...
ويا له من أمر عجيب بالفعل!!..

فالله سبحانه وتعالى هو الذي أمرنا، في كتابه العزيز، بأن نعد لهم ما استطعنا من قوة، ومن رباط الخيل، فكيف نعدّ لهم هذا وذاك، دون العلم؟!
هل صار الأمريكيون قوة ضاربة، يخشاها الجميع، وتُرهب دولاً بأكملها، إلا لأنها -بالعلم- صنعت أسلحة لا قبل لهم بها؟!
هل تقدمت دول أخرى؛ لأنها دعت الله جلّ جلاله، أن يرزقها القوة، أم لأنها، ودون حتى أن تؤمن، نفّذت ما أمر عزّ وجلّ، وتسلّحت بالعلم، ومنه صنعت القوة؟!

الإيمان وحده ليس السبيل إلى إصلاح الأمة أو تقدّمها أيها السادة، وإلا لأمر خالقنا عزّ وجلّ به دون سواه، وإنما أمرنا سبحانه وتعالى بأن نعد لهم ما استطعنا من قوة، ومن رباط الخيل؛ لنرهب به عدو الله وعدونا..
فهل فعلنا؟!

هل نفّذنا أمر من نؤمن به؟!
أو من نعلن أننا نؤمن به؟!
ما هو الإيمان بالله جلّ جلاله إذن؟!
أن نؤمن فقط بوجوده، أم أن نقرن هذا الإيمان بالطاعة؟!
فهل أطعناه بما أمر به؟!
هل أعددنا لهم ما استطعنا من قوة؟!
هل تسلحنا بالعلم، الذي يصنع القوة؟!
الإيمان مطلوب بشدة، ولكن العلم أمر من الله عزّ وجلّ واجب التنفيذ...

الإيمان هو الدافع..
والعلم هو السبيل..
معاً يصنعان القوة، ويأتيان برباط الخيل..
الإيمان بدون علم، يعني أمة ضعيفة، تسحقها حفنة من القنابل النووية في لحظات..
والإيمان مع العلم يعني أمة قوية، يخشاها الصديق قبل العدو..
ولكن، ويا لعجب هذا الزمان!، الذي يأتي فيه من يحمد الله جلّ جلاله، على أنه سخر لنا الغرب؛ ليأتينا بالعلم، حتى نتفرّغ نحن للعبادة!!..

هل فكّر فيه لحظة واحدة؟!
أهناك أية واحدة في قرآنه، أو كلمة واحدة في أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، تطلب منه أن يتفرّغ للعبادة، ويهمل العلم؟!

أهناك حرف يشير إلى هذا، أم إنه كان رداً فارغاً عنيداً كعقله، الذي لو اعتاد المنهج العلمي في التفكير، لما نطق بحرف واحد مما قال؟!
إنها مأساة هذا العصر أيها السادة..
أن نجهل..
وأن نتباهى بالجهل..
ويا للعار المذلّ!!..

أولئك الذين تصوّروا أن العبادة هي كل المطلوب منهم، لم يتساءلوا يوماً لماذا منحهم سبحانه وتعالى عقولاً؟!
لماذا منحهم عقلاً يختلف عن عقول القرود، لو أنهم لن يستخدموه في التفكير، والابتكار، والاختراع، والتطوير، والتحسين..
وإعداد القوة..
ورباط الخيل..
لماذا؟!
ولو أنك واحد منهم، وما زلت تؤمن بأن العلم يأتي في المرتبة الثانية، والإيمان يأتي في المرتبة الأولى، فتعالَ معاً.. نحسبها ..

وسنبدأ حسبتنا بسؤال هام..
لماذا يسعى معظم العالم لتعّم اللغة الإنجليزية أو الأمريكية؟!
ولماذا في مرحلة من المراحل، سعى البعض لتعلم اللغة الروسية؟!
ثم اليابانية..
ومؤخراً الصينية؟!
لماذا؟!
لماذا؟!
ثم أيضاً.. لماذا؟!
الجواب -بكل بساطة- أن الناس تسعى دوماً لمعرفة لغة من لديه العلم والقوة..
ورباط الخيل..
من هنا نبدأ حسبتنا..

دعونا نتصوّر أننا أمة تحترم العلم، وأن ميزانية البحث العلمي فيها تتناسب مع ميزانية البحث العلمي في إسرائيل، والتي في الوقت الحالي، تساوي ستة أضعاف مجموع ميزانيات البحث العلمي في العالم العربي كله!
دعونا نتصوّر أننا نحترم العلم، وندرك أهميته، ونشجّع أولادنا على دراسته والإقبال عليه..
هذا سيؤدي حتماً إلى تألّق العقول الشابة المبدعة..
وإلى اختراعات..
وابتكارات..
وكشوف..
ونظريات جديدة..

وكل هذا سينقلنا حتماً إلى عصر صناعي علمي، يمكنه استغلال البيئة، وما لدينا من خامات وطاقات بشرية؛ للتصنيع على نحو علمي، يزيد من الإنتاج، ويرفع من القوة..
والأهم، أنه سيكون لدينا العلم..
وحيازة العلم لا تعني امتلاك سبيل القوة فحسب..
إنه يعني المعرفة..
والمعرفة هي الشيء الذي يسعى إليه البشر، منذ بدء الخليقة..
الطبيعي عندئذ أن يحدث ما حدث قديماً بالفعل..
أن يسعى الناس إليك..
راجع التاريخ، وانظر ماذا كان يحدث، عندما كنا منارة علم في الأندلس..
لقد كان العالم كله يسعى إلينا حينذاك..
عندما امتلكنا العلم، امتلكنا معه عقول الدنيا..

وعندما ظهر من يحاربون العلم، ويؤكدون أن الإيمان، والإيمان وحده، هو السبيل إلى القوة، ضعفت الأندلس، وهان شأنها، وطمع فيها من حولها..
وخسرنا..
واليوم نعيد الكرّة، وكأننا لم نتعلّم من التاريخ شيئاً..
ولكن، دعونا نكمل أوّلاً ما كنا نحسبه..

دعونا نتصوّر أننا ملكنا العلم، وصرنا قبلة للمعرفة، وراح العالم يسعى إلينا..
عندئذ، وكما حدث قديماً، سيسعى العالم لدراسة لغتنا، التي ستصبح عندئذ لغة العلم، كما كانت من قبل بالفعل..
وعندما يدرس لغتنا، سيمكنه أن يفهم ديننا..
وعندما يفهمه، سيدرك ما به من عظمة..
وسيكون سبيله إلى الإيمان به أسهل وأيسر..

باختصار، بالعلم نستطيع أن نحقق ما فشلنا دوماً في تحقيقه بالعصبية، والتعصب والحدّة والتزمّت..
بالعلم سننشر ديننا..
بالعلم..

***

لماذا تفوّق الغرب؟!

سؤال يندر أن نطرحه على أنفسنا، في غمرة عصبيتنا وتعصّبنا، وذلك الغضب النمطي من الغرب، واتهامه -بمناسبة ودون مناسبة- بالكفر، حتى نُقنِع أنفسنا بأن تفوّقه في الدنيا لن يساوي شيئاً في الآخرة.
التفكير العلمي -لو أننا اعتدناه- كان سيدفعنا لطرح هذا السؤال في البداية..
ليس طرحه فحسب، ولكن دراسته..
وتفنيده..
واستيعابه..
وقضاء معظم الوقت في البحث عن إجابته..
هذا لأن التفوّق يحتاج أيضاً إلى فكر علمي..
يحتاج إلى مَن يدرس..
ويحسب..
ويُحلل..
ويرصد..
ويحتاج أكثر إلى من يجمع كل هذه النتائج، ويقوم بفحصها وتحليلها..
وبمنتهى الحيادية..

وتلك الفكرة النمطية التي نتناولها ونرددّها، ونتعامل معها وكأنها حقيقة، تحجب عنا أهم عامل من عوامل النجاح..
وأهم سمة من سمات البحث العلمي..
وأخطر صفة من صفات المنهج العلمي البحثي..
الحيادية..
فقديماً، ومع أولى خطواتنا في رحلة العلم، لقنني أستاذي درسي الأوّل والأهم، في منهج البحث العلمي..
لقد علّمني أنه لو بدأت تجربة ما، وأنت تسعى لإثبات صحتها، فأنت باحث فاشل..
ولو بدأتها -ساعياً لإثبات فشلها- فأنت أكثر فشلاً منها..
منهج البحث العلمي يعني أن تبدأ بحثك دون أية آراء مسبقة..
تبدؤه لكي تبحث..
ولتطرح سؤالاً واحداً محايداً..
أهي تجربة ناجحة؟!
أم فاشلة؟!
والبحث وحده -دون قرار مسبق- يُمكن أن يقودك إلى الحقيقة..
وبدون تلك الحيادية، يستحيل أن تصل إلى الحقيقة، مهما فعلت..
ومهما تصوّرت..
أو اقتنعت..

وبنفس تلك الحيادية، دعنا نبحث عن إجابة السؤال الأول..
لماذا تفوّق الغرب؟!
انعدام الحيادية يجعلنا ننبش التاريخ دوماً، في محاولة لإثبات أننا أصحاب الفضل في كل شيء وأي شيء، حتى أننا نُزوّر أحياناً حقائق علمية وتاريخية، فقط لنشعر بقوة زائفة..
تماماً مثلما ننسب كل شيء في مصر إلى الحضارة الفرعونية، ونتشنّج لإثبات أنها سبقت العالم إلى كل شيء، وكأن الحضارات السومرية والآشورية والإغريقية والرومانية كلها لم تفعل للدنيا شيئاً، وإنما مجرّد تلاميذ لحضارتنا الفرعونية فحسب، وهذا تاريخياً وعلمياً غير صحيح..
لذا دعونا ننسى الحديث عن منارات العِلم، وإشعاعات الحضارة، والخمسة آلاف عام وغيرها، ونجيب السؤال بمنهج علمي محايد، بعيد كل البُعد عن التشنّج والعصبية..
ومرة أخرى.. لماذا تفوّق الغرب؟!
فمن العجيب أنه وحتى القرن السابع عشر، كان الغرب غارق في بحيرة كبيرة مظلمة، وكان التعصّب الديني في أوجّه، وباسمه تحدث أمور بشعة رهيبة، لم تبدِ كذلك لأصحابها في حينها، بل كانوا يتصوّرون أنهم يحمون الدين ويدافعون عنه..
وباسم الدين، ارتكبوا فظائع لا حصر لها..

قَتَلوا..
وعذّبوا..
وحرقوا..
وأحرقوا..
وأرهبوا..
ونشروا الفزع بين العباد..
وأراقوا من الدماء أنهاراً، حتى أن عصورهم تُعرَف الآن -تاريخياً- باسم "عصور الظلام"، ولا يذكر التاريخ عنهم أنهم المدافعون عن الدين، بل إنهم قتلة وسفّاحون..
ولأنه من حكم الخالق عزّ وجلّ، ألا يسود الأرض إلا مَن يُطوّرها في النهاية، فقد انتهى عهدهم مع بدء عصر الابتكار، والبحث عن العلم والمعرفة..
وكان العلم طوال سنوات ظلامهم يحاول الخروج من مكمنه، والبوح بما لديه، ولكنهم كانوا يقهرونه، ويحاكمون من يُجاهِر به بتهمة السحر أو الهرطقة، حتى أنهم أعدموا من قال إن الأرض مستديرة، أو أنها ليست مركز الكون..
ثم انتهى عهدهم..
وبدأ عصر العِلم..
مع انهيارهم، بدأ العلم يخطو خطوات سريعة، وراحت عقول العلماء تتفتح، وبدأ قرّاؤهم يخرجون بكل جديد، في نفس الوقت الذي كنا فيه تحت سيطرة إمبراطورية عثمانية، وتحت حكم مماليك يتصارعون على سلطات محدودة، ولا يحاولون تنمية العِلم، أو تطوير البلاد..
لهذا جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798؛ لكي تسيطر على صرة العالم العربي، ضمن ذلك بين "إنجلترا" و"فرنسا"، وفاجأت أولئك المماليك بالمدافع.
كان صراعاً بين العِلم والسلطة..
وكما يحدث دوماً.. فاز العِلم..

المماليك الذين أضعفوا الأمة بطمعهم وجشعهم وطغيانهم، فرّوا كالأرانب المذعورة، مع دوي المدافع..
واحتل الفرنسيون مصر..
احتلوها، وأدخلوا فيها المطابع، والصناعات، وسجلات المواليد والوفيات، ورخص المحال التجارية، وسندات ملكية المنازل وغيرها..
ثم جاء البريطانيون واشتبكت قوتان عظميان عند سواحل مصر..
تعذّبنا لصراعهما..
ولكننا فزنا..

ففي النهاية، ومع مقاومة مصرية دائمة ومستمرة ودؤوبة رحل الفرنسيون، وتركوا خلفهم علماً، كان يمكن أن ننتفع به..
ولقد فعلها محمد علي باشا..
استعان بجنرال فرنسي ممن أسلموا، وفضّلوا البقاء في مصر، بعد رحيل الحملة الفرنسية، وغيّر اسمه من "جوزيف انتلمي سيف" إلى "سليمان الفرنساوي"، أو الكولونيل "سيف"، كما كانوا يطلقون عليه في البداية، واستخدم المنهج العلمي في بناء جيش قوي، وأسطول هابته كل دول العالم، حتى أنه هدد به أمن "الإستانة" نفسها، لولا أن تأزر العالم كله ضده؛ خشية أن يُصبح قوة عظمى..
وتراجع محمد علي؛ ليحصر نفوذه في مصر، ولكنه واصل منهجه العلمي، وصنع دولة قوية ذات سيادة -آنذاك- ولكن أحفاده من بعده انشغلوا بمباهج السلطة، وأضعفوا الأمة..
وفي الوقت نفسه، كان الغرب يواصل منهجه العلمي، ويبتكر أساليب ونظم وأسلحة جديدة، في حين انشغلنا نحن بصراعات داخلية، وتعصّبات إقليمية وعقائدية، ونسينا أمر الله سبحانه وتعالى، بأن نعد لهم ما استطعنا من قوة، ومن رباط الخيل..
وبينما دخل العالم عصر الصناعة مع مطلع القرن التاسع عشر، كنا نحن نحبو فيه، منشغلين بالسلطة، والسلطان، والصراع، والتعصّب، حتى ضعفنا أكثر، وجاء الإنجليز ليحتلوا بلادنا عام 1882.. و..
وفقدنا تماماً بعدها المنهج العلمي..
فقدنا العِلم..
وفقدنا حماس التطوّر

***

منذ بدء الخليقة، تنتهج الدول الاستعمارية سياسة واحدة، مهما اختلفت صورها، للسيطرة على الشعوب التي تحتلها، وتخضعها لإرادتها، ولقد عبّرت إنجلترا وحدها عن هذه السياسة في وضوح، عندما وصفتها بأنها سياسة (فرِّق تسد)، وهذا يعني باختصار أن تنشر الفرقة بين أفراد الشعب الواحد، وتزرع الضغينة والحقد بينهم، وتقنع كل فئة فيهم أنها الأعظم والأقوى والأصوب، وتدفعها بكل الوسائل الممكنة لمعاداة الفرق الأخرى، حتى ينشغل الكل بعداوات فرعية، فتتفرق فرقهم، وتضعف قبضتهم، وينشغلون بحربهم عن مستعمرهم، فيطيب له المقام، ويهنأ له البال، ويفنون أنفسهم رويداً رويداً، وهم يفخرون بما يفعلونه..
سياسة واحدة، قد يبدو من الحماقة أنها تتكرر مع كل استعمار، مهما اختلفت صوره..

ولكن الواقع أنه هناك ما هو أكثر حماقة..
ألف مرة..
والأكثر حماقة هنا هو أنه -وعلى الرغم من تكرار هذا- ما زالت الشعوب تقع في الفخ، وتلبّي خطة المستعمر، وتفسح له مجال احتلالها من أوسع الأبواب...
في الهند، صنعوا تلك الفرقة بين المسلمين والهندوس، فاشتعلت حروب طاحنة بينهم، قسّمت الهند، وأضعفتها، ولم تفِدْ سوى المحتل البريطاني؛ فقط لأن شعب الهند وقع في الفخ، ولم يؤمن بأن الدين لله والوطن للجميع...

وفي روما القديمة فعلوها، مع الشعوب التي احتلوها، وأنشأوا خلافات عرقية، وصراعات عقائدية، فهيمنوا وسيطروا، ولم تسقط إمبراطوريتهم، إلا عندما أتى من يؤمن بالله سبحانه وتعالى حق إيمانه، ولا يقاتلون من يخالفهم في العقيدة؛ فقط لأنه يخالفهم فيها..
فعلوها في إيران..
وفلسطين..
وفي مصر أيضاً...
كل الشعوب المتسرّعة المنفعلة سقطت في الفخ...
وكلها خسرت...
وانهزمت..
وتراجعت..
وتخلّفت...
وبقيت تحت الاحتلال طويلاً..
طويلاً جداً...
جداً...

وطوال تلك الفترة، كان المستعمر مستقراً، هانئاً، آمناً، ينعم باحتلاله، ويكتفي بمراقبة المتصارعين...
لقد حقق بهذا أهدافه..
فرّق الأمة...
وشغلها..
واستقرّ...
أضعف من احتلهم..
وثبّت أقدامه في بلادهم..
والأهم، أنه شغلهم -بصراعاتهم الداخلية- عن أية فكرة للتطور أو التقدم...
شغلهم عن وقود القوة الأساسي..
عن العلم..

بالطبع سيصرخ المتشددون والمتشنجون والمتعصبون والهستيريون، بأن الوقود الأساسي هو الدين، وليس العلم...
وهذا خطأ كبير جداً..
الدين هو المحرّك، الذي به تواصل وتحيا..
والعلم هو وقود هذا المحرك..
النار التي تجعله يعدّ لهم ما استطاعوا من قوة، ومن رباط الخيل؛ ليرهبوا عدو الله وعدوهم...
ولكن كل الفئات سالفة الذكر لن تدرك هذا..
ولن تستوعبه..
لأنها تحيا فقط بالمحرّك، دون الوقود..
دون العلم..

وأي محرك في الوجود يستحيل أن يعمل دون وقود كافٍ..
حتى أقوى المحركات...
وأكبرها..
وأعظمها..
لا بد من وقود... وقود... وقود..
ولقد هان أمرنا، وضعفت شعوبنا، وتخلفت أممنا، وانحدر رجالنا؛ لأننا أهملنا الوقود..
أهملنا العلم..
والدول الأخرى التي احتلتنا، وما زال بعضها يحتلنا، على صورة أو أخرى، لم تسقط فيما سقطنا فيه، إلا منذ قرون وقرون..
وأيامها غرقت في جهل..
وظلام..
وضعف..
وفرقة..
وتعصب...
ثم نبذت كل هذا، فقويت، وعظمت، وجاءت تحتلنا، وتفرض علينا نفس السياسة، التي أضعفتها فيما سبق..
هم تعلموا الدرس..
ونحن لم نفعل..

هم تفادوا الوقوع مرة ثانية، في مستنقع التعصب والجهل، وتزاوجوا مع العلم، وصنعوا به أسلحتهم، ومجتمعاتهم وأساطيلهم، وقنابلهم التي تبيد الواحدة منها أمة كاملة..
ونحن وقعنا فيه..
وما زلنا نقع...
ونقع..
ونقع..
والأسوأ هو أننا لا ندرك أننا نقع، بل نتباهى بهذا الوقوع، وننتشي بهذه العنصرية والتعصبية... والجهل أيضاً للأسف..
ولأننا نبتعد في كل يوم، أكثر وأكثر، عن المنهج العلمي في التفكير والتعامل وسبل الحياة، فإن الهاوية بيننا وبينه تتسع وتتسع، حتى صارت اليوم أضخم من مجموع محيطات الأرض مجتمعة..
والأسوأ أنها ستتضاعف...
وتتضاعف...
وتتضاعف...
وهذا لأننا لا نبذل أدنى جهد لتقليل تلك الفجوة، بل نبذل في الواقع كل الجهد لدفعها إلى أن تتسع أكثر وأكثر، ظناً منا أننا بهذا نكون الأفضل..
هذا ما زرعه فينا الاستعمار..
وما يغذيه..
ويؤججه..
وعبر كل الوسائل الممكنة..

فلماذا لا نتوقف لحظة لنحسبها، ونعيد دراستها، ونزيح انفعالاتنا وتشنجاتنا جانباً، و..
ونفكّر؟!
لماذا لا؟!
ولم لا؟!
ربما كان هذا هو السبيل؛ لنصل إلى بداية الطريق الصحيح..
طريق القوة ورباط الخيل..
طريق العلم...
والإيمان...
معاً...
لمِ لا؟!

***

أمريكا هي الآن سيدة العالم أجمع، أو زعيمة العالم الجديد، كما تطلق على نفسها..

 

وهذا ليس مبالغاً، ولا ينبغي أن يثير غضبنا، وعصبيتنا، وثورتنا، وتشنّجنا، ولا ينبغي أن يدفعنا إلى تعصب "عبيط"، في محاولة إثبات أنها ليست كذلك؛ لأننا مهما فعلنا أو تشنّجنا، أو ثُرنا أو غضبنا، ستظل الحقائق حقائق، إلى أن نعمل، ويرى الله سبحانه وتعالى عملنا ورسوله والمؤمنون، وعندئذ.. عندئذ فقط قد.. وأقول "قد" تتغير الصورة..

المهم الآن ليس أن ننفعل، بل أن نتساءل: لماذا أصبحت أمريكا زعيمة العالم الجديد؟!
لماذا؟!
ولإيجاد جواب لهذا السؤال، لا بد لنا من أن نعود عدة عقود من الزمن إلى الماضي..
وبالتحديد إلى بدايات القرن العشرين..

ففي تلك الفترة كانت أمريكا قارة متواضعة، نجحت في الاستقلال عن الإمبراطورية البريطانية، وحمت نفسها من الغزو الإسباني في الجنوب، وضمت إليها الشمال والجنوب، بعد حرب طاحنة، وبدأت بالكاد تضع قدميها على بداية سلم التطور..

في تلك الفترة، كان الصراع يدور محتدماً، ومنذ القرن الثامن عشر، بين القوتين العظميين آنذاك – إنجلترا وفرنسا- وكل منهما تسعى لاحتلال أكبر عدد ممكن من الدول، في آسيا وإفريقيا، لبسط ومد نفوذها، وزيادة مواردها، وإحكام سيطرتها..

وفي وقت واحد تقريباً، مع نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، دخلت الدول الثلاث؛ إنجلترا وفرنسا وأمريكا، عصر الكهرباء والصناعة، وبسرعة انضمّت إليها ألمانيا وروسيا، وعدة دول أخرى، في نفس الوقت الذي كان فيه العالم العربي محتلاً، موزعاً بين السيطرة الإنجليزية، أو الفرنسية، أو الإيطالية..

وكان لهذه الدول، في تلك الفترة، منافس شديد الخطورة، في قارتي آسيا وأوروبا.. وهو الإمبراطورية العثمانية، بكل جبروتها، وقوتها، وسيطرتها على مساحات واسعة كبيرة..

واندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914، وسقط معها ملايين الضحايا، واشتعلت النيران في الدول العظمى، فيما عدا أمريكا، التي فصلها المحيط الأطلنطي عن الحرب المباشرة، وإن لم يمنعها هذا من الاشتراك فيها بجنودها وعتادها..

وانتهت الحرب عام 1918، وكما يحدث عقب كل الحروب الهائلة، تغيرت بعدها خريطة العالم..
تركيا خسرت، وسقطت معها الإمبراطورية العثمانية، وانخلعت أنيابها، وفقدت سطوتها وقوتها..
وألمانيا خسرت إمبراطوريتها، ووقعت معاهدة "فرساي" المُهينة، التي فقدت معها النمسا، وحريتها في أن تنشئ جيشاً، أو تدخل حرباً..

روسيا اندلعت فيها ثورة عام 1917، أخرجتها من السباق، ووضعتها في مرحلة جديدة مُرهقة..
وبقيت إنجلترا وفرنسا، على قمة العالم، وأمريكا تعاني من أزمة اقتصادية طاحنة، كادت تودي باقتصادها كله، ومع الأزمة الاقتصادية، وكما يحدث في المعتاد، انتشرت فيها الجريمة المنظّمة، وساد الفساد وانتشر، وهدّد الكيان الأمريكي كله..

وهنا قررت أمريكا أن السبيل الوحيد أمامها للخروج من هذه الأزمة، هو العلم، والتفكير العلمي المنظّم، دون تحيّز، أو تعصّب، أو تشنّج..

ألمانيا أيضاً قررت أن تخوض معركة العلم، على أمل أن تسترد بها قوتها وكرامتها وأرضها..
أما إنجلترا وفرنسا فقد انتشيتا بالنصر، واسترخيتا به، وامتلأتا بالزهو والغطرسة، و... وكفى..
وفي غمرة هذا، اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939..
اندلعت لتكشف ما فعله العلم والمنهج العلمي..

ألمانيا، التي نزعوا أنيابها، أو تصوروا هذا، نهضت كديناصور يخرج من عظامه القديمة، وانطلقت، مدعومة بعلم قوي، صنع أسلحة جبارة، تجتاح أوروبا كلها، وتحتل النمسا وهولندا وبولندا وحتى فرنسا نفسها، ثم تتجه نحو إنجلترا، ثم روسيا..
فرنسا، إحدى القوتين العظميين القديمتين سقطت، واندحرت، وذاقت مذلة الاحتلال، الذي طالما أذاقته لغيرها..

وإنجلترا تحطّمت، وفقدت العديد من مستعمراتها، وكادت تفقد كيانها نفسه، ودول المحور؛ ألمانيا واليابان وإيطاليا، تواصل اجتياحها للعالم بلا هوادة..
ثم تعاظمت غطرسة القوة لدى اليابانيين، وانقضوا يقصفون ويدمرون الأسطول الأمريكي، في ميناء "بيرل هاربور" في السابع من ديسمبر، عام 1941..
وكانت هذه نقطة تحوُّل، في تاريخ العالم كله..
فعقب الهجوم الياباني أعلنت أمريكا الحرب على دول المحور..
وخاضت الحرب، مدعومة بأقوى أسلحة الدنيا..

بالعلم..
بالعلم طوَّرت أمريكا أسلحتها..
وبالعلم صنعت أقوى سلاح آنذاك..
القنبلة الذرية..
وفي السادس من أغسطس عام 1945، ألقت أمريكا قنبلتها الذرية على مدينة هيروشيما اليابانية، معلنة بدء عصر جديد..

عصر أثبت أن العلم مقياس التفوق والقوة..
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت أمريكا زعيمة العالم؛ لأنها تملك العلم، والسلاح الرهيب، الذي صنعه العلم..

حتى عندما امتلك الاتحاد السوفيتي قنبلته الذرية، ظلت أمريكا هي الأقوى..
بالعلم..
ولأنهما تخلفتا عن سباق العلم، تراجعت مكانة إنجلترا وفرنسا، وصار صراع القوى بين أمريكا والاتحاد السوفيتي..
ولكن كل قوة من القوتين العظميين، اتخذت مساراً مختلفاً..
الاتحاد السوفيتي اتخذ سبيل القوة والسيطرة..
وأمريكا اتخذت سبيل قوة العلم..

كل هذا ونحن نتجاهل سبيل العلم تماماً، على الرغم من أننا قد تحررنا من الاستعمار، في منتصف القرن العشرين، وظهرت عندنا نهضة تعليمية، ولم يعد لدينا ما يبرّر ابتعادنا عن العلم..
ولكننا ابتعدنا..
وتجاهلنا..
بل وللأسف، عادينا العلم والعلماء..
وبكل التعصب والتشنّج والتوتر، اتخذنا مساراً معادياً للعلم، واتخذت أمريكا مع أوروبا مساراً باحثاً عنه في نهم..
ومع مطلع التسعينيات، أثبت التاريخ مرة أخرى فشل السياسة الأمنية "المتعفنة"..
وسقط الاتحاد السوفيتي..
ومع سقوطه، بقيت قوة واحدة على الساحة..
قوة تملك العلم..
والسلاح..
والقوة..

هذا ملخص سريع يجيب السؤال: لماذا أصبحت أمريكا زعيمة العالم الجديد بلا منازع؟!
ربما نكره أمريكا، ونبغضها، ونلعن أيامها وكل شبر فيها، ولكن هذا ليس السبيل لمقاومتها..
السبيل الحقيقي والوحيد هو العلم..
العلم الذي يصنع ويعدّ لنا القوة ورباط الخيل..
العلم أيها السادة..
هل علمتم الآن لماذا العلم؟!
هل؟!

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال