الرئيسية | مقالات | مليونية

مليونية

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
مليونية

البعض ينادى بمليونية جديدة، ويطلق عليها اسم ثورة الغضب الثالثة، باعتبار أنه من الوطنية أن نظل غاضبى الدهر، وأن لا نبدأ مرحلة البناء قط، وأنا أتفق معهم فى فكرة الغضب، ولكن من منظور عكسى، فلو سرت فى الشارع، أو جلست على مقهى شعبى، أو حتى كافيتريا فاخرة، فستسمع من الغالبية العظمى عن الغضب، ولكنه غضب من المليونيات، التى صارت لعبة، لفرض الرأى، والسيطرة على الأمور، والفوز بالمشهد الإعلامى، وإحداث الضجة اللازمة، والزعزعة المطلوبة، للاقتصاد القومى والجبهة الداخلية، ولإشعار الغالبية العظمى بأنه لا رأى إلا لمن يصنع ضجيجا أكبر، ومن باب الديمقراطية والحرية، فكل من يرفض المليونية لا بد من سبه وإهانته، على صفحات الصحف وشبكات الإنترنت وشاشات الفضائيات، والبطولة طبعا فى استخدام أسوأ الألفاظ وأحطها، باعتبار أن النظام الطغيانى السابق هو المثل الأعلى، فى قهر الفكر وحجب الرأى، واستخدام المصطلحات التخوينية والاتهامية.

 

وبمنتهى العنف والشراسة والغضب…. ولو أنه من المفترض منى ككاتب، أن أخضع لما يريده غاضبو الدهر، وأن أؤيد ما ينادون به، خوفا من قوائمهم السوداء، وشتائمهم المهينة، وتخوينهم لكل من يخالفهم، أو السخرية منهم، فقد كان غيرهم أشطر، فالنظام الديكتاتورى السابق كان يستخدم وسائل أشد قمعا وقهرا، ولا يكتفى بقوائم سوداء، وإنما يمتد قمعه إلى سجون ومعتقلات ومنع من السفر، ومحاولات لقطع الأرزاق، وقضايا سب وقذف، وتهديدات من أمن الدولة، وعلى الرغم من هذا فلم نخف منه، ولم نكش من ده الوش، ولا من أى وش، لأننا كنا نحارب من أجل الحرية.

 

ومن أجل أن نقول ما نؤمن به، مهما كانت العواقب والنتائج، ولن تختلف الحال اليوم عن الأمس، فقط لأن حالة القمع تضاعفت، وحالة التخويف والتخوين تسيدت، فالتاريخ، عندما يكتب صفحاته مستقبلا، لن يكتبها بغضب أو غل أو عنف، بل سيكتبها كما عوّدنا، بصدق، وإن طال الزمن، وسيتحدّث عن ثورة الغضب الثالثة، التى أشعلت ثورة الغضب الرابعة، ضد لعبة المليونيات، التى تجاوزت حدودها، وصارت أشبه بفتنة القصاص من قتلة عثمان، التى أضاعت تماسك الأمة الإسلامية، وطال إلى حد انتصار من اغتصب الخلافة… هذا القول قد لا يتفق مع معظم الزملاء فى الصحيفة نفسها.

 

ولكن سوابق التاريخ، التى نرفض التعلّم منها، ستحسم هذا، وعندما تؤدى المليونية القادمة إلى ضياع تماسك الأمة، واشتعال بذرة الخلاف فيها، فلن تنفع الشتائم على صفحات الإنترنت وشاشات الفضائيات، ولن يصلح التخوين ولا قوائمه السوداء فى رأب الصدع، ولا فى إعادة تماسك الأمة، وستبدأ الثورة على الثورة، وتكون الثورة المضادة قد ربحت، وفازت بالضربة القاضية

***

أى مسار تسير فيه الثورة بالضبط؟!.. مسار الحرية والديمقراطية والعدالة وسيادة القانون، أم مسار القهر والتخويف والتخوين وفرض الرأى بالقوة؟!.. المسار الذى يصنع حياة ديمقراطية سليمة، أم المسار المنادى بالصدام والعنف وحياة ديكتاتورية جديدة؟!.. البعض يطالب المجلس العسكرى بتسليم الحكم لسلطة مدنية، وهذا أمر يتحقّق بالانتخابات البرلمانية، لكى يتسلم الحكم من يختاره الشعب بنفسه، وبإرادته الحرة، عبر صناديق انتخاب غير ملفّقة أو مزوّرة، ولكن البعض يرفض انتظار هذا أو قبوله، ويطالب بتسليم سلطة فورى، والسؤال هو لمن؟!.. من سيتسلّم السلطة من المجلس العسكرى، وبأى وسيلة؟!.. بالمليونيات والصراخ وفرض الرأى؟!.. أهذه هى الديمقراطية التى قامت من أجلها الثورة؟!.. أهذا هو ما ضحى شهداء الثورة بحياتهم من أجله؟!.. هل أريقت دماؤهم الطاهرة من أجل أن ترفض فئة ما أن يتم الأمر بإرادة الشعب، خوفا من أن يرفضها الشعب، ويختار فئة أخرى، فتسعى للسيطرة على الأمور بالقوة، بدلا من انتظار الحقبة الجديدة التى حلمنا بها كلنا؟!.. لو أن كل ما فعلته الثورة هو أنها صنعت أسلوبا جديدا، يعتمد على بذاءة اللفظ، وعنف الحوار، وصنع القوائم السوداء، والهجوم الشرس، على كل من يختلف معها فى الرأى، فهى لم تصنع شيئا، وستقود المجتمع إلى أسفل، لا إلى أعلى.. ولو أن السبيل الوحيد أمام بعض الأحزاب الضعيفة، التى لم تصنع لنفسها قاعدة شعبية، فى الشارع المصرى، تؤهلها للفوز فى الانتخابات، هو أن تثير احتقان الشارع طوال الوقت، على أمل الوجود، فهو أسلوب لن يؤدى إلا إلى غضب الشارع، ورفضه التام لها، فى أى انتخابات قادمة، وربما لهذا تصاب بالحساسية، كلما اقترب موعد الانتخابات، وحاولت إما تأجيلها، أو تعديلها لتناسبها فحسب.. كنت أتمنى أن تستطلع تلك الأحزاب رأى الشارع أوّلا، كما تفعل الأحزاب المحترمة فى كل دول العالم، قبل أن تقدم على أى خطوة سياسية، ولكن من الواضح أن تلك الأحزاب قد انطوت على نفسها، ولم تعد تسمع سوى صوتها وأصوات من يؤيدونها، ولم تعد تجد قوتها إلا فى الحشد، واتهام الآخرين، وعنف المطالبة، وشراسة النقد.. والواضح الآن أنه ما من حزب يريد ديمقراطية حقيقية ما لم تأت به دون سواه إلى السلطة، وأن المليونيات فى اسمها قد أسقطت القانون والعدالة، وصنعت من نفسها المحامى والقاضى ووكيل النيابة والجلّاد أيضا، ولم تعد تبالى بانقسام الشارع، ولا حتى بأهداف الثورة، وصارت تهدر دماء الشهداء، الذين ماتوا فى سبيل الحرية والديمقراطية والعدالة، وتعمل من أجل نفسها، لا من أجل مصر.

***

مشكلتنا الحقيقية الآن، هى أن الساحة خالية، وأن مقاعد المرحلة القادمة لم تُحتل بعد، ولهذا دخلنا لعبة الكراسى الموسيقية، فالكل يدور ويلهث، حول الكراسى الخالية، والموسيقى تعزف فى صخب، والكل مشغول بسؤال واحد… من سيحتل مقعدا، ومن لن يجد مقاعد خالية، عندما تتوقف الموسيقى؟! وفى الوقت ذاته، هناك تورتة فى الفرن، والكل متلهف على انتزاع القسم الأكبر منها، قبل حتى أن تنضج، وتخرج من الفرن… ولا توجد بعد وسيلة واحدة، لحسم هذا الأمر، ولكن التورتة مغرية، والسلطة أيضا مغرية، والمجتمع محتقن، والساحة مرتبكة، ولا أحد، وأعنى هنا لا أحد، يدرك المعنى الحقيقى للحرية، ولا المفهوم الواضح للديمقراطية، ولا العدالة، كما ينبغى أن تكون… فالكل يريد الحرية لنفسه، ودون أى ضوابط، ويريد فى الوقت ذاته حجبها عن كل من يعارضه، وأيضا دون أى ضوابط… والكل يتحدث عن الديمقراطية، ثم يشترط وجودها بفكر ديكتاتورى، يهاجم، وبكل شراسة وعنف، كل رأى مخالف لرأيه، ويحمل فى جعبته سيلا من الاتهامات، والألفاظ الخارجة البذيئة، التى يقذفها نحو من لهم آراء تخالفه… أما العدالة فمفهومها عجيب للغاية، إذ إن البعض يرى العدالة من منظور أنبوبى بحت، فإما أن يكون هو القاضى والمحامى والجلاد، وإما لا… والإعلام نفسه صار غير أمين بالمرة، فهو شديد الانفعال، بخلاف ما ينبغى أن يكون عليه أى إعلام حر، ويتبنى وجهة نظر واحدة، تجعله صورة طبق الأصل من الإعلام السابق، ولا يدرك أنه بهذا يهدم نظرية الإعلام الحر من أساسها، ومعظمه صار يتبنى لعبة اصطياد الأخطاء، والنبش عنها، وتضخيمها لكل من يخالفه، والسعى فى هستيريا، لتجميل كل من يؤيده، كأنه ملَك هبط إلى الأرض فى مهمة ثورية… اللعبة كلها صارت أشبه بالفترة المكارثية فى التاريخ الأمريكى، عندما فجر الاتحاد السوفييتى قنبلته الذرية الأولى، وأصيب المجتمع الأمريكى بالفزع والغضب، وخرج السيناتور جوزيف مكارثى، ليشن حربا على الشيوعية والفكر الشيوعى، وراح يكيل الاتهامات لكل من أراد، ويحاكمهم محاكمات علنية، بقائمة بدأت بمئتين وخمسة عشر متهما، ثم تضخمت مع الوقت، لتشمل عشرات الألوف، وتدمرهم اجتماعيا واقتصاديا، والأمريكيون يصرخون ويهللون، ويحيطون بقاعة المحاكمة، ويخرجون بالملايين، ويعلقون صور البطل مكارثى فى كل بيت، ثم لم تمض عشر سنوات، حتى كانوا يلعنونه فى كل مناسبة، ويعتبرونه مثالا للديكتاتورية والقمع، ويعلقون صوره على حيواناتهم، لأنه أفسد المجتمع، وسعى لاحتقانه وغضبه… هذا تاريخ، يمكن الرجوع إليه فى بساطة، ويمكن أيضا أن نتعلم منه، لو أننا من أولى الألباب… فهل نتعلم؟! هل؟!

***

الكل الآن صاروا أبطالا، فالبطولة سهلة، ما دام ليس هناك خطر، ومن المؤكّد أنه لن يمضى وقت طويل حتى تنهمر علينا مذكرات الأبطال، الذين سيؤكّد كل منهم أنه كان يقف أسدا فى وجه النظام، عندما كان فى أوج قوته، وذروة جبروته، وسيتناسون أن هذا الزمن يختلف عن أزمنة المذكرات السابقة، لأنه زمن موثّق بكل السبل المعروفة، ومن السهل فيه أن تعود إلى تاريخ كل شخص، وترصد مواقفه فى حينها، ثم تقارنها بمواقفه البطولية الآن، ولكنك ستقرأ وتسمع روايات عجيبة عن تحديات للسلطة، ومواجهات معها، من أناس عاصرت بنفسى كيف كانوا يرتجفون هلعا إذا ما تلقوا مكالمة هاتفية من أمن الدولة، فما بالك بتحدّى من يأمرون أمن الدولة؟!.. ليس لدى من شك فى أن الغالبية العظمى عانت إحباطات عديدة، فى ظل جبروت وطغيان النظام السابق، الذى كان يتعامل من منظور ملكى لا جمهوری، وليس لدى من شك فى أن السواد الأعظم من الشعب قد لاقى الأمرين طوال الثلاثين عاما السابقة، ولكن ليس من المنطقى أن أعاقب الوطن على أخطاء نظام، ولا أن أتجبّر على الشعب، لأننى قمت بثورة، أو لأننى أريد أن أعكس إحباطاتى على المجتمع كله، خصوصا أن سقف المطالب لا ينتهى، والكل يريد القفز بالوطن، من الديكتاتورية والقهر إلى ذروة الحرية والديمقراطية، فى قفزة واحدة، وهذا لا يتفق مع أى تطوّر فى الوجود، لأنه لا يؤدى إلا إلى فوضى، وارتباك، وإرهاق للمجتمع كله، وهذا يقود بالتبعية إلى الانفصال عن الثورة، وربما الانقلاب عليها أيضا.. والحديث عن حماية الثورة هو حديث حق يراد به باطل، فالغضب والعنف والصراخ وحقن الشارع ليس حماية للثورة، وإلا لكنت أيّدته بكل ما أملك من قوة، لأننى أيضا أريد حماية الثورة، ولكن من منظور مختلف، لا يمكن رؤيته، ومنظارك مغطى بسحابة من الغضب والانفعال والغل، لأن كل ما تفعله تلك السحابة هو أن تشوّش الرؤية، وتفقد حسن تقدير الأمور، وحكمة اتخاذ القرار، وهى حقيقة معروفة فى كل ساحات القتال، فمن يعميه الغضب يخسر دوما فى النهاية، مهما كان نبل غاياته، أو عظيم أهدافه.. لهذا فأنا أيضا أحاول حماية الثورة.. من الثائرين أنفسهم.. والعجيب أن عديدا منهم يدركون غضب الشارع مما يحدث، ولكنهم صاروا أشبه بالنظام السابق، ويرون مثله أن الشارع جاهل، وأحمق، ولا يدرى صالحه، وهو مغيّب، وأعمى، ومصاب بمتلازمة هلسنكى، وعبارات أخرى أقل أدبا، تجعلنى أتساءل، ما الفارق بينهم وبين من أسقطوهم؟!.. أى تحرّر تحررناه، وأى ديمقراطية فزنا بها؟!… أجيبونى أنتم بالله عليكم.. أجيبونى.

 

 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال