الرئيسية | مقالات | الحق والمستحق

الحق والمستحق

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الحق والمستحق

منذ اندلعت ثورة يناير، والكل يتحدث عن الحقوق.. ولا أحد فى الوقت نفسه، يرعى أى حقوق، فالكل يتحدث عن حقه وحده، ويرى، لأنه لم يمارس الديمقراطية فى حياته قط، أنه من حقه أن يجور على كل حقوق الآخرين، من أجل حقه هو، وحتى مفهوم الحقوق نفسه فقد معناه، وتحول إلى البلطجة على كل شىء، وأى شىء، باسم الحقوق، ولعل أبرز صورة لهذا التناقض، ذلك الحديث الذى تسمعه دوما، عن حق الاعتصام، الذى هو حديث حق، يراد به باطل، لا يدرى أصحابه حتى إنه باطل، فكل دول العالم المتحضر تؤيد حق الاعتصام، ولكنها تواجه، وبمنتهى الشدة، أى تعطيل لعمل وحياة ومصالح الآخرين، تحت هذا الاسم.. فمن حقك بالطبع أن تعتصم، وتعلن مطالبك، وتصر عليها، وتحاول إقناع الآخرين بها بشتى الطرق، التى لا يدخل فيها استخدام القوة، أو إغلاق الطرق، أو منع الآخرين من ممارسة أعمالهم، أو كسب رزقهم، فهذا لا يجعلك، فى نظر العامة معتصما، يطالب بحقوق مشروعة، بل يحولك، فى نظرهم أيضا، إلى بلطجى، يحاول فرض إرادته عليهم بالقوة.

والفارق، حتى بالنسبة إلى المعتصم نفسه، كبير جدا جدا… الفارق الجوهرى، بين الاعتصام السلمى، ومحاولة فرض الرأى بالقوة، هو تأييد الشارع، أو رفضه الموقف، الذى ينعكس بلا وعى، على تأييد ورفض المطالب نفسها، التى قد تكون عادلة جدا، ومشروعة جدا جدا، ولكن تم التسويق لها بأسلوب خاطئ جدا جدا جدا، فالسياسة مثلها مثل أى عملية تسويق أخرى، تحتاج إلى مندوبى تسويق أذكياء، قادرين على تحويل الفسيخ إلى شربات، بأسلوبهم فى عرض ما لديهم، أما المندوبون غير المؤهلين، وغير العاقلين، الذين يؤمنون بما يسوقونه إيمانا شديدا، فهم يندفعون إلى أساليب تسىء إليهم وإليه، ويجعلون الشربات يبدو فسيخا، فى نظر الآخرين.

مندوب التسويق البارع الناجح، هو من يدرك أن ما يراه بعينيه، ليس هو ما يراه كل الآخرين بأعينهم، وأنه من المؤكد أن كثيرين منهم يرونه بشكل مختلف تماما، ومهمته الأساسية، هى أن يساعد أعينهم وعقولهم، على أن تراه بعينيه، وتدرك قيمته وأهميته، دون أن يسىء إليهم، لا بالقول، ولا بالفعل بالطبع، ومهما كان إيمانه بما يسوّقه، فعليه أن يتصرف بمنتهى الحكمة لتسويقه، فحتى الإيمان بالله سبحانه وتعالى نفسه، وهو خالق الكون العظيم، ومانح الروح لكل مخلوق حى، لم يسع نبى واحد لفرض الإيمان به بالقوة، وإنما دوما بالحكمة والموعظة الحسنة، وبحلو الحديث وحسن المعاملة، ولإبراز المثل الأعلى، فى كل من يؤمن به عز وجل، بحيث يصيرون قدوة للآخرين، ودليلا على عظمة الدعوة

***

سؤال مهم: ترى هل يكفى أن تكون على حق، حتى يؤمن الناس بأنك كذلك؟! الجواب هو كلا بالطبع، فقد تكون على حق تماما، فى كل ما تؤمن به، وتكون أهدافك عظيمة، وغاياتك لا خلاف عليها، ولكنك فظ غليظ القلب، فينفض الناس من حولك، بدلا من أن يلتفوا حول دعوتك.. انظر مثلا إلى تلك الأحداث، التى أعقبت الثورة، عندما خرج بعض المنتمين إلى جهات سلفية متطرّفة، يهددون الناس، ويهدمون الأضرحة، ويقطعون الآذان، ويسعون إلى فرض الشريعة بالقوة، وسل نفسك: هل اجتذبوا الناس بهذا للدين، أم نفّروهم منه ومنهم؟! حاول أيضا أن تقرأ تاريخك، وتسأل نفسك: هل لو أن المؤمنين الأوائل أمسكوا سيوفهم، وساروا فى البلاد يهدمون ويبترون، هل كان الناس يدخلون فى دين الله جل جلاله أفواجا، أم كانوا سيخشونهم خشية المغول والتتار فحسب؟! خلاصة هذا أنه ليس من المهم أن تكون على حق، ولكن أن يدرك الناس أنك كذلك.. وعندما يلتف حولك بعض الناس، وتشعر بشىء من القوة، فالخطأ الأكبر هو أن تدفعك هذه القوة لنبذ الآخرين، واتهامهم بكل اتهام فى قاموسك، لأن هذا لن يجذبهم إليك، لكنه سيوسع الفجوة، التى بينك وبينهم، حتى تتحوّل إلى هوة سحيقة، يصعب عليك أنت نفسك تجاوزها.. الحق إذن ليس فصل الختام، بل هو نقطة البداية فحسب، وفى يدك وحدك تكمن وسيلة الانطلاق أو التراجع، والتجاوز فى اللفظ أو الفعل قد يجذب إليك كل من يعشق التجاوز، وكل من فى قلبه مرض الغضب والغل والحقد، وكل من تريحه روح التشفّى والشماتة، ولكنه لا يؤيد مبدأك، ولا يسمو به، إلى ما يستحقه من سمو، والزمن نفسه سيدفع بك إلى أسفل، وليس إلى أعلى لأن تطوّر الحياة يسقط دوما أصحاب اللسان البذىء، أو القول الفظ، وبالطبع أصحاب الفعل القبيح، وهذا ما يثبته التاريخ، فى كل صفحة من صفحاته، وفى كل لمحة من لمحاته، وهذه آيات لمن يقرؤون، ومن يعقلون، ومن يتفكرون.. ومن يتعلمون من التاريخ، وممن سبقهم، فالتاريخ ملىء بأسماء من بدوا فى عيون الغاضبين أبطالا، لأنهم أغلظوا القول، أو تجاوزوا الفعل، مع من غضب الناس منهم أو عليهم، ولكن، لأنهم لم يراعوا حقوق الآخرين، فسرعان ما سئم الناس منهم، ورأوهم على حقيقتهم، عندما أذاب الزمن غضبهم، وابتلع مع مروره حقدهم، واستعادوا رغبتهم فى الاستقرار والشعور بالأمن والأمان، وفى اللحاق بركب الحياة، ومسيرة لقمة العيش، فالناس، حتى الغاضبين منهم، لا يمكنهم الاستمرار فى الغضب دوما، ولا فى التشفّى أبدا، لأن هذا يرهقهم، حتى ولو كنت على ألف حق.

 

د . نبيل فاروق

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (1 منشور)

avatar
AHMED MOUSA 22/08/2011 05:49:53
مقال رائع كالعادة يا دكتور ، و أكيد كلامك سليم تماماً
و للاسف هناك من يتخذون العنف وسيلة لبلوغ أهدافهم دون مراعاة لحقوق الآخرين .
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال