الرئيسية | مقالات | نقطة من دمك

نقطة من دمك

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
نقطة من دمك

بكل وضوح.. مصر بلد ما عندهاش دم.. هذا ليس انتقاداً لشعب مصر، ولكنه أمر واقعي بالفعل، فعلى الرغم من أننا واحدة من أعلى دول العالم في نسبة حوادث الطرق، وحوادث انهيار العمارات، والحوادث العشوائية الناتجة عن الاستهتار والإهمال، إلا أن بنوك الدم لدينا ليس لديها أبداً ما يكفيها، ولا ما يمكن أن تسعف به مريضاً، يحتاج من أجل الإبقاء على حياته إلى قطرات غالية من دمي ودمك، ودمائنا جميعاً.. صحيح أننا في لحظات الخطوب والكوارث والانهيارات والزلازل، نبادر كلنا بالوقوف صفوفاً أمام سيارات ومراكز التبرّع بالدم، ونجعل الدنيا حمراء قانية، ولكننا في الأيام العادية لا نبالي بالأمر أو نلتفت إليه، إلا لو تعرّضنا أو تعرّض أحد أحب الناس إلينا إلى حادثة أو مرض، يستدعي التبرّع بالدم (لا قدّر الله)، فننتبه ونهتم، ونجري لنلف على بنوك الدم، في طول مصر وعرضها، في عرض كيس دم، بأي ثمن.. المشكلة أننا لا ندرك أن الذين يحتاجون للدم ليسوا مصابي الحوادث والكوارث فحسب، ولكن هناك مرضى دائمون، يحتاجون إلى نقل دم بصفة دورية، وإلا انهارت كياناتهم، وماتت أنسجتهم، وماتوا هم أنفسهم، من نقص شريان الحياة الرئيسي.. الدم.. الأطفال مرضى الدم، يحتاجون إلى نقل دم بصفة دورية، وإلا أصابهم هزال شديد، وتوقف نموهم، وتهالكت أنسجتهم الضعيفة، وبعضهم لا يحتمل هذا النقص الرهيب، ويقضي نحبه، ربما على قيد أمتار من شخص متخم بالدم، يتناول وجبة شهية، ولا يُدرك ما يحدث قريباً منه.. مرضى الفشل الكلوي كذلك، يعانون من انخفاض رهيب في نسبة الهيموجلوبين، ويُصابون بأنيميا حادة، وفقر دم شديد، ويحتاجون طوال الوقت إلى نقل دم طازج، وكرات دم حمراء، وبلازما، وكلها مواد حيوية لا يمكن إنتاجها؛ لأنها من صنع الخالق "عزّ وجلّ"، وتموج بها أجساد الشباب والأصحاء، والمفترض أن ندفع ضريبة اختيارية عن صحتنا وراحة بالنا، ولكن مشكلتنا أننا بعد أكثر من نصف قرن من الوصاية الحكومية، أصبحنا نتصوّر أن كل شيء في الدنيا هو مشكلة الحكومة، وأن عليها أن توفّره لنا، وتبذل الجهد من أجله، ونجلس نحن لننتظر ما ستحققه من نتائج، وهي مسئولة بالطبع عن هذا التراخي الشعبي، فهي ما زالت تصرّ -في كل مناسبة- على أن تحكم قبضتها على كل شيء، حتى لا نجد سبيلاً للإفلات منها، ولكن الحكومة ما عندهاش دم، وتعاني من نقص حاد فيه، على كل المستويات، وعلى المريض الذي يحتاج إليه أن يدوخ السبع دوخات، هو وأهله وأبوه واللي جابوه، حتى يحصل عليه، ويدفع فيه ثمناً غالياً، ويلعن الحكومة التي لم توفره له، على الرغم من أنه الشيء الوحيد، الذي يستحيل أن توفّره له الحكومة؛ لأنه منه، يعني من "دقنه وافتل له".. والمواطن المريض نفسه، لو أنه تبرّع بشيء من دمه -عندما كان صحيحاً معافى- ولو فعل أقاربه هذا، وفعل أصحابه وأحبابه هذا، لما وجد مشكلة عندما يحتاج إلى الدم، ولو اعتدنا كلنا أن نتبرّع بالدم، في فترات منتظمة، لما احتاج مريض واحد إلى الدم، وعجز عن الحصول عليه.. والتبرّع بالدم وسيلة من الوسائل التي تثبت لنا أننا شعب قادر على التكافل والتآزر، وأننا كالبنيان، يشدّ بعضه بعضاً، فإذا تداعى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء.... وعلى الرغم من أن التبرّع بالدم يحدث دوماً منذ عشرات السنين، إلا أنه توجد دائماً -وفي كل بلاد العالم- حاجة مستمرة للدم لأكثر من سبب، ثم إن التبرّع بالدم لا يُسبّب للمتبرّع أية أضرار، بل يعمل على تنشيط نخاعه العظمي، ويُعيد إلى جسده حيويته، وإلى دورته الدموية ديناميكيتها، بالإضافة إلى أنه نوع من الصدقة، التي يمنحها حتى غير القادر لمن حوله، عن رضا وطيب خاطر، ليربح بها صحة في الدنيا، وفضلاً وثواباً في الآخرة، يوم سيحتاج إلى ما هو أكثر وأهم بكثير من دم الدنيا كله... إلى رحمة الله عزّ وجلّ. وسبنا من الحكومة، فدورها ليس في أن تعطينا الدم، فنحن سنعطيه، ففي شبابي اندلعت حرب أكتوبر 73، ودعونا الله أن ننتصر؛ لنعوّض هزائم الماضي، ونسترد كرامة اشتقنا إليها طويلاً، وعندما سمعنا في الراديو والتليفزيون أن المصابين يحتاجون إلى الدم، هرعت وكل زملائي إلى مراكز التبرّع بالدم، وكان علينا أن نقف في طابور طويل، لما يقرب من ساعة، حتى يتبرّع كل منا بنصف لتر من دمه، وهو يشعر أنه بهذا الدم أصبح جندياً في ساحة المعركة، ويتمنى أن تنقذ قطرة من دمه واحداً من أبطال الحرب، فيكون هو أحد من صنعوا النصر.. وفي ذلك الحين، كانوا يمنحوننا علبة من المربى المحفوظ، كوسيلة لتعويض الدم؛ حيث لم تكن العصائر المحفوظة منتشرة أيامها، وكنا -كشباب- نرى أن العار كل العار أن يحصل واحد منا على علبة المربى، باعتبار أنه قد منح دمه للأبطال في سبيل الله، ولا يصح أو يجوز أن تتقاضى ثمناً لما تقدّمه لأبطالك، فالثمن الذي تنشده أكبر وأعظم بكثير من هذا، وكنا نرفض أخذ علبة المربى في شمم وكبرياء، وعندما أخذها واحد منا، كدنا نفترسه بعيوننا امتعاضاً، حتى أنه أعادها إلى المكان، وسأل عن أقرب فترة يمكنه بعدها التبرّع مرة أخرى بدمه، فأخبروه أن هذا يمكن بعد شهرين.. وسمعنا كلنا هذا، ولكننا لم نُطِق الانتظار لشهرين كاملين، قبل أن نتبرّع بدمنا مرة أخرى، ولم نتخيّل أن المصابين من أبطالنا يمكنهم أن ينتظروا شهرين كاملين، لذا فقد انتهزنا فرصة قدوم حملة تبرّع بالدم إلى نادي مدينتي طنطا، فهرعنا كلنا بلا استثناء تقريباً، لنتبرّع بنصف لتر آخر، وكذبنا كلنا أيضاً، عندما سألونا عما إذا كنا قد تبرعنا بالدم من قبل أم لا، وعندما أخبرت والدتي كادت تصاب بأزمة قلبية، وعنّفتني بشدة على تبرعي بالدم مرتين في أسبوعين متتاليين، ونمت يومها بعمق لثلاث ساعات، وفي المساء كنت مع كل الأصدقاء في النادي، نتابع أخبار الحرب في شغف.. من يومها تعلّمت أن التبرّع بالدم ليس منهكاً أو مهلكاً كما يتصوّر العامة، ولكنه يحتاج إلى ضوابط؛ حرصاً على صحة المتبرّع، فالأسبوعان يجب أن يصبحا أربعة أو ستة أشهر، أو حتى سنة.. وهذا ما أدعوكم إليه.. نحن شعب قوامه يقترب من الثمانين مليوناً من المواطنين، وستون في المائة منه من الشباب، أي ما يقرب من ثمانية وأربعين مليوناً.. تخيّلوا لو أن كل الأصحاء من الشباب، وكل ما ننشده هو عُشرهم فقط، قد تبرّع بنصف لتر من دمه سنوياً.. في هذه الحالة ستحصل بنوك الدم على ما يقرب من اثنين مليون لتر دم، من مختلف الفصائل في العام، وسينتعش بهذه الدماء أطفال أبرياء يُعانون من أمراض الدم، والفشل الكلوي، مصابون بأنيميا حادة، ومصابو حوادث، وجنود، وحتى الشباب أنفسهم، لو أصابهم مكروه -لا قدّر الله- أو أصاب أحد أفراد أسرتهم.. فلماذا لا يفكّر الشباب.. ونفكّر كلنا في الأمر بجدية إذن؟!! نفكّر في أن يختار كل منا يوماً، يرى أنه أفضل أيام السنة، ويتبرّع فيه مرة واحدة بنصف لتر من دمه، ويعتبر هذا زكاة عن كل ما حصل عليه من نعم الخالق "عزّ وجلّ" طوال العام، وهي نعم إن تعدوها لا تحصوها.. ولا ينبغي أن يتحجج أي شاب بأنه ضعيف البنية، أو لن يحتمل التبرّع، فكل بنوك الدم لن تحصل على قطرة واحدة من مواطن قبل أن تتيقّن من أن صحته تحتمل هذا، وأنه قادر على التبرّع، ولن يصيبه أدنى مكروه من جراء هذا، وليس مصاباً بما يمكن أن يؤذي من سيحصل على هذا الدم.. هيا يا شباب.. نصف لتر واحد من الدم كل سنة.. أهذا كثير؟! تعلّموا العطاء من الآن؛ لأن العطاء هو سر وجود الإنسان في الأرض، بل سر وجود جميع الكائنات، التي تؤديه كلها كنوع من الغريزة، دون تفكير أو تردّد، ولكن الإنسان يمتلك -من دونها جميعاً- إرادة خاصة، تحكم غريزته ورغباته وانفعالاته، ومن أجلها يحصل على الثواب، ويعلو فوق سائر الكائنات، ويجازيه الخالق "عزّ وجلّ" على ما يعطيه.. ومن فرّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، فرّج الله "سبحانه وتعالى" عنه كربة من كرب اليوم الآخر، وما أدراك ما كرب اليوم الآخر.. هيا إذن.. أعطِ دمك.. كل سنة مرة.. منذ ما يزيد قليلاً عن العام، وبعد رحلة من العذاب مع مرضى الفشل الكلوي الذي يُصيب ثلاثة ملايين مريض سنوياً، وفّقني الله "سبحانه وتعالى" إلى إجراء عملية زراعة كلى، أصررت على إجرائها في مصر وليس خارجها، كما يفعل كل باشوات النظام الذين يُشيدون عَمّال على بَطّال بالطب في مصر، ثم يهرعون إلى الخارج لعلاج شكة دبوس. وفي العملية وبسبب خطأ مني، يكمن في عدم إبطال دواء تعاطاه، على الرغم من تأكيد الطبيب المعالج لضرورة هذا، أصابني نزيف حاد، كاد يودي بحياتي في حجرة العمليات، حتى أن الأطباء اضطروا إلى إعطائي كل كمية الدم التي كانت مخصّصة لفترة العلاج بالكامل، قبل خروجي من حجرة العمليات؛ حفاظاً على حياتي، وعلى الرغم من هذا فقد خرجت بحالة أنيميا حادة، تقل فيها نسبة الهيموجلوبين عن ثلث نسبتها الفعلية، مما استلزم مدّي بعدة لترات من الدم الطازج، حتى لا تتدهوّر حالتي أكثر.. ولم يكن هذا الدم متوفراً بالمستشفى، وليس بهذه الكمية على الأقل، لذا كان من الضروري الاعتماد على التبرّعات الخارجية، بعد أن تبرّع ابني، وتبرّعت زوجتي، فقام أحد تلامذتي من الشباب بنشر الأمر عبر شبكة الإنترنت؛ ليتدفّق عشرات من الشباب بعدها على المستشفى، الذي فاض بدمائهم، حتى لم يعد في بنك الدم مكان لاستقبال المزيد.. القصة، إلى جوار أنها نموذج حب وعطاء ما زلت أزهو به، إلا أنها تثبت في الوقت ذاته أن الشباب معطاء، يسارع دوماً بمنح دمه لمن يحتاجه، إذا ما آمن بما يفعله، وفي قناعتي الشخصية أن مسارعتي للتبرع بالدم مع زملائي، إبان حرب أكتوبر 73، هي التي جعلت الكثيرين يسارعون بمنحي دمهم في تجربة مرضي، حتى صرت أحد الكتّاب النادرين الذين يعيشون بدماء قرّائهم التي تسري في عروقه، وتنعش قلبه وخلاياه.. ونفس الشباب أدعوهم للتبرّع بدمائهم لمن يحتاجها، ليس من أجلي، ولكن من أجل أنفسهم.. فبدمهم أعيش.. ويعيش غيري.. وغيرهم.... في مصر بنوك دم عديدة، ومرضى كثيرون، ربما أكثر مما تتصوّرون يحتاجون إلى الدم.. المشكلة أن ما يحتاجونه يفوق بكثير ما في كل بنوك الدم، في المستشفيات العامة، والجامعية، والخاصة، والاستثمارية والمتخصصة.. هذا لأننا لا نمنحهم ما يكفي من الدم، على الرغم من أننا نملكه.. والدم عطاء جميل عظيم لا يفرّق بين الغني والفقير، أو بين رجل وامرأة.. إنه عطاء بشري، يمنحه كل بشري صحيح الجسد، لكل بشري عليل الجسد، ولأن الصحة كالحال لا تدوم، فكل شخص في الواقع يمنحه في أيام صحته، ليأخذه في أيام مرضه، تماماً وكأنك تدخر مالاً أيام غناك (لو أن الحكومة تركت لك فرصة لتغتني) دون أن تكون من الأقارب والمحاسيب وبتوع الحزب، حتى يفيدك إذا ما انقلب الحال.. وقديماً كانوا يمنحون مقابلاً مادياً للمتبرّع، ولكن هذا أدى إلى خلق فئة من المتبرّعين المحترفين، الذين يواصلون التبرّع من أجل المال، حتى تنهار صحتهم، ويصبحون في حاجة إلى ضِعف ما تبرّعوا به، وفي الوقت نفسه كانت تمنع البعض من الإقبال على التبرع بالدم، حتى لا يحسبوا على قائمة بائعي الدم المحترفين، سواء أكان نقدياً، أم في صورة هدايا، لذا فالتبرع بالدم لم يعد تجارة في هذا الزمن، وإنما عطاء بشري، وشريان من عطاء القادر (جسدياً) لغير القادر، وفي سبيل الله سبحانه وتعالى وحده.. وبدلاً من أن ننشغل في قضايا مظهرية، كطول اللحية أو الجلباب، أو صحة النقاب من عدمه، دعونا نعتبر هذا مجرّد حرية شخصية، وليفنِ كلٌّ حياته فيما يؤمن به، سواء أكان صحيحاً أو وهمياً، ولنركز على أن نحصل على ثواب أكبر، من أمور أكثر عملية، فمن أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً، وقطرات من دمك ستحيي نفساً حتماً، ويمكنك أن تزور مستشفى للأطفال المصابين بأمراض الدم، لترى بنفسك كم يحتاجون إلى دمك، الذي يحصلون عليه مجاناً، كما منحته أنت، وإن كان هناك من دخل الجنة في كلب سقاه، فما بالك بمن منح دمه لبشر؟

***

تعالوا نفترض أن مليون شاب قد تبرعوا بدمهم دفعة واحدة، وأن بنوك الدم أصبحت مكتفية، فهل تعتقدون أن المشكلة قد انتهت حينئذ.. الواقع أن الجواب هو لا وألف لا، فالمشكلة ليست في التبرُّع بالدم فحسب، ولكن في إساءة استخدام الدم في نفس الوقت، فالأطباء أنفسهم بحاجة إلى حملة توعية، لترشيد استهلاك الدم؛ إذ إنهم يستخدمونه "عمال على بطال" كده بالبلدي، فأحياناً يمنحونه بمجرد أن ينتعش المريض، أو لمجرَّد أنه قد خرج من عملية جراحية، بغض النظر عن احتياجه له أو لا، أو بناءً على رأي أهل المريض، أو حتى للحصول على نتائج سريعة، أو على مقابل لثمن الدم، في بعض المستشفيات الخاصة (يجعل كلامنا خفيف عليهم)..

وقبل أن نشرح للعامة كم هي ثمينة قطرة الدم، لا بد وأن نشرح للأطباء هذا، على الرغم من أنهم يعرفونه جيداً، ويعرفون أيضاً أنه ما من نقل دم آمن بنسبة مائة في المائة، وأن هناك دوماً مخاطر تكمن في عملية نقل الدم، أياً من الإهمال أو التعجُّل في فحص دم المتبرِّع، أو في عوامل لم يتم كشفها بعد، قد تسبِّب أضراراً مستقبلية، أو حتى في تفاعل جسم المريض، مع دم من شخص آخر..

ولو أننا سنحث الناس على مد بنوك الدم بدمائهم، فالأجدى أن نحث الأطباء على جعل ترشيد الاستهلاك هدفاً لهم، فالمريض الذي يحتاج إلى لتر من الدم، يمكنه تعويض هذا اللتر بغذاء، ورعاية صحية مناسبة، ليتوفر هذا اللتر لمريض آخر، لا يمكن أن يحيا بدونه..

وكل قطرة تتوفر من شخص يمكنه تعويضها ذاتياً، قد تعني حياة طفل بريء، شاء قدره أن يصاب بمرض من أمراض الدم، في نفس الوقت الذي يلهو فيه رفاقه ويلعبون، ويصابون، وتنزف دماؤهم لتختلط بتراب الأرض..

الله سبحانه وتعالى خلق الناس أمة واحدة، حتى يتآزروا، ويشد بعضهم بعض، ويعطي كل من عنده فضل زاد من لا زاد له، فهبوا لعطاء من لديه نعمة الصحة لمن حرم منها، وامنحوه قطرة واحدة... قطرة دم..

والآن دعني أسألك سؤالاً هاماً جداً، بعد كل ما قرأته: لماذا لا يقبل الناس في مصر على التبرع بالدم، في الأيام العادية، أو بشكل دوري، أو حتى باعتبار أن تبرعهم هذا صدقة عن صحتهم وأنفسهم، على الرغم من أنهم هم أنفسهم (وليس غيرهم) يبادرون طواعية بالتبرع بدمائهم (نفسها)، إذا ما حلت كارثة، أو اندلعت حرب، أو وقع حدث جلل؟!...

المصريون أنفسهم، الذين لا يبالون بفكرة التبرع الدوري بالدم، ولو مرة كل ستة أشهر، هم الذين وقفوا في طوابير، للتبَّرع بدمائهم لمصابي حوادث القطارات، وضحايا الاعتداء الإسرائيلي على غزة وغيرهم... فأين تكمن المشكلة إذن؟!...

الواقع أن المشكلة الفعلية تكمن في انعدام الثقة... انعدام ثقة المواطن في مصداقية حملات التبرَّع بالدم... وعدم ثقة المواطن في نظافة وصحة الأجهزة التي تستخدم في التبرع بالدم... وعدم ثقة المواطن (وهذا هو الأهم) في النظام الحاكم ككل...

وانعدام الثقة هذا لم يأت من فراغ، فالإعلام لدينا فاشل، يحيا في غيبوبة "سِتِّيناتِيَّة"، ويصر في حماقة وسذاجة، على إثبات أنه إعلام الملك، وليس إعلام الشعب، لذا، فما من شيء يقوله سيبدو لمصلحة الشعب، وإنما سيرى الناس أن هذا الإعلام "العبيط" يحاول إفادة الملك والعائلة المالكة ونظام الحكم الفاسد، ولو على حساب الشعب كله، وبالتالي تفشل حملاته، هذا لو قام بها من أجل التبرع بالدم، دون أن يطلب مقابلاً عبيطاً مثله، يجعل استيراد الدم من المريخ أقل تكلفة؛ لأنه لا يؤمن حقاً بأهمية وخطورة الأمر، بل بضرورة وحتمية أن يقنع الملك بأنه جدع وكسيب وواد عترة.... ثم أن هذا الإعلام نفسه، هو من اندفع في شراهة غير محسوبة؛ لإثبات فساد أكياس الدم، ووسائل نقل الدم، ليحقق ضجة محدودة، وتأثيراً مرعباً دائماً، في قلوب جميع المصريين، باختلاف فئاتهم....

الأهم من كل هذا، هو أن نظام التعامل مع الدم في مصر هو نظام فاشل، بكل المقاييس المعروفة، والقائمين عليه مثل القائمين على كل شيء في بلادنا، يعشقون النظريات، والشعارات، والأرقام الشيك، والمقارنات بسويسرا وسنينها، وأوروبا وحضارتها، وبلاد واق الواق، ويغرقون في أوراق رسمية، واجتماعات شيك، دون أن يفكروا لحظة في النزول إلى أرض الواقع...

المسئولون عن التبرع بالدم في مصر، بدءاً من وزارة الصحة، حتى المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، يعيشون حلماً رومانسياً، لا يرتبط من قريب أو بعيد بأرض الواقع الفعلي، ويطيرون في سماء المثالية واليوتوبيا، دون أن يكلفوا خاطرهم بالهبوط منها إلى قلب المجتمع، وخوض ومتابعة ما يحدث في قلبه، فكلهم بلا استثناء يطالبون المواطنين بالتبرع بالدم على نحو دوري، ويرفضون في شدة أن يحصل المتبرع، أياً كان ما يقدمه، على أية فوائد تذكر، مهما كانت، باعتبار أنه من الضروري أن يكون عمله تطوعياً بحتاً، لوجه الله والوطن فقط، دون سواهما... وهذا نظرياً، وعلى الورق، وفي أحلام اليقظة أمر رائع، ومثير، وتقال فيه آلاف العبارات الحماسية الرنانة البراقة، ذات الإيقاع الساخن المثير، وهم يطالبون المواطنين بالاقتناع بهذه النظرية، في نفس الوقت الذي يدوخ فيه المواطن السبع دوخات، من أقصى مصر إلى أقصاها، إذا ما احتاج إلى قطرة دم، أي أنني أطالبه بأن يعطي ما لديه بلا مقابل، باعتبار أننا جميعاً في سفينة واحدة، فإذا ما سقط من السفينة، لأي سبب كان، فهو مسئول عن نفسه، عليه أن يبحث عن وسيلة للنجاة، أو يشتري طوق نجاة بكل ما لديه!!.

أنا أؤيد بشدة فكرة أن يقبل الشباب على التبرع بالدم دون مقابل، ليس لأن هذه صدقة جارية، ولا لأن كل قطرة دم تنقذ مصاباً، أو تشفي مريضاً، هي عطاء يحسب لصاحبه يوم القيامة، وثواب يملأ نفسه بالارتياح والشعور بالعطاء، ولكن أيضاً لأن التبرع الدوري بالدم يعمل على تنشيط نخاع العظام، وتجديد حيوية خلايا الجسم وأجهزته، ويحافظ على قوة الشباب، وتألقه ولونه وفاعليته، وأدعو كل شاب في مصر إلى التبرع بدمه مرة كل ستة أشهر، بل وأدعو هنا إلى مبادرة بدعوة مليون شاب مصري للتبرع بدمائهم ؛ لإثبات أنهم أكبر طاقة محركة في مصر، وأنهم قادرون على فعل المستحيل، إذا ما أرادوا هذا واقتنعوا به، ولكنني في الوقت ذاته أطالب كل مسئول عن الدم في مصر أن يكون واقعياً، وأن يترك نظرياته، وأفكاره "الفوق رومانسية"، وينزل إلى أرض الواقع، إذا ما أراد، أو كانت في نيته فعلاً حل مشكلة نقص الدم في مصر، وليس ملء الأوراق الرسمية فحسب، وحضور المؤتمرات (الشيك)، ثم إنني أطالبه بالنظر الفعلي إلى المريض... وهذه قصة أخرى..

فالجهات المعنية بمشكلة الدم في مصر، باستثناء الجمعيات الأهلية غير الحكومية، لم ترتب أولوياتها على نحو سليم، حتى هذه اللحظة، فالمرضى في مصر يعانون مشكلة يومية، في الحصول على ما يحتاجون إليه من دم، بعضهم على نحو مؤقت، وبعضهم بصفة دورية، مثل بعض الأطفال المصابين بأمراض الدم، والذين تذوي براءتهم على نحو تتمزق له القلوب، لاحتياجهم إلى شريان الحياة، والذين لو ألقيت نظرة واحدة علهم، لما ترددت لحظة في منحهم دمك، كلما استطعت هذا، وعلى الرغم من هذا، فالمسئولون في مصر يسعون للكمال المستحيل، ويضربون لنا أمثلة مستفزة، عن ثقافة التبرَّع بالدم في سويسرا وكندا وبلاد تركب الأفيال، وكأنهم لا يعيشون هنا في مصر، ولا حتى هناك، في البلاد التي يضربون بها الأمثال، بل في عالم الخيال، ولا توجد مشكلة في الحلم، ولكن المشكلة في أن يعزلك العلم عن الواقع، وينتزعك من عالم الحقيقة، فبالنسبة للمريض، لا توجد أحلام أو رومانسية، فهو والمصاب يوجد فقط دم، أو لا يوجد، وكلاهما لن ينتظر سنوات، حتى تنصلح المنظومة كلها، ويتحوَّل الشعب المصري إلى الجنسية السويسرية، وتنتشر فيه ثقافة التبرع بالدم، حتى يحصل هو على ما يحتاج إليه، وهو وفقاً لأحلام المسئولين الرومانسية لن يحصل عليها أبداً، ولا حتى ورثته سيحصلون عليها، فكما قال الزميل الأديب والصحفي محمد فتحي، فنشر ثقافة التبَّرع بالدم يحتاج إلى تسويق، مثله مثل أي ترويج في العالم، ويحتاج إلى مراحل تمهيدية؛ لأن مثله مثل أي أمر آخر، لن يقفز إلى أعلى في قفزة واحدة، ولا يحتاج إلى التضحية بآلاف المرضى والمصابين، حتى يتحقق هدف المثالية الأعظم... الأمر يحتاج إلى السير في خطين متوازيين في وقت واحد، أوَّلهما وأهمهما هو نشر ثقافة التبرع التطوعي الدوري للدم، بين شباب مصر بالتحديد؛ باعتبارهم أمل المستقبل، وثانيهما إيجاد وسائل ترغيبية للحصول على الدم اللازم الآمن المطلوب، في المراحل الإعدادية للهدف الأول...

والواقع أن تحقيق الهدفين بالتوازي، يحتاج إلى مرونة تتوافق مع أرض الواقع، وإلى فكر غير متعنت وغير متزمت، وهذا لن يتواجد حتماً في أية جهات رسمية محدودة الفكر، بل إلى أمل مصر في أن يتوافر لديها ما تحتاج إليه من دم... إلى الجمعيات الأهلية...
فشباب الجمعيات الأهلية -على خلاف الرسميين- يعيشون مع الشعب والمرضى على أرض الواقع... يرونهم ويتفاعلون معهم، ويشاهدون معاناتهم وجهاً لوجه، ويعيشون الواقع، وليس حلم المثالية "العبيطة"، التي فشلت لأكثر من أربعين عاماً في علاج مشكلة تنظيم الأسرة...

وفي ختام هذه المقالات، عن ضرورة التبرٌع بالدم رسالة....
رسالة أوجهها إلى كل مواطن في مصر، وكل شاب على الأخص، على أرضها...
مصر (وليس النظام الحاكم ) تحتاج إلى دمك... إلى قليل منه... تحتاج إليه لتسعف مريضاً، أو تداوي مصاباً، أو تساعد طفلاً بريئاً على الاستمرار في الحياة...

والتبَّرع بالدم سيفيدك أنت، قبل أن يفيد سواك، وخاصة إذا ما تبرعَّت به على نحو دوري، فلكي يتجدد دمك، سينشط نخاع عظامك، وستنشط خلاياك، وتتجدد، وينتعش جسدك وعقلك، وإذا ما كان تبرعك طواعية، فستنتعش نفسيتك أيضاً، وسيملؤك شعور بالعطاء، وبأنك صاحب يد عليا، وهو شعور لو تعلم عظيم....

أما قصة أنك تتبرع مجاناً، ثم تشتري الدم بالنقود، فهي تكمن في أن أي شخص، حتى أنت نفسك عندما يحتاج إلى الدم، فهو لا يحتاج إلى مجرَّد دم، بل إلى دم آمن، وكلمة آمن هذه تعني فحوصا، وتحاليل، ومعامل، ومستلزمات، ومواد، وتكلفة مالية عالية، وهذا أكثر أماناً لك قبل غيرك؛ لأنه لا أحد يعلم متى يمكن أن يحتاج إلى الدم، فإذا ما أعطاه الآن، وساهم في ارتفاع نسبة مخزون الدم في مصر، فسيجده في يسر عندما يحتاج إليه، وأرجوك ألا تقول لي إن هذا لن يحدث؛ لأنه هناك بلاد أقل منا فعلته، فنسبة المتبرعين عندنا في مصر تساوي واحداً في المائة من عدد السكان، مما لا يغطي أكثر من ثلاثين في المائة بالكاد، من احتياجات الدم في مصر، بفرض عدم حدوث كوارث كبيرة، أو حوادث فظيعة، أما في أوغندا مثلاً، فلقد نجحوا في تغطية مائة في المائة من احتياجاتهم من الدم، ولست أظننا أقل حضارة منهم، ولا حتى أقل عطاءً، أما عن أدوات نقل الدم، فهي حتماً آمنة، ومعقمة، وسليمة، ولا وجه للخوف منها إطلاقاً....

ثانية... كل مريض ومصاب في مصر يحتاج إلى قليل من دمك...
كل طفل بريء يسري المرض في عروقه، ويلتهم دماءه، يحتاج إلى قليل من دمك...
وكل قطرة ستمنحها لمن ينشدها هي خير...
ومن عمل مثقال ذرة خيراً يره..
ومرة أخرى وأخيرة، لقد دخل الجنة من سقى كلباً، فما بالك بمن أعطى للبشر دماً؟!

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (2 منشور)

avatar
Parveen 03/08/2014 17:24:20
Th'tas the best answer of all time! JMHO
avatar
wq123 27/07/2015 16:29:21
ralph lauren outlet,http://www.ralphlaurenpolo.in.net/
ray-ban,http://www.ray-ban-outlet.us.com/
ray ban outlet,http://www.raybans.us.org/
ray ban,http://www.rayban-sunglasses.org.uk/
ray ban sunglasses outlet,http://www.rayban-sunglasses.us.org/
ray ban sunglasses,http://www.raybansunglassesoutlet.net.co/
cheap ray ban,http://www.raybanwayfarer.in.net/
knockoff handbags,http://www.replicahandbags.com.co/
omega watches,http://www.replica-watches.us.com/
jordan release dates,http://www.retro-jordans.com/
replica watches,http://www.rolex-watches.me.uk/
roshe run,http://www.rosherun.org.uk/
roshe runs,http://www.rosheruns.us/
ferragamo shoes,http://www.salvatoreferragamo.in.net/
indoor soccer shoes,http://www.soccer-shoes.org/
easton bats,http://www.softball-bats.us/
supra shoes,http://www.suprashoe.net/
swarovski jewelry,http://www.swarovskicrystal.com.co/
swarovski,http://www.swarovskijewelry.com.co/
swarovski,http://www.swarovski-uk.org.uk/
north face jackets,http://www.the-northface.com.co/
northface,http://www.the-northface.in.net/
north face,http://www.thenorth-face.org.uk/
the north face,http://www.thenorthface.us.org/
the north face,http://www.thenorthfacejackets.in.net/
thomas sabo,http://www.thomas-sabo-uk.co.uk/
tiffany jewelry,http://www.tiffanyandco.net.co/
tiffany co,http://www.tiffanyjewelry.us.org/
timberland shoes,http://www.timberlandboots-outlet.net/
timberland outlet,http://www.timberlandshoes.com.co/
tommy hilfiger coupons,http://www.tommyhilfiger.net.co/
tommy hilfiger,http://www.tommy-hilfigeroutlet.com/
toms shoes,http://www.toms-shoes-outlet.net/
tom's shoes,http://www.toms--outlet.in.net/
toms shoes outlet,http://www.toms-shoes.com.co/
tory burch sandals,http://www.tory-burch-outlet.in.net/
tory burch sandals,http://www.tory-burchoutlet.us.com/
true religion jeans,http://www.true-religion.com.co/
true religion,http://www.truereligionjeans.net.co/
true religion jeans outlet,http://www.truereligion-outlet.com.co/
ugg,http://www.ugg-australia.in.net/
ugg australia,http://www.uggboots.net.co/
uggs,http://www.uggbootsclearance.com.co/
ugg boots clearance,http://www.uggsonsale.com.co/
burberry outlet,http://burberry.outletnow.org/
christian louboutin outlet,http://christian.louboutin-outlet.net/
tory burch sandals,http://toryburch.salesandals.net/
abercrombie and fitch,http://www.abercrombieand-fitch.com.co/
abercrombie and fitch,http://www.abercrombiefitch.us.com/
abercrombie,http://www.abercrombie-kids.us.com/
nike huarache,http://www.air-huarache.co.uk/
air jordan,http://www.airjordans.us/
air jordan shoes,http://www.airjordanshoes2015.com/
nike air max 2015,http://www.airmax-2015.org/
air max,http://www.airmax-90.org/
babyliss pro,http://www.babyliss-pro.net/
basketball shoes,http://www.basketballshoes.com.co/
beats by dre outlet,http://www.beatsbydrdre.co.com/
beats by dre,http://www.beatsbydre.com.co/
monster beats outlet,http://www.beats-by-dre.com.co/
beats headphones,http://www.beatsheadphones.in.net/
bottega,http://www.bottega.us/
burberry outlet online,http://www.burberryhandbags.in.net/
burberry,http://www.outlet-burberry.in.net/
burberry outlet,http://www.burberryoutlet.me.uk/
burberry factory,http://www.burberryoutlet.club/
burberry,http://www.burberryoutlet-online.in.net/
cheap calvin kleins,http://www.calvinklein.co.com/
celine bags,http://www.celinebags.org/
chanel bags,http://www.chanelhandbags.net.in/
softball bats,http://www.cheap-baseballbats.net/
christian louboutin outlet,http://www.christianlouboutinshoes.ar.com/
baseball jerseys,http://www.cheap-jerseys.us.org/
air jordan shoes,http://www.cheap-jordans.net/
michael kors handbags clearance,http://www.cheapmichaelkors.us.org/
nike outlet,http://www.cheap-nikeshoes.net/
oakley sunglasses cheap,http://www.cheapoakley.us.org/
oakley outlet,http://www.cheapoakleysunglasses.ar.com/
oakley sunglasses,http://www.cheap-oakleysunglasses.in.net/
ray bans,http://www.cheaprayban.com.co/
shoes outlet,http://www.cheapshoes.com.co/
ugg boots,http://www.cheapuggboots.eu.com/
flat iron,http://www.chiflatiron.net.co/
christian louboutin shoes,http://www.christian--louboutin.in.net/
louboutin,http://www.christianlouboutin.org.uk/
christian louboutin outlet,http://www.christianlouboutinshoes.jp.net/
coachoutlet.com,http://www.coachfactory-outlet.co.com/
coach factory outlet,http://www.coach-factoryoutletonline.in.net/
coach outlet online usa,http://www.coach-handbags.com.co/
coach outlet online,http://www.coachoutlet-online.com.co/
coach store outlet online,http://www.coachoutletstore.net.co/
coach outlet online,http://www.coachoutletstore-online.com.co/
chanel bags,http://www.coco-chanelbags.com.co/
converse sneakers,http://www.converse.net.co/
burberry handbags,http://www.designerhandbagsoutlet.com.co/
eyeglasses stores,http://www.eyeglassesonline.us.org/
eyeglasses frames,http://www.eyeglassframes.us.org/
ralph lauren clothes,http://www.fashion-clothing.us.org/
ferragamo shoes,http://www.ferragamo.com.co/
salvatore ferragamo,http://www.ferragamoshoes.net/
ghd,http://www.ghdhairstraightener.com.co/
gucci outlet,http://www.gucci-uk.me.uk/
gucci outlet,http://www.guccihandbags.net.co/
gucci sale,http://www.guccioutletsale.in.net/
gucci belts,http://www.gucci-outlet.biz/
gucci shoes uk,http://www.guccishoes.net.co/
gucci handbags,http://www.guccishoes.us.org/
hermes birkin,http://www.hermesbags.club/
hermes,http://www.hermesbirkin.biz/
hermes belt,http://www.hermesoutlet.top/
hollisterco,http://www.hollister.us.org/
hollister coupons,http://www.hollisterclothing-store.in.net/
insanity workout calendar,http://www.insanityworkout.net.co/
phone cases,http://www.iphone-cases.us/
jimmy choo,http://www.jimmychoo.net.co/
air jordan retro,http://www.jordanretro.org/
jordan retro,http://www.jordan-shoes.com.co/
juicy couture outlet,http://www.juicycouture.com.co/
juicy couture handbags,http://www.juicycoutureoutlet.net.co/
kate spade handbags,http://www.kate-spade.com.co/
kate spade,http://www.katespade-outlet.com.co/
kate spade,http://www.kate-spades.com/
long champ,http://www.longchamp.us.org/
longchamp handbags,http://www.longchamp.com.co/
red bottom shoes,http://www.louboutin.jp.net/
louis vuitton,http://www.louis-vuittoncanada.ca/
louis vuitton outlet online,http://www.louisvuitton.jp.net/
louis vuitton uk,http://www.louis--vuitton.org.uk/
louis vuitton outlet,http://www.louisvuitton.so/
louis vuitton outlet online,http://www.louisvuittonas.com/
louis vuitton outlet,http://www.louisvuitton-outlet.com.co/
louis vuitton handbags,http://www.louisvuitton-outlets.us/
marc jacobs bags sale,http://www.marcjacobsonsale.com/
mcm bags,http://www.mcm-bags.net/
mcm handbags,http://www.mcmhandbags.com.co/
michael kors outlet store,http://www.michaelkors.so/
michael kors outlet online,http://www.michael--kors.us.com/
michael kors outlet,http://www.michaelkorsbags.us.org/
michael kors uk,http://www.michaelkorshandbags.org.uk/
michael kors,http://www.michael-kors-handbags.us.com/
michael kors outlet online sale,http://www.michaelkorsoutlet.ar.com/
michael kors purses,http://www.michael-kors-outlet.us.org/
michael kors handbags,http://www.michaelkorsoutlet-online.ar.com/
michael kors,http://www.michael-kors-outlet-online.us.org/
,http://www.michaelkorsoutletonline-sale.us.com/
michael kors uk,http://www.michaelkors-uk.org.uk/
mont blanc pens,http://www.montblanc--pens.net/
new balance,http://www.newbalance-outlet.org/
nike air max,http://www.nike-air-max.us/
nike factory,http://www.nikefactory.org/
nike free,http://www.nikefree5.net/
nike free run,http://www.nikefree-run.net/
nike free,http://www.nikefree-run.org.uk/
air jordans,http://www.jordanrelease-dates.net/
nike mercurial,http://www.nikemercurial.net/
nike roshe,http://www.nikerosherun.us/
nike outlet store,http://www.nikestore.us/
north face,http://www.northface.us.org/
north face clearance,http://www.northfaceoutlet.com.co/
oakley outlet,http://www.oakleyoutlet.us.org/
oakley sunglasses,http://www.oakleysunglasses.gr.com/
oakley sunglasses cheap,http://www.oakleysunglassescheap.in.net/
oakley sunglasses,http://www.oakleysunglassesoutlet.com.co/
omega watches,http://www.omegawatches.us.com/
pandora charms,http://www.pandora-charms.org.uk/
pandora jewelry,http://www.pandorajewelry.top/
polo outlet,http://www.polo-outlets.com/
prada outlet,http://www.pradahandbags.net.co/
prada handbags,http://www.pradahandbags.com.co/
prada shoes for men,http://www.pradashoes.com.co/
polo ralph lauren outlet,http://www.ralph-lauren.org.uk/
ralph lauren outlet,http://www.ralphlaurenoutlet.us.com/
ralph lauren uk,http://www.ralphlauren-outlet.org.uk/
ralph lauren polos,http://www.ralphlaurenoutletonline.com.co/
ralph lauren outlet online,http://www.ralphlaurenoutletonline.in.net/
uggs on sale,http://www.uggsoutlet.com.co/
coach outlet store,http://www.uptocoachoutlet.com/
vans outlet,http://www.vansshoes.us/
wedding dress,http://www.weddingdressesuk.org.uk/
lululemon outlet,http://www.yogapants.com.co/
cheap ugg boots,http://www.ugg-boots.us.org/
ralph lauren outlet online,http://www.poloralphlaurenoutlet.net.co/
burberry handbags,http://www.burberryoutletonline.ar.com/
toms outlet,http://www.toms-outlet.net.co/
michael kors outlet online,http://www.michaelkors.in.net/
christian louboutin shoes,http://www.christianlouboutinoutlet.net.co/
tory burch handbags,http://www.toryburchsale.com.co/
prada outlet,http://www.pradaoutlet.com.co/
longchamp outlet,http://www.longchamp-handbags.in.net/
longchamp,http://www.longchampoutlet.com.co/
chanel bags,http://www.chanel-bags.com.co/
true religion jeans outlet,http://www.truereligion-outlet.us.org/
abercrombie fitch,http://www.abercrombie-and-fitch.us.com/
hollister co,http://www.hollisterclothing.in.net/
new balance store,http://www.newbalance-shoes.org/
converse sneakers,http://www.converses-shoes.net/
lululemon outlet,http://www.lululemonoutlet.com.co/
cheap jerseys,http://www.nfl-jersey.in.net/
nfl jerseys,http://www.cheapjerseys.us.org/
rolex watches,http://www.rolex-watches.us.com/
omega watches,http://www.rolexwatchesforsale.us.com/
p90x,http://www.p90xworkout.in.net/
giuseppe zanotti,http://www.giuseppezanotti.com.co/
mac cosmetics,http://www.maccosmetics.net.co/
instyler,http://www.instyler.in.net/
mizuno,http://www.mizunorunning.net/
purses and handbags,http://www.handbagsoutlet.com.co/
hilfiger outlet,http://www.hilfigeroutlet.in.net/
ed hardy clothing,http://www.edhardy.in.net/
levis jeans,http://www.levisjeans.com.co/
bcbg max azria,http://www.bcbgdresses.net/
bebe clothing,http://www.bebeclothing.net/
harrods london,http://www.harrods-london.co.uk/
gucci handbags,http://www.guccishoes.com.co/
ralph lauren outlet,http://www.ralphlaurenoutletonline.us.org/
yoga pants,http://www.lululemoncanada.ca/
lululemon canada,http://www.yoga-pants.ca/
nike canada,http://www.nike-shoes-canada.ca/
pandora,http://www.pandora-charms-canada.ca/
watches canada,http://www.rolex-watches-canada.ca/
michael kors canada,http://www.michael-kors-canada-outlet.ca/
adidas shoes,http://www.adidas--canada.ca/
tiffany,http://www.tiffanyandco-canada.ca/
abercrombie kids,http://www.hollistercanada.ca/
abercrombie,http://www.abercrombie-and-fitch.ca/
oakley sunglasses,http://www.oakley-sunglasses-canada.ca/
wedding dresses,http://www.wedding--dresses.ca/
swarovski canada,http://www.swarovskicanada.ca/
tommy hilfiger,http://www.tommy-hilfiger-canada.ca/
new balance,http://www.new-balance.ca/
burberry,http://www.burberrycanada.ca/
north face,http://www.the-north-face.ca/
polo ralph,http://www.ralph-lauren.ca/
rayban outlet,http://www.ray--ban.ca/
christian louboutin,http://www.christian-louboutin-shoes.ca/
nike air max,http://www.nike-air-max.ca/
bcbg max azria,http://www.bcbg-max-azria.ca/
uggs canada,http://www.uggscanada.ca/
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال