الرئيسية | مقالات | ليبيا الحرة

ليبيا الحرة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ليبيا الحرة

منذ ما يقرب من اثنين وأربعين عاما، حدث انقلاب عسكري ناجح في ليبيا، تم على إثره عزل الملك إدريس السنوسي، وإعلان قيام الجمهورية، من قِبل مجموعة من الضباط الشبان، على رأسهم شاب يدعى معمر القذافي..

ومع بدايات التغيير جاء الضباط الليبيون الشبان لمقابلة الرئيس جمال عبد الناصر، الذي كان يتبنى -أيامها- كل الحركات التحررية، في العالم العربي كله..

وفي أوّل لقاء له مع ضباط الانقلاب، ابتسم عبد الناصر للعقيد معمر القذافي، وأخبره أنه يذكّره بشبابه..

كان ناصر يقصد أن ما حدث في ليبيا يذكره بحركة ضباط يوليو عام اثنين وخمسين، وبدوره البارز فيها..

ولكن القذافي استقبل العبارة بمعنى آخر، صوّر له أن جمال يعتبره خليفته في العالم العربي، فامتلأت نفسه بالزهو والفخر، وبدأ في إصدار ما أطلق عليه القرارات الثورية، ومنها إلغاء أية رتبة في الجيش الليبي تعلو رتبة العقيد؛ لأن لقب العقيد القذافي يروق له، ولا يرغب في تغييره..

ومع الثورة لم ينشغل الشعب الليبي كثيرا بهذا القرار، وواصل فرحته برحيل الملك، وقيام الجمهورية..
وواصل القذافي تقليده للزعيم المصري..

كان ناصر قد أصدر في بداية حركة يوليو ما أسماه بـالميثاق، والذي تضمّن أهدافه، وفلسفته، وأفكاره، وتصوّراته للمرحلة القادمة، وكان من الضروري أن يفعل القذافي شيئا مماثلا، فوضع ما أسماه الكتاب الأخضر، باعتبار أنه ميثاق حركة ليبيا..

وبغض النظر عمّا تضمّنه الكتاب الأخضر، ومن اتفاقنا أو اختلافنا عليه، فهو اختلف تماما عن الميثاق، في أنه ظل شأنا ليبيا بحتا، ولم ينتشر خارجها، كما انتشر الميثاق، اللهم إلا من باب الابتسام، لما تضمّنه من نظريات، كل ما أراده بها، هو أن يخالف النظريات السياسية العالمية وحسب..

ثم أصيب القذافي بحالة شغف غير طبيعية للتغيير، وتصوّر أن تغيير كل شيء، وأي شيء، هو قمة الثورة..

وفي مبادرة، فوجئنا بها جميعا، أصدر القذافي قرارا بتغيير أسماء الشهور الميلادية، من يناير، وفبراير، ومارس، وإبريل، ومايو، ويونيو، ويوليو، وسبتمبر، وأكتوبر، ونوفمبر، وديسمبر، إلى ابن النار، والنوّار، والمريخ، والطير، وشهرمان، والصيف، وناصر، والفم، والفاتح، والتمور، والحرب، والكانون بالترتيب نفسه..

 وكان لهذا التغيير صدى عالمي بالتأكيد، إذا انطلقت الضحكات في العالم كله، من شرقه وغربه، وانطلقت معها آلاف التعليقات والنكات..

وسكت الشعب الليبي..

وربما كانت هذه غلطته، وغلطة كل الشعوب العربية منذ البداية..

وفي حرب أكتوبر 1973 وقف العالم العربي كله مع مصر، وهي تحارب لاستعادة أرضها، فيما عدا القذافي، الذي أعلن أنه لن يكون واحدا من القادة العرب الذين هزمتهم إسرائيل!

ولكن الجيش المصري خذل القذافي..
وانتصر..

وهنا جاء القذافي إلى القاهرة، وقدّم مصحفا كبيرا كهدية رمزية إلى السادات، الذي انتزع منه المشهد السياسي، بعد أن كان يعتبر نفسه خليفة ناصر، والأحق بنفس المشهد السياسي العالمي، بعد وفاة هذا الأخير..

ولقد استقبله السادات بجفاء واضح، بعد موقفه من الحرب، وراح ذلك الجفاء يتزايد بينهما، وخاصة مع المحاولات الليبية للنيل من السادات، والسعي لاستعداء العالم العربي عليه..

ثم كانت مبادرة السلام، وكان الموقف الليبي المعادي بكل صراحة ووضوح..
لم تكن المعاداة نابعة من الشعب الليبي، ولكن من النظام..
ومن القذافي بالتحديد..

وهنا.. انقلب النظام المصري على القذافي في وضوح، وبدأ يصفه -ولأوّل مرة- بالجنون، وبدأت الرسوم الكاريكاتيرية التي تصوّره كطفل يجلس على "قصرية"، أمرا يوميا مألوفا في الصحافة الرسمية..

وعلى نحو مطرد راحت أجهزة الأمن تعلن عن سقوط تنظيمات ليبية، تستهدف قلب نظام الحكم في مصر، وتنشر وثائقها بالصوت والصورة..
وهذا حتى اغتيال السادات..

ومع بداية عصر مبارك، بدأت عملية مصالحة مع القذافي؛ ربما لوقف تلك المحاولات المسعورة المستمرة ضد مصر..

والحق يقال إن القذافي لم يوجه أسهمه إلى مصر وحدها، ولكن إلى كل مكان في العالم، باعتبار أنه يملك المال، ويريد أن يصبح فزّاعة العالم كله، حتى إن الولايات المتحدة الأمريكية قامت بقصف ليبيا، بعد عدة عمليات إرهابية ليبية داخلها، ولكن هذا لم يردع القذافي ونظامه، بل دفعهما إلى إضافة كلمة "العظمى" إلى "الجمهورية الليبية الاشتراكية الديمقراطية الوحدوية"، ولست أدري ما إذا كان الترتيب صحيحا، أم إن التشابه قد أربكني!!

وفى خطاب رسمي، أعلن القذافي أن الدول العظمى لا تهاجم سوى دول عظمى، وما دامت قد هاجمت ليبيا، فهي إذن دولة عظمى!!

ومرة أخرى ضحك العالم كله..

وواصل القذافي، وتواصلت أموره غير الطبيعية، من إحاطة نفسه بحارسات من النساء، أطلق عليهن اسم الراهبات الثوريات، إلى الملابس العجيبة، التي يرتديها في كل المناسبات الرسمية، إلى منح نفسه لقب ملك ملوك إفريقيا، دون تفويض إفريقي واحد، إلى ما بلغه مؤخرا من حالة الانفلات العقلي التام، وتقمّص شخصية سفاح سفاحي إفريقيا والعالم!

فبعد واحد وأربعين عاما، من الصمت والذل والاستعباد، وبعد أن أصابته عدوى فكرة التوريث العالم العربي كله تقريبا، وبعد ثورة مصر، التي بهرت العالم كله، ثار الشعب الليبي، ورفض استمرار سياسة القمع والطغيان..

ثار الشعب، في كل مدن ليبيا، وخرج يهتف بسقوط القذافي ونظامه، وبنفس المطالب العادلة، التي نادت بها الثورة المصرية..
حرية، ديمقراطية، وكرامة اجتماعية..

وهنا استيقظ الوحش الكامن، خلف عقلية القذافي غير المتزنة..

لقد اندلعت ثورة في تونس، وأخرى في مصر، وخرج الجيش في كليهما، ولكنه لم يطلق رصاصة واحدة على الشعب..
ولكن الوضع في ليبيا اختلف..

لقد أصدر القذافي أوامره للجيش بإطلاق النيران على المتظاهرين..
بعض أفراد الجيش فعلوا..
وبعضهم رفضوا..

وبمنتهى الوحشية قتل نظام القذافي بعض من رفضوا، وفرّ الآخرون نجاة بحياتهم، وبحثا عن حرية مفقودة، على أرض أخرى..
ولم يوقف هذا نظام القذافي..

لقد استدعى مرتزقة أفارقة؛ ليحتلوا وطنه، ويقتلوا شعبه!!

أي رئيس هذا؟!

بل أي مختل؟!

القذافي، وحتى هذه اللحظة، يعتبر نفسه قائد الثورة الليبية، وليس رئيس ليبيا، على الرغم من حضوره مؤتمرات القمة العربية، بصفته رئيسا لدولة اسمها ليبيا!!

ومن المؤكّد أنه لم يلحظ المفارقة في هذا؛ لأن إدراك المفارقة يحتاج إلى عقل سليم، منطقي، وواقعي، وعقل جنابه لا يمتلك هذه الصفات!!

وهكذا، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، تقاتل ليبيا، من أجل حريتها، ويقاتل رئيسها من أجل عبوديتها..

والله سبحانه وتعالى يعلم، لمن سيتحقق النصر في النهاية..
للعبودية..
أم للحرية ؟!

ووفقا لما سجله التاريخ دوما، أظننا سنشهد عن قريب مولد ليبيا..
الحرة.

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (2 منشور)

avatar
انتصار 04/09/2011 07:45:10
شكرا يادكتور علي المقال وارجوا ان تكتب علي الثورة الليبية بتفاصيل اكثر والله يادكتور هناك ملاحم لهذه الثورة تستطيع ان تكتب عليها كتبا كثيرة فعلي سبيل المثال وليس الحصر قتال الثوار في بنغازي لكتيبة الفضيل بو عمر يادكتور والله الصورة لايمكن ان تصدقها تصور انت مضاد للطيرات لو يمر علي سيارتك تشعر بالاهتزاز كانها تريد ان تنقلب كان يوجه لصدور عارية لشبان يحيطون بالكتيبة وهي المخصصة اصلا لاسقاط الطائرات لقد قتل في يوم واحد فقط اكثر من ثلاثمائة شهيد باذن الله ومع هذا كان الشباب يرفض الرجوع ويقولون اما نحن او هم حاول الكثير من الناس كبار السن ان يسحبوا الشباب لكثرة الموتي لكن الشباب ابوا الا القتال لقد قرات ان بعض الدكانرة اصيب بالانهيار من هول ذلك اليوم ومن كثرة الشهداء والجرحي وتستطيع ان تري بام عينيك بعض صور هؤلاء الشهداء وكيف كانت اجسادهم الطاهرة مبعثرة ولا حول ولا قوة الا بالله وهناك الكثير والكثير من الصور لكن الوصف الذي لااستطيع ان انساه عندما اتصلنا باحد اقاربنا لنسأل عن حالهم هناك قال وهو متأثر ان شباب صغار السن يتطايرون كالعصافير حول الكتيبة وهو مستعرب لهذه الشجاعة لهؤلاء الابطال ربي ان شاء الله يتقبلهم عنده في العليين
avatar
عاصم عرابى 04/09/2011 18:54:42
يقولون دائما ان هناك شعرة بين العبقرية والجنون ولكن فى حالة القذافى ليس هناك ولا حتى لمحة واحدة من العبقرية فهو يظن نفسه عبقرى ولا احد يوازى زكاؤه فى العالم وقائد الثورة الليبية ومحرر العالم من الظلم والانظمة الفاسدة التى لا تصلح للحكم فهو الوحيد فى العالم الذى يصلح ان يحكم وان يكون قائدا فلا قائد غير القذافى فهو مجنون والى هذه اللحظة يظن نفسه قائدا فهل يوجد عاقلا وليس قائدا لدولة ان يقتل شعبه بهذه الطريقة الوحشية وان يضربهم بجميع انواع الاسلحة لانهم يطالبون بابسط حقوقهم وهى الحرية الحرية التى ينالها الوحوش فى البرارى والاسماك فى البحار الى شعوب الامم العربية هى الوحيدة التى لا تملكها ولا حتى من حقها من وجهة نظر الحكام الطغاة المطالبة بها ولكن خاب ظن الحكام فهم اعتقدو انهم خلفاء الله فى الارض وانه لا يجرؤ اى احد الوقوف فى وجههم ولكن لكل ظالم نهاية ونهاية الظلم اتية لامحالة مهما طال الزمن وها قد جاء وقت التغيير وثارت الشعوب ضد الظلم واسقطو النظم الديكتاتورية ومهما فعل هؤلاء الطغاة فلن يعود الوضع كسابق عهده واختطفت الامم حريتها بارادتها وارادة الله سبحانه وتعالى فوق كل شئ
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال