الرئيسية | مقالات | بالعند

بالعند

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
بالعند

اليوم، وبعد مجموع ما حدث، فى تونس ومصر وليبيا، يبدو من الواضح أن مرضا عجيبا يصيب دوما أصحاب مقاعد السلطة، ومن أخطر أعراضه الغرور، والغطرسة، والتعالى، وانعدام الرؤية… والعناد. زين العابدين استولى على منصبه بانقلاب، قال إن سببه هو ديكتاتورية وتجبّر من سبقه، وبشّر شعبه بعهد من الديمقراطية، والعدالة، والكرامة، ثم لم يكد يستقر على مقعد السلطة، التى اعتادت أن تكون مطلقة، فى عالمنا العربى، حتى أصابته العدوى، من مطلقية السلطة، فزيّف الديمقراطية، وقهر العدالة، وأهدر الكرامة…. فقط ليبقى مستمتعا بهذا النفوذ المطلق، حتى آخر نفس فى صدره، ولأن هذا غير طبيعى، ولأن السلطة المطلقة مفسدة، وتصيب صاحبها دوما بمرض الوسواس القهرى، وتدفع إلى رأسه آلاف الكوابيس، حول من يخططون لانتزاع السلطة منه، كما انتزعها هو من غيره، فقد لجأ إلى قهر شعبه، وأطلق يد الأمن فيه، ولم يبال إلا بنفسه وبقائه…. وفى كل مرة، يأتى من يحذره من مغبة هذا، أو يغضب الشعب من تجاوزاته، وتجاوزات عائلته، كان يتشبّث بالعناد، ويتمادى فى غيه أكثر وأكثر، ويعتمد فقط على أمنه، وعلى تزوير الانتخابات، حتى لم يعد شعبه يحتمل، فبدأ أوّل ثورة فى المنطقة العربية، وكسر عناده، وأسقط نظامه، وأجبره على الفرار كالأرنب، بعد أن كان يزأر كالأسد، وهو على مقعد السلطة المطلقة، ليبعث فى قلب كل عربى، يعانى من نظام حكم مستبد، الأمل فى الخلاص، والرغبة فى الثورة.

وفى مصر، كان لدينا رئيس، لم يكتف بثلاثة عقود من السلطة المطلقة، وإنما قرّر أن يمد حطمه إلى وريثه، حتى يقهر شعبه أكثر وأكثر، ويضمن التغطية الممتدّة على فساده، وفساد حاشيته، التى أدركت أنه أضعف من المنصب الذى يحتله، وأن غرور وريثه يجعل السيطرة عليه أسهل وأسهل، فعاثت فى الأرض فسادا، واستباحت مصر وأرضها وخيراتها وشعبها، ودفعته إلى إطلاق يد الأمن فى شعبه، حتى تضمن مطلق السيطرة، والقدرة على نقل السلطة إلى الوريث، عندما يحين الوقت…. كل هذا وهو نفسه يتباهى، فى كل مناسبة، بأن لديه دكتوراه فى العناد، وأن رأسه ناشفة، بالتعبير الدارج…. وحتى عندما أنعشت ثورة تونس الأمل فى النفوس، بعد سنوات من الغضب المعلن، والاحتجاجات العديدة والواضحة، وخرج الشعب ثائرا، فى الخامس والعشرين من يناير، لم يستطع التخلى عن عناده وغطرسته، وجاء ظهوره المتأخّر ليشعل الشارع أكثر وأكثر، وجاءت كل خطبة من خطبه لتؤجّج نيران الثورة والغضب فى النفوس، وظل متشبثا بمقعد السلطة المطلقة، ولم يتعلّم شيئا ممن سبقه….

***

الرئيس السابق أكد أنه أستاذ فى العناد، عندما تشبّث بالسلطة، على الرغم من ثورة شعبه، وسار على النهج نفسه، بما تصوّر أنه مسكنات مضمونة، قد تطفئ نيران الثورة، وبعد ثلاثة عقود من الحكم، كان أمامه خلالها أكثر من فرصة، ليجعل بلاده نموذجا للديمقراطية والعدالة، بدأ يتحدث مثل زين العابدين، عن إطلاق الحريات، وضمان العدالة والنزاهة والشفافية، وحتمية تداول السلطة، حتى صار أشبه بمن يقرّر التوبة، وهو واقف أمام أبواب الجحيم، وتلفحه نيرانه المهلكة… ولم ينفع يومها العناد، ولم تنقذه غطرسته، ولا غطرسة وريثه، فقد كان الأوان قد فات، وأثبت نظامه أنه، على الرغم من كل ما فعله، نظام هش متهالك، انهار فى ثمانية عشر يوما، ليبث الأمل فى أربع مناطق فى آن واحد، فى ليبيا، واليمن، والبحرين، وسوريا… فانهيار النظام فى مصر، وهى أقوى دولة عربية فى المنطقة، ومدعومة بتأييد أمريكا وإسرائيل نفسها، أطلق فى رؤوس وقلوب الشعوب سؤالا واحدا: ولم لا؟! واشتعلت الثورات، واحدة بعد الأخرى… وتكرّر السيناريو نفسه، كأن أحدا من الطغاة، لم يشاهد هذا الفيلم من قبل، وبدؤوا كلهم يكررون المشاهد ذاتها، على نحو مبتذل… احتجاب تام فى البداية، ثم وعود بإصلاحات وتعديلات وبلح أمهات… ثم، على عكس ما حدث عندنا، خضعت الجيوش للأنظمة، وبدأت فى محاربة شعوبها، بكل عنف ووحشية وشراسة ودموية… كان القذافى، صاحب العقل اللا عقلانى، هو أول من نفد صبره، وطاح كالثور الهائج فى شعبه… وأيضا بالعناد، وانهالت علينا خطبه المختلة، التى صارت فقرة ناجحة فى البرامج الكوميدية، ودليلا على أن قصرية أحمد رجب ومصطفى حسين، التى ربطوها به لفترة طويلة من الزمن، كانت كامنة فى جمجمته، تحل محل مخه… وفى كل مرة يحقق فيها الثوار انتصارا، كان عناده وعناد وريثه يزداد، وكلماتهما تشعل أكثر مما تطفئ، هذا فى حالة ترجمة خطب العقيد نفسه، من اللغة التوكتوكية، إلى واحدة من اللغات الحية المعروفة، أما عن كلمات وتصريحات سيف الإسلام المتعالية المتغطرسة والمستفزة، فقد كانت الوقود الحقيقى للثورة، تؤججها، وتذكى نيرانها، وتؤكد لأصحابها أنه ما من سبيل سوى الخلاص.. والخلاص وحده.. الشىء الذى لم يدركه بن على، أو مبارك، أو القذافى، أو حتى صالح والشبل، أنه إذا ما اشتعلت ثورة الشعب، فلا مجال للتراجع عند الطرفين، وأن الأمر يتحول إلى مسألة حياة أو موت، فلو خمدت الثورة، سيتم التنكيل بالملايين، وسيقوى نظام الاستبداد أكثر، ولا يهم هنا من يحيا ومن يموت…

***

وأخيرا سقط نظام القذّافى، ديكتاتور ليبيا، وملك ملوك الوز فى إفريقيا، وزعيم عنبر المخبولين فى عباسية طرابلس، ونقيب سائقى التوك توك فى سرت، وحامل المظلة الذهبية، وكثير وكثير من الألقاب، التى كان يطلقها على نفسه، بمناسبة ومن غير مناسبة…. سقط نظام القذّافى، ودخل الثوّار طرابلس، وسيطروا على كل شىء، حتى المطار والتليفزيون الليبى، والتوك توك الشهير، ولم يسقط عناد القذّافى، ولم تسقط غطرسة وريثه، وكان هذا دليلا أكيدا، على أن الخبل وراثى، وأن القصرية كانت شعار الحكم الليبى لأربعة عقود، فبعد أن اعترفت مصر بالثورة، وسلّمت السفارة الليبية للثوّار، واعترفت بها الجامعة العربية، ومنحتها مقعد ليبيا، ظل القذّافى ووريثه يتحدثان عن السيطرة، والقوة، وتأييد الشعب لهما!! كانا وكأنهما ما زالا يعولان على مرتزقة إفريقيا، ليخلصوهما من الشعب الليبى، باعتبار أنهما سيستوردان بعدها شعبا جديدا على الزيرو، وسيعينان مصممى أزياء العقيد، لتصميم شىء مثل ما كان يرتديه فى كل مناسبة، والذى يعجز أى إنسان طبيعى عن تمييز بدايته من نهايته، وجعله الزى الرسمى للشعب الجديد، حتى ينشغل بمحاولة ارتدائه أو تمييزه، فلا يفكّر فى الثورة لفترة طويلة…. هذا ينقلنا إلى اليمن، وإلى ديكتاتوره، الذى قام بعملية فرار احتياطية، تحسبا للنتائج، التى لا بد أنه قد أدركها الآن، ولكن هذا لن يؤثّر فى عناده، لأن عناد الطغاة مرض يصعب الشفاء منه، إذ إن فيروسه يهاجم العقل مباشرة، فينتزع منه كل حكمة، ويزرع بدلا منها الغطرسة والتعالى، فنراهم، حتى بعد سقوطهم، يتحدّثون ويتصرّفون، وكأنهم ما زالوا فى السلطة… أما شبل سوريا، فهو حدوتة أخرى…إنه أوّل وريث فى المنطقة، يحتل ويرث مقعد السلطة فعليا، ومن الواضح أنه آخرهم أيضا، وعلى الرغم من أن الخبراء العسكريين (الإسرائيليين)، يؤكدون أنه سيبقى فى السلطة، بسبب تأييد إيران له، فإن القاعدة نفسها تنطبق عليه، كما انطبقت على غيره، وشعبه الذى ثار، طوال الأشهر الماضية، لم يعد لديه سبيل للتراجع، حتى ولو صوّب جيشه كل مدافعه نحوه، لأن الأمن الثورى، ومع الثورة، اعتقل الآلاف بالفعل، والجيش يقتل المئات، ولن تكون النتيجة، إذا ما تراجع الشعب، سوى أسوأ من هذا ألف مرة، حتى إن النظام السورى قد يحوّل عندئذ مدنا كاملة إلى معتقلات، وأخرى إلى مدافن جماعية، لذا فلا سبيل سوى الاستمرار…. وفى رأيى هى مسألة وقت، فسرعان ما سنرى سقوط نظام الشبل فى سوريا، وملك القات فى اليمن، ومن يدرى من سيأتى عليه الدور بعدهما، ومن سيصر على نهجه، ويصر على البقاء فى مقعد السلطة المفسدة؟ بالعند

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (3 منشور)

avatar
Sabahat 09/04/2013 02:43:17
Super jazzed about gteting that know-how.
avatar
btugqux 11/04/2013 20:12:37
i3LmGp <a href="http://eonfvtggqtkh.com/">eonfvtggqtkh</a>
avatar
Omega Replica 02/04/2017 22:33:10
All Styles Omega Replica Watches For Men And Women, Offcial Cheap Swiss Replica Omega UK Watches Online Centre.
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال