الأسد

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الأسد

لدى مشكلة كبيرة، مع عائلة الأسد، منذ سنوات عديدة، خصوصا مع سنة التوريث، التى سنها حافظ الأسد، التى من أجلها اشتعلت الثورات، فى العالم العربى كله، بعد أن أسال بها لعاب السادة الطغاة، الذين يحكمون العالم العربى كله تقريبا، الذين يعتبرون أنفسهم سادته، وشعوبهم عبيد إحساناتهم، فالرجل لم يكتف أيامها بأنه يحكم شعبه بالحديد والنار، ولا يحتمل كلمة معارضة، التى تصيبه بأرتيكاريا الديكتاتورية، وهى نوع من الأرتيكاريا، لا يعالج بإرادة صاحبه دوما، وإنما بثورة شعبه عليه، ويترك خلفه توابع، تتمثل فى المحاكمة، أو الفرار، أو الإعدام، ومشكلة هذا النوع من الأرتيكاريا، أن المصابين به لا يتعلمون من التاريخ، أو ممن سبقهم أبدا، ويتصورون أنهم سيخالفون سنة الكون، ولن يسقطوا أبدا، ناسين أنهم سيمكرون، ويمكر الله سبحانه وتعالى، وهو خير الماكرين، والأسد الكبير لم يحتمل فكرة الخروج من السلطة، حتى بعد وفاته، ولأنه يدرك أن بلاويه، وبلاوى بطانة السوء المحيطة به، ستنكشف وتصبح فضيحة كبرى، بعد وفاته، ولأن بطانته أيضا كانت تدرك ذلك، فقد أوحى إليه عقله المريض بفكرة التوريث، حتى يطمئن، وتطمئن بطانته، إلى أنه حتى بعد وفاته، سيأتى من هو ستر وغطاء على بلاويه، خصوصا أنه، كأى ديكتاتور، لم يكن يثق كثيرا فيمن حوله، خصوصا قد رأى السادات ينقلب على عصر عبد الناصر، بعد توليه السلطة، على الرغم من أنه ينتمى إلى العصر نفسه، وأدرك أن هذا سيتكرر بعده، ما لم يكن ابنه هو من سيحل محله، ويتولى مقاليد السلطة فى البلاد، ولأن بطانته أيضا لم تكن تثق فى بعضها البعض، فقد وافقت على الفكرة، وأيدتها، وقالت لنفسها وله: إشمعنى يعنى النظم الملكية ؟! وبدأ الأسد الكبير يعد ابنه باسل، لتولى السلطة من بعده، ولكن الحركات الرافضة لم تقبل بالفكرة، فتم اغتيال باسل، وأشيع أيامها أنه قتل فى حادثة، ونقل الأسد الكبير فكرة التوريث إلى الأسد الصغير بشار، وبدأ إعداده للتوريث، وراقب باقى الطغاة التجربة، ومات الأسد، واجتمع البرلمان السورى، ليعدل الدستور فى يوم وليلة، بحيث تتوافق سن المرشح مع سن الوريث، وكان هذا درسا آخر للسادة الطغاة، أنه يمكن السيطرة على الأمور، حتى بتغيير الدستور نفسه، ما دام الطغاة متآزرين، وجاء الأسد الصغير مكان الأسد الكبير، وترقب طغاة العالم العربى رد الفعل، وأدهشهم أن شيئا لم يحدث، وأن لعبة التوريث قد مرت بنجاح، دون ثورة ولا يحزنون، فتساءلوا بدورهم: وليه لأ ؟! وسال لعاب الطغاة أكثر وأكثر، وبدؤوا فى الاستعداد لفكرة التوريث

***

فى نفس الفترة التى تولى فيها الأسد الصغير مقاليد السلطة فى سوريا، توفى ملك الأردن وملك المغرب، وتغيّر نظام الحكم فى تونس، وازداد تعلّق طغاة العالم العربى بفكرة التوريث، وكان ما حدث فى سوريا هو مثلهم الأعلى، فالابن حل محل الأب، والبطانة بقيت على حالها، تواصل استبدادها وفسادها، وتدرّب الأسد الصغير عل ممارسة السلطة والفساد، وتحيطه بعظمة السلطة المطلقة، التى هى مفسدة فى حد ذاتها، والتى تشبه فخا جحيميا، ما إن تدخله، حتى يصعب خروجك منه، إلا بالطبل البلدى، الذى يغريك بالحفاظ عليه، حتى لو أفنيت شعبك كله من أجله… وعلى الرغم من جعجعة الأسد الصغير، وخطبه الرنّانة، فقد ظلت معاناة شعبه على حالها، إن لم تكن قد تضاعفت، وانشغل بالسيطرة على لبنان، باعتبار أن سوريا فى جيبه، وجيب بطانته، مادام يحكمها بالحديد والنار، ويفتح فيها معتقلا جديدا، كل 27 ثانية، وينكّل بكل صاحب رأى أو فكر فيها… وبقى الجولان محتلا، وهو يعد المؤامرات والتآمرات، لاغتيال الشخصيات السياسية البارزة فى لبنان، والسيطرة على مقاليدها أيضا… ثم اشتعلت ثورة تونس، وبدأ الطغاة يقلقون، وخصوصا بعد أن فرّ زين العابدين بن على، وانقلب عليه حزبه نفسه، الذى كان يركع تحت قدميه، حتى ليلة فراره، وبدأ كغيره يتحدث عن أن سوريا ليست كتونس، وهو نفس الحديث الذى قيل فى مصر، فى كل وسائل الإعلام، التى تبالغ اليوم فى تأييد الثورة والثوّار… ولكن ثورة مصر اشتعلت بدورها، ورأى الأسد الصغير وريث مصر يسقط، ومعه النظام كله، من رأسه، وحتى أذنابه، فتحوّل من القلق إلى الرعب، ولكنه، حتى فى رعبه، لم يعرف سوى سياسة الغطرسة والقوة، فدفع أمنه لاعتقال كل من يمكنه أن يشعل الثورة فى سوريا، وقبل أن تكتمل لعبته، فاجأته ثورة ليبيا، وتلك الحرب الأهلية فيها، وتابع مثلنا أكبر مسرحية دموية هزلية فى تاريخ المنطقة، مع تصريحات العقيد، الذى ظل عقيدا لأكثر من أربعين عاما، والتى تحتاج إلى ترجمة فورية، من قاموس المصطلحات القذافية، إلى اللغة العربية المفهومة، وأدرك أن سياسة التوك توك والشمسية لا تجدى شيئا، وتساءلنا نحن «كيف لم تندلع الثورة فى سوريا بعد، وهى التى بدأت سياسة التوريث، التى اندلعت من أجلها وبسببها باقى الثورات، فى ليبيا واليمن وغيرها، مما سيأتى حتما مع الوقت؟»، ولكن سوريا لم تخذلنا، ولم ترضخ لطغيان نظام الأسد الصغير ونظم قمعه… وثارت… وفى ثورتنا، أيّد الجيش الثورة، فانتهت سلميا إلى حد ما، فى 18 يوما

***

من أفضل ما حدث فى الثورة المصرية، أن الجيش، الذى يهاجمونه اليوم ليل نهار، قد أيّدها من اللحظة الأولى، ورفض أن يطلق رصاصة واحدة على المتظاهرين، والذى اتخذ هذا القرار لم يكن الصول على، ولا الشاويش محمد، بل كان نفس المجلس العسكرى، الذى يشكّكون فى نزاهته عمال على بطال، ولكن الوضع فى ليبيا كان يختلف، فقد بدأ الجيش فى قمع الثوّار، وقتلهم بلا رحمة، ولذلك طال الأمر هناك، وتحول إلى حرب أهلية، أدّت إلى انقسام ليبيا، على نحو شبه رسمى، وكان على الأسد الصغير أن يتابع تداعيات الأمر فى مصر وليبيا واليمن، ومع ما يراه من غضب شعبى على مبارك ونظامه، ومطالبة الكل، ليس بمحاكمتهم فحسب، ولكن بإعدامهم أيضا. حسم الأسد الصغير موقفه، وأدرك أنه لو سقط نظامه، فلن يكون هناك فارق، بين قتل متظاهر واحد أو مليون متظاهر، فالإعدام لا يحدث مرتين، والفرار لن يؤدّى إلا إلى حياة بائسة، كما أثبت فرار زين العابدين، إذن فالفرصة الوحيدة للنجاة، هى المقاومة.. ولأن سوريا قبلية، والجيش كله، بكل وحداته، يقوده الموالون لنظام الأسد الصغير، فقد قرر أن يشن حربا على شعبه، الذى وصفه بأنه من الإرهابيين، باعتبار أن كل من يطالبه بالرحيل، هو حتما إرهابى، فالإرهابى وحده، من وجهة النظر الأسدية، من يرفض القمع والظلم والديكتاتورية.. وبلا وازع من ضمير، أو ذرة من الرحمة، بدا يطحن شعبه طحنا، فى معركة بقاء، لم يعد يهمه فيها أن يبيد نصف الشعب، ما دام سيحكم بعدها النصف الآخر بحديد أكبر، ونار أكثر.. الشىء الذى لم يدركه القذافى، ولا صالح، ولا الأسد الصغير حتما، هو أنها معركة بقاء، بالنسبة للشعب أيضا، فقد كسر الحاجز أخيرا، وثار على الظلم والديكتاتورية والقمع، ولم يعد من الممكن أن يتراجع، وإلا فالظلم سيتضاعف ألف مرة، والديكتاتورية عشرة آلاف مرة، والقمع مئة ألف مرة.. الشعب خرج ولن يعود، والثورة بدأت ولن تنتهى، إلا بسقوطه وسقوط نظامه.. باختصار لم يعد أمام أى الطرفين خيار التراجع.. هو سيواصل قمعه، وطحن شعبه، وإراقة دماء آلاف الشهداء، والشعب سيواصل ثورته، حتى ولو أراق المزيد والمزيد من الدماء الطاهرة.. والمؤسف أن الكل ينتظر الحل من قوات التحالف، لأنه لن يأتى حتما من عالم عربى، ما زال يرتعد من احتمال ثورات مماثلة، ولن يؤيد أى ثورة، على أى نظام، مهما بلغ طغيانه.. ولكننى فهمت أخيرا ما يحدث فى سوريا، فمن الأسد الكبير إلى الصغير، يبدو أن النظام هناك يحتم أن يكون الرئيس ابن (…..).

 

د . نبيل فاروق

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (5 منشور)

avatar
AHMED MOUSA 19/08/2011 04:22:31
مقال رائع جداً كالعادة
و للاسف ما يحدث الان يجعلنا ندرك قيمة الجيش المصري العظيم .
avatar
Captain 27/08/2011 06:02:56
ألا إن نصر الله قريب
avatar
كشف تسربات المياه
avatar
<a href="http://www.internationers.com/groups/29481">كشف تسربات المياه</a>
avatar
http://www.internationers.com/groups/29481
المجموع: 5 | عرض: 1 - 5

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال