الرئيسية | مقالات | لعبة التخوين!!

لعبة التخوين!!

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
لعبة التخوين!!

عندما اندلعت ثورة الخامس والعشرين من يناير، كان المفترض منها -كأي ثورة- أن توحَّد الصفوف، وتجمع الشعب كله في بوتقة واحدة، باعتبار أن مصطلح الثورة يعني أن شعبا قد توحَّدت إرادته، من أجل هدف واحد، وهو الخلاص من الظلم والطغيان، وبناء مجتمع جديد، يقام على أسس سليمة من الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية..

ولكن العجيب أن هذا لم يحدث..

مطلقا..

حتى في أيام الثورة الأولى، انقسم الشعب إلى قسمين..

قسم ينشد الخلاص من نظام الطغاة..

وقسم آخر -ويا للعجب- يؤيده، ويطالب ببقائه..

ولكن الإرادة العظمى تمثّلت في الخلاص..

وقد كان..

سقط نظام جبار عتيد، تحت الإرادة الشعبية الجارفة..

سقط وانهار، في ثمانية عشر يوما فحسب..

وكان هذا دليلا على هشاشته..

وضعفه..

ورفض الشارع في معظمه لوجوده وبقائه..

والأمر الذي لا يمكن إنكاره، مهما بلغ غضبنا، هو أن مؤازرة الجيش للشعب كانت السلاح الأقوى الذي به نجحت الثورة، وأن الجيش قد أعلن تبنّيه للثورة، منذ يومها الأول، ولم يطلق رصاصة واحدة على الشعب، على عكس جيوش دول عربية أخرى، أطاعت النظام وخضعت لأوامره، وأطلقت رصاصاتها في قلوب مواطنيها، فلم تضع ثوراتها أوزارها، حتى لحظة كتابة هذه السطور..

ولو حسبناها بالعقل ودون انفعال؛ فالجيش شريك أساسي وفعَّال في الثورة، ولا يمكن فصله عنها أو اتهامه بخيانتها، وإلا كان في هذا انفصال للثورة، وبداية انهيارها..

ولكن العجيب أن أحدا لم يحترم هذا..

فلم يمضِ أسبوع واحد، على نجاح الثورة، حتى كان هناك مَن يهاجمون الجيش في شراسة، ويتهمونه كل لحظة بالخيانة والتواطؤ مع النظام الذي لولا انضمام الجيش إلى الثورة ما سقط.

وعندما لام الشعب مَن يهاجمون المجلس العسكري للجيش، خرج بعضهم بقول حق، يراد به باطل، عندما قال: إنه لا يهاجم الجيش، ولكنه يهاجم المجلس العسكري فحسب..

وتعالوا نحسبها..

من أصدر قرار تبنّي الثورة، والوقوف معها، ضد نظام فاسد..

أهو الصول "علي"..

أم الشاويش "حسن"..

أم الملازم"أمجد"؟!

أليس هذا المجلس العسكري، وهو الذي قرَّر الانضمام إلى الثورة؟!

أليس هو من اتخذ القرار؟!

إذن فالمجلس العسكري هو الشريك الأساسي في الثورة..

فلماذا لعبة التخوين؟!

لماذا؟!

الحديث القدسي يقول: "أنا ثالث الشريكين، ما لم يخن أحدهما الآخر، فإن خانه، خرجت من بينهما"..

فهل تدرك معنى هذا الحديث القدسي؟!

هل تستوعب مضمونه؟!

هذا لا يعني أن المجلس لم يرتكب بعض الأخطاء في مساره، فهذا أمر طبيعي؛ لأنه مجلس عسكري، مهمته التخطيط للحرب والقتال، ولكنه يتعامل مع كل ما يتعلَّق بالدولة..

السياسة..

والاقتصاد..

والأمن..

وكل ما نحتاجه في حياتنا اليومية..

وبالنسبة إليه، هذه تجربة جديدة..

ومرهقة..

وشديدة الصعوبة، في فترة شديدة التعقيد..

ثم إن كل أفراده من البشر..

وكل البشر يخطئون..

وشباب الثورة أنفسهم ارتكبوا عددا من الأخطاء..

ارتكبوها عندما أغلقوا الطرقات..

ومنعوا دخول مجمَّع التحرير..

وعطّلوا الأعمال..

وأغضبوا الشارع..

ولكن الخطأ شيء، والخيانة شيء آخر..

فكل بشرى يخطئ..

كل بشري..

بلا استثناء..

ولكن ليس كل بشري يخون..

فالخطأ أمر غير مقصود..

أما الخيانة، فهي فعل متعمَّد..

مقصود..

وحقير..

والقانون نفسه يعتبر التخوين جريمة، يعاقب من يتهم غيره بها، ما لم يبرز دليلا لا يقبل الشك على هذا..

وهذا لم يحدث أبدا..

فقط تخوين..

وتخوين..

وتخوين..

ومن العجيب أن بعضهم يتعامل بغطرسة وتعالٍ، عندما تخبره أن الجيش أحد أسباب نجاح الثورة، ويؤكَّد لك أنه لم يكن أمام الجيش بديل، وأنه لم يكن يملك سوى هذا..

وغطرسته وتعاليه يتضاعفان، إذا ما أشرت إلى أن هذا لم يحدث، في كل الثورات الأخرى المحيطة بنا..

وهذه لعبة غير منطقية على الإطلاق..

حتى من الناحية العلمية..

فلا وجه للمقارنة -علميا ومنطقيا- بين أمر حدث، وصار حقيقة واقعة، وبين فرضية جدلية، يستحيل أن يؤكَّد أحد، أو ينفي حتمية حدوثها؛ لأن ذلك يندرج تحت نظرية "لو" التي تفتح عادة عمل الشيطان، وتثير جدلا لا قيمة له؛ لأن ما حدث قد حدث، والعودة إلى ما سبقه ليست واردة.

أو بمعنى أبسط، لا أحد مطلقا يستطيع أن يجزم، بما كان يمكن أن يحدث، لو لم يؤيد المجلس العسكري الثورة، ويتبنى مطالبها، منذ اليوم الأوَّل لنزوله إلى الشارع، واحتفاء الناس بظهوره.

ولكن القول بأن الجيش لم يكن يستطيع أن يتصدَّى للثورة، فهو قول مغلوط، ومتغطرس، وشديد التعالي، وأصحابه يقولون هذا من منطلق ما كان بالفعل، وليس من منطلق ما كان يمكن أن يكون.

لعبة التخوين إذن مرفوضة، وليس من حق أي شخص تخوين الآخر، ولا هو حق لأي فئة، أن تخوَّن فئة أخرى؛ فكلنا نحيا تحت ظل علم واحد.

علمنا..

علم "مصر".

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (3 منشور)

avatar
Captain 28/08/2011 17:00:07
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
مقال جميل يا دكتور،
وفي الوقت المناسب،
للأسف لم تعد هناك ثقة بين طوائف وفئات الشعب المختلفة،
كل طائفة تشكك في الأخرى، وكل طرف يخون الآخر، والمواطن البسيط هو الضحية في النهاية،
المجلس العسكري ليس فوق النقد، لأنهم بشر، والبشر يخطئون، وبالتالي انتقادهم ليس جريمة أو عيبًا،
ولكن العيب والخطأ هو أن نشكك في ذممهم، ونواياهم، في فترة حرجة كالتي نمر بها حاليًا،
صحيح أن هناك بطء ملحوظ في إجراءات الإصلاح، ولكن لماذا يكون التخوين هو أول الوسائل التي نعلن بها عن سخطنا؟!
لماذا لا يكون هناك نقد بناء وحوار حضاري؟!
لكِ الله يا مصر.
avatar
Rose 21/08/2013 18:35:22
I aprteciape you taking to time to contribute That's very helpful.
avatar
Kevin 28/08/2013 01:57:01
The forum is a <a href="http://nvsztsw.com">brhegtir</a> place thanks to your posts. Thanks!
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال