الرئيسية | مقالات | لسة فاكر

لسة فاكر

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
لسة فاكر

يبدو أن الحديث الذي لا ينقطع ولا يتوَّقف، ولا يشفي من علل، حول الثورة وتداعياتها وتطوراتها، قد أنسانا مسار الحياة الطبيعية، وشغل عقولنا بالسياسة دون غيرها..

لم أنتبه إلى هذا إلا عندما سجَّلت برنامجاً إذاعياً لشهر رمضان حول الذكريات التي ترتبط بأغنيات سمعتها وعشت معها في كل مرحلة من مراحل العمر، وهو ما أعادني إلى ذكريات قديمة تصوّرت لفترة أنها قد غابت عن عقلي تماماً..

لقد أدركت أنني قد عشت حياة طويلة، وأحداثاً عديدة..

ففي طفولتي عشت في عصر جمال عبد الناصر، وعاصرت كيف كان الناس يعشقونه، وكيف كانت مواكبه دوماً بسيطة، يسير فيها في سيارة مكشوفة، والجماهير تعدو بجوارها مباشرة؛ حتى إن بعضهم كان يصافحه يداً بيد، والرئيس يبتسم، ويصافح كل من تبلغه يده، ولم أشاهد حارساً واحداً من حراسه الشخصيين يُبعد أحداً، أو ينهره، أو يرمقه بنظرة قاسية مهددة..

ولم يكن ناصر أيامها بلا أعداء..

لقد ألغى الألقاب، وصادر الأراضي، وأزاح السياسيين القدماء، وأمّم المصانع والشركات، وصنع من أصحاب كل هذا أعداء..

ولكنه ظل يركب سيارة مكشوفة..
وظل يصافح كل من يصل إليه..
وراجع ألف مرة كلمة "كل من يصل إليه" هذه..

لم أكن أدرك شيئاً عن السياسة آنذاك، ولكنني كنت أرى كيف كان والدي شديد الحرص على ألا يفضي بما في داخله أمام أحد، وكيف كان حذراً من كل صاحب منصب رسمي..

لم أفهم أيامها لماذا..
ولم أحاول حتى أن أفهم..

وذات يوم في يونيو 1967، ذهبت إلى حمام السباحة في نادي طنطا، وكنت قد التحقت لأول مرة بفريق السباحة الرسمي بالنادي، وكان هذا أول أيامي في التدريبات الرسمية..

وبمنتهى الفخر، ارتديت زي السباحة، واستعددت مع الفريق للتدريب الأول، وفجأة.. انطلقت صافرة الإنذار..

لم أكن قد سمعتها من قبل؛ لذا فلم أفهم في البداية ما يعنيه هذا، حتى وجدت مدرب الفريق يهتف بنا  للخروج من الماء، والاحتماء بأي مكان..

ولم تمض دقائق، حتى طلب منا ارتداء ثيابنا، والعودة إلى منازلنا، وأخبرنا في فخر أننا قد تعرضنا لهجوم إسرائيلي، ولكن قواتنا أسقطت خمس طائرات..

صرخنا من الفرح، وارتدينا ثيابنا بالفعل، وعدنا إلى منازلنا..

وبدأت أخبار الحرب تتوالى عبر الإذاعات المختلفة، وعلى صفحات الصحف.. وبسرعة ارتفع عدد الطائرات، التي أعلنا عن إسقاطها إلى عشرين، ثم خمسين.. ثم مائة طائرة..

وبدأ الشك يتسرَّب إلى قلوب الجميع..

ولم تمض أيام، حتى خرج علينا الرئيس جمال منكسراً، يعلن مسئوليته عن النكسة التي حدثت، ويعلن تنحيه عن السلطة..

واشتعلت مصر، من أقصاها إلى أقصاها..

الجماهير كلها خرجت في تلقائية حقيقية؛ لمطالبة عبد الناصر بالتراجع عن قرار التنحي..

وكاذب هو من يدَّعي أن هذا كان أمراً مدبراً؛ فعلى الرغم من أنني لم أتفق قط مع عصر عبد الناصر؛ إلا أنني قد عشت هذه الحالة بنفسي، ورأيت كيف خرج الجميع في تلقائية للغاية؛ لمبايعة ناصر..

وكما تمر كل الأمور، مرت هذه الفترة، وبدأت مرحلة بناء الجيش، وعشنا أياماً شديدة، نطلي فيها كل نوافذنا باللون الأزرق، ونقيم حوائط صد، أو أجولة رمال أمام مدخل كل بناية، وتعقيدات أخرى عديدة، أضف إليها تلك الأعداد من المهاجرين من مدن القناة، الذين عاشوا في حالة يرثى لها، في بعض المدارس، أو البيوت سيئة البناء والتهوية..

كانت أياماً مرهقة، شهدت أحداثاً رهيبة، عشت كل لحظة منها، من قصف مدرسة بحر البقر، ومصنع كيماويات أبو زعبل، إلى قصف الرادارات في بلطيم، إلى قصف المدنيين في مدن القناة، وردودنا على كل هذا بحروب الاستنزاف، التي أرهقت العدو الإسرائيلي، ودفعته إلى حث أمريكا على طرح مبادرة "روجرز"، التي قبِلها جمال عبد الناصر؛ ليجد فرصة بناء حائط الصواريخ، الذي كان له أكبر الأثر في حرب أكتوبر 1973 فيما بعد..

وتصورنا أن الأمور بدأت تسير على طريق الاستعداد، قبل أن يفاجئنا خبر رهيب، في أواخر سبتمبر 1970..

مات جمال عبد الناصر..!

وكما خرج الناس بتلقائية لمطالبة ناصر بالعودة عن قرار التنحي، فقد خرجت مصر كلها عن بكرة أبيها، وانضم إليها زعماء معظم الدول في أكبر وأضخم وأعظم جنازة شهدتها مصر أو ربما شهدها العالم كله..

وبدأ عصر جديد..
عصر السادات

جاء السادات مع أول سنوات دراستي الثانوية، ورفَضَه الناس في البداية، كتداعٍ طبيعي لمجيئه بعد زعيم مثل جمال عبد الناصر، وأدرك هو هذا، وأدرك أكثر أن مجموعة جمال تحاول السيطرة عليه وقيادته؛ بحيث يصبح ألعوبة بين أيديهم، يضعونه في المواجهة، ويحكمون هم من وراء الستار..

ولكن السادات لم يكن شخصاً عادياً..
لقد كان سياسياً محنكاً..
وداهية على كل المستويات..

لقد أدرك هذا وصبر واحتمل، حتى قاموا هم بالخطوة الأولى؛ لإخضاعه والسيطرة عليه..
وهنا ضرب ضربته..

وكما صحونا ذات يوم في عصر ناصر على سقوط أقوى رجل في مصر، وهو المشير عبد الحكيم عامر، وتحديد إقامته، ثم قتله فيما بعد، وإزاحة كل رجاله عن السلطة، ومحاكمتهم، وكان هذا أمراً مذهلاً في أيامها، صحونا مرة أخرى في 15 مايو 1971 على سقوط مجموعة من أقوى رجال مصر -الذي كان مجرَّد ذكر اسمهم يثير الرجفة في القلوب- واعتقالهم، وتوجيه اتهامات الفساد واستغلال النفوذ إليهم..

والآن، ومع تلك الذكريات، أدرك كم كنت محظوظاً؛ بأن أشاهد سقوط نظامين رهيبين، تصوَّر كل منهما أنه سيبقى أبداً..

المهم أن السادات بعدها بدأ مرحلة جديدة في تاريخ مصر..
أطلق عليها حرية الصحافة، وهدم المعتقلات، وأوقف التصنت على التليفونات..
في البداية تصوَّرنا أنه عاشق للحرية..

ثم، ولأنني كنت أكثر نضجاً، فقد فهمت اللعبة بسرعة..

فمع انطلاق حرية الصحافة، بدأ عصر الهجوم الشرس على أيام جمال عبد الناصر..
وكانت الحملة شرسة للغاية..
حملة لهدم عصر عبد الناصر..
وأحلام عبد الناصر..
وحتى عبد الناصر نفسه..

وعلى الرغم ما في هذا من تجاوز، فقد كان عدلاً إلهياً إلى حد كبير..

لقد هدم عبد الناصر عصر الملك فاروق، وسمعة الملك فاروق، ثم أمر بقتل الملك فاروق نفسه، عندما بدأت المخابرات الأمريكية تجري اتصالاتها به، خشية أن يكون هذا مخطط إعادته إلى السلطة..

وكان التداعي الطبيعي هو أن يذوق ناصر من الكأس نفسه..
ولكن الهجوم على السادات لم يتوَّقف..

وخرج شباب الجامعات يهتفون ضده، ويطالبون بسرعة الحرب، وبدأت المباحث العامة -التي أصبحت فيما بعد مباحث أمن الدولة- في اعتقال العشرات منهم، وبدا للكل أن السادات بات مرفوضاً جماهيرياً..

ولكن فجأة، وبلا مقدمات، اندلعت حرب أكتوبر 1973..

 وهذه ذكرى أخرى..

 

د . نبيل فاروق 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (4 منشور)

avatar
turn back 16/08/2011 06:07:23
الفرق بينا وبينكوا .. انتوا عشتوا الكفاح ضد مستعمر كان الاستقلال والحريه هدف قومى اما الان الحريه موجوده حكق مكتسب الكفاح من اجل لقمة العيش ومع الاسف هذا امر انواع اكفاح ان يكون هدف الانسان ان يعيش يومه فقط ولا يفكر فاليوم التالى الا عند الاستيقاظ
avatar
Catherine 03/08/2014 20:39:46
Your posting is abstuloely on the point!
avatar
Joao 04/08/2014 14:44:29
I found myself nodding my noggin all the way <a href="http://oxgjvnd.com">thhrguo.</a>
avatar
Makbel 06/08/2014 17:04:39
Yo, good <a href="http://detsch.com">loiokn</a> out! Gonna make it work now.
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال