الرئيسية | مقالات | فن الثورة

فن الثورة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
فن الثورة

 

 

 

 

تاريخ العلم يحوى الكثير من الثورات، والكثير والكثير من التجارب، فى إدارة وتسيير الثورات، فمنها ما نجحت، وصنعت أمما عظيمة، مع مرور الوقت، ومنها ما قادت أمما أخرى إلى هاوية، تمنت فيها العودة إلى زمن ما قبل الثورة.. والتاريخ يذكر لنا ثورات، حقّقت نجاحا مبهرا فى بداياتها، ثم لم تلبث أن انقلبت على أعقابها، وتحولت إلى كابوس أسود، جثم على أنفاس شعبها، حتى دفعه إلى ثورة جديدةعلى الثورة..

والتاريخ مدرسة عظيمة، لمن يدرك قيمته، ودروسه مدهشة، تجعلك تتصور أن قراءة المستقبل تكمن فى التاريخ، وأن من يطالع تاريخ الثورات السابقة وتطوراتها،يمكنه وبيسر، استنتاج ما يمكن أن تصل إليه أى ثورة حديثة، حسب المسار الذى تتخذه،فصحيح أن الأزمنة تختلف، والتكنولوجيا تتطور، ولكن البشر يبقون على حالهم، لأنهم فى النهاية بشر، لهم تكوين ونفسية وطبائع أى بشر، ونزعاتهم دوما هى الغالبة على تصرفاتهم، فى أى زمان ومكان، ولهذا كانت الشرائع والقوانين، التى تهذب أساليبهم، أو تجبرهم على اتباع النهج الصحيح.. ولكى تتعلّم فن الثورة بحق، عليك أن تقرأ التاريخ، أما لكى تدرك خطورة الثورات المضادة، فعليك أن تدرس عمليات المخابرات العالمية السابقة، فتعلم كيف أن عددا قليلا من رجال المخابرات، مدعومون بأجهزة قوية مدرّبة، وأقسام فنية، خبيرة بالطبائع البشرية، استطاعت أن تهدم ثورات كاملة،

أو تعدّل مساراتها، إلى مسارات عكسية تماما، بل وأن تعيد حكاما مخلوعين، أو حتى منفيين إلى كرسى الحكم.. والوقود الوحيد لتلك الثورات المضادة كان الثوار أنفسهم،الذين تستغل أنظمة المخابرات حماسهم واندفاعهم، لتهدم بهم كل ما حققوه، وتحوّلهم

فى نظر الشعب، الذى هو قوة الثورة الحقيقية، إلى أعداء، يهددون أمنه واستقراره، فيسعى لمعاداتهم والغضب منهم، ويتجه، بالطبيعة البشرية الساعية دوما إلى الأمان،إلى خصومهم، لينقذوه منهم، وهو ما يعد أكبر طعنة، توجّه إلى أى ثورة، وهى الخطوة الأقوى، لنجاح أى ثورة مضادة، لأن الدافع الرئيسى لقيام الثورات، هو شعور الغالبية العظمى من الشعب بعدم الأمان، مما يدفعها للثورة على من أفقدها ذلك الشعور بالأمان.. أيا كان.. ولا يهم فى هذه الحالة من على حق ومن هو الباطل نفسه، لأنك لو تصورت أنه يكفى أن تكون على حق، حتى يتبعك الناس، فأنت مخطئ وواهم، إذ إنك بهذه الحالة أشبه بمن يعرض فيلما غير مفهوم، أو يعطى انطباعا عكس ما أراده، ثم يطالب الكل بفهمه، فقط لأنه «وحده» يعلم أن سيناريو الفيلم جيد، ناسياأنه ليس لنا كبشر سوى الظاهر، ولله سبحانه وتعالى وحده الباطن

***

الثورات الناجحة، كما رواها لنا التاريخ، هى تلك التى بدأت برؤية واضحة، وأيديولوجية ممكنة، وسارت على نهج سليم، حتى حقّقت أهدافها وتطلعاتها إلى المستقبل، على نحو معروف ومدروس، وعقلانى وواقعى

.. وهناك ثورات قيل إنها ناجحة، لكنها لم تتبع هذه القواعد، لذا فلم تنته إلى مستقبل مشرق، كالذى انتهت إليه الثورات التى اتبعت القواعد، أما سبب اعتبارها ناجحة، فهو قد نجحت فى القضاءعلى النظام الذى سبقها، لكن التاريخ نفسه يخبرنا أنها، وعندما لم تتبع القواعد، مالت بمسارها، وانحرفت عنه، وحتى عن الأهداف التى قامت من أجلها، ولم تسفر، مع مرور الوقت، إلا عن نظم أكثر قمعا وديكتاتورية، من النظم التى ثارت عليها، وأكبر مثال على هذا هو الثورة الروسية، التى اندلعت لإسقاط نظام أسرة رومانوف القاسى، فأتت بقمع وديكتاتورية النظام البلشيفى، الذى تمنى الشعب معه لو عاد حكم رومانوف، تماما كما جاء زمن على مصر، تمنى فيه المصريون عودة ملكية أسرة محمد على إليها، بعد أن انحرفت حركة يوليو عن مسارها، وطغى رجالها وتجبّروا.. فن الثورة إذن لا يكمن فى إسقاط نظام قائم، مهما بلغت قوته، فصحيح أن هذا يعد نصرا ساحقا، إلا أنه وفى غياب رؤية موضوعية، يصير مجرد خطوة، قد تؤدى بالبلاد إلى فوضى عارمة، أو ديكتاتورية قمعية جديدة، يتمنى معها الكثيرون عودة النظام السابق.. الفن يكمن فى إدارة الأمور بعد الثورة، ولكى تتعلّم هذا، ادرس ما فعله نيلسون مانديلا، فى جنوب إفريقيا،فالرجل سجن، وعذّب، وقضى شبابه كله لا يرى الشمس، وعانى مع شعبه أمرّ الأمرين، من القهر والظلم والقسوة والاستعباد، وعلى الرغم من هذا، فما إن صار حرا، وآل إليه أمر بلاده، حتى تحول إلى زعيم حقيقى، من أعظم زعماء القرن، وانطبقت عليه بحق تلك المقولة العظيمة القديمة «من ذاق الظلم، يعرف معنى العدل».. فالرجل لم يخرج بنقمة وغل وغضب، على من سجنوه وظلموه وعذبوه طويلا، وإنما خرج بعقل وحكمة، وبرغبة فى علو شأن بلاده، وليس فى الانتقام والتشفى، ومن أجل بلاده، أراد أن يقيم دولة العدل، ليمحو بها مرارة الظلم، وهو يعلم أن هذا ليس بالأمر السهل، فالسود الذين عانوا وقاسوا طويلا، من قسوة وظلم البيض، لن يهنأ لهم بال، وهم يرون البيض يسيرون فى مجتمعهم آمنين، بعد أن عاد حكم بلادهم لأبنائها السود، لذا فقد كان همّ مانديلا الأول، هو إزالة هذه الحالة من النفوس، والعجيب أن مرجعه فى هذا كان رسولنا الكريم، صلوات الله وسلامه عليه

***

عندما دخل الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلّم، مكة بعد فتحها، ووقف سادتها أذلاء أمامه، لم يكن هناك من يمكن أن يلومه، لو أنه نكّل بهم أو أعدمهم أجمعين، وهم الذين أذلوا قومه وعذّبوهم، وأجبروهم على الخروج من ديارهم، ودفعوه بالإيذاء المتكرر إلى الهجرة، ولكنه صلوات الله وسلامه عليه، رأى بحكمته وبُعد بصيرته، أن هذا لا يتفق مع الدعوة لدين الله عز وجل، بل سيدفع باقى القبائل إلى الخوف والتآزر ضد المسلمين، كما سيوقر فى نفوس الكل أن الإسلام عقيدة دموية لا تعرف الرحمة أو التسامح، لذا فقد أطلق سراحهم فى مشهد جليل جعل الناس يدخلون فى دين الله أفواجا. ولقد انبهر نيلسون مانديلا بالواقعة فى شبابه، واستعادها وهو رئيس لبلاده، وقرر أن يجعل منها أسوة له فى المرحلة التى تلت الثورة، وكان له فى هذا رأى يتسم بالعقل والحكمة وبُعد النظر؛ فلو أنه بدأ بمطاردة الفاسدين فى كل مجال فستخوض بلاده حربا لا مجال لخوضها وهى أحوج ما تكون إلى البناء. ثم إن الفاسدين كانوا يحتلون معظم الأماكن قبل الثورة وأعدادهم بالملايين، وعندما تُشن الحرب عليهم دفعة واحدة فإن هذا سيدفعهم إلى التآزر فى مواجهة والتعاون على إسقاط وإفشال الثورة.. باختصار، سيدفعهم دفعا إلى التخطيط فى استماتة لثورة مضادة، حفاظا على حياتهم وحريتهم، مما قد يهدد نجاح الثورة أو يعرّضها للفشل، مع سيل من الشائعات يستغل اندفاع الجماهير وانفعالها وحماستها، فيقودهم إلى ما يفصلهم عن الشارع وعن الأهداف الرئيسية للثورة، أما لو استخدم سياسة التقريب، أى ضمهم إلى الثورة وتأمينهم منها، فسيدفعهم هذا إلى السعى إليها، لا إلى محاربتها، فيأمن شرهم من جانب، ويفيد من طاقاتهم وخبراتهم من جانب آخر؛ للنهوض وتحقيق الغرض الرئيسى لأى ثورة، وهو إقامة نظام جديد قوى مبنى على العدل والحرية والديمقراطية. وعلى الرغم من ثقتى، فى اختلاف كثيرين من الثوار مع الفكرة، وربما استنكارها فى عنف أيضا، فإن نتيجتها واضحة وقريبة، ويمكن الرجوع إليها فى بساطة، مع النهضة المدهشة التى شهدتها جنوب إفريقيا فى عهد نيلسون مانديلا خلال سنوات قليلة من الثورة. المشكلة الحقيقية تكمن فى أن معظم الناس، على الرغم من تشبثهم بالمظاهر الخارجية للدين التى تم التركيز عليها وحدها فى العقود الأخيرة، ليسوا من الكاظمين الغيظ، ولا العافين عن الناس، ولكنهم من الغاضبين المشتعلين، الذين يريدون شفاء غليلهم اليوم، ولا يهم ماذا يحدث غدا، وهذا ما أخبرنا به التاريخ عن الثورات الفاشلة.. 

***

الحديث عن التاريخ هو حديث عن المستقبل فى الواقع، فمن يهمل دروس التاريخ، يعجز دوما عن تبصّر المستقبل، ومخطئ من يتصوّر أن الحاضر يختلف عن الماضى، فقط لأن الحاضر أكثر تطوّرا، فهذا هو الخطأ نفسه، الذى وقع فيه النظام السابق، عندما تصوّر أن تمكنه من التكنولوجيا الحديثة، سيغيّر من طبائع البشر، وردود أفعالهم، وتفاعلهم مع من حولهم، وهذا ما أكّد التاريخ عكسه تماما، وما ينبغى أن نتعلمه منه، كأوّل درس لبناء المستقبل.... والمفترض منا، بعد ثورة تاريخية عظيمة كثورتنا، أن نكون أوّل من يستفيد من دروس وعبر التاريخ، التى لم يستفد منها من أسقطناهم، وأن تتركّز جهودنا على بناء المستقبل، الذى كلما أسرعنا البدء فيه، كانت النتائج أعظم وأعم وأشمل، وذات تأثير واضح على الاقتصاد، والعدالة الاجتماعية، ومفاهيم الحرية والديمقراطية والعدالة.... لقد أضعنا ستة أشهر فى الغضب، والنقمة، ومحاولات الحشد وتأكيد استمرار احتقان الشارع واشتعاله، ولم يسفر هذا إلا عن غضب الشارع، وإرهاقه، ومعاناته، وانقلاب فئة ليست بالقليلة منه على الثورة، وكل ما يفعله الثائرون ويقدمونه للشارع، هو اتهام كل من ينفصل عنهم بأنه من فلول النظام السابق وبلطجية الحزب الوطنى، دون أن يقدموا لمحة مستقبلية، أو ما يدل على تفاعلهم الحقيقى مع الشعب البسيط... ولأن الغضب غلب الحكمة والتبصّر، والانتخابات على الأبواب، فخسارتهم لقطاعات من الشارع صارت تمثل خطرا حقيقيا على الثورة ومسارها، والإصرار على العكس لا يصنع أى نجاح، فالفن الحقيقى هو أن تمتلك القدرة على الرؤية من خلال عيون الآخرين، وأن لا تقصرها على ما تراه عيناك وحدهما، وإلا لأصبحت رؤيتك أنبوبية محدودة، لا تصلح للنجاح.. أى نجاح.. المطلوب إذن هو أن ينتقل الثوار، من حالة الغضب، إلى حالة البناء، ومن إرهاق الشعب إلى الناحية الخدمية للشعب، فالناس أبسط من أن تستوعب تعقيدات السياسة، وأضعف من أن تحتمل الاحتقان الدائم والمستمر، فالقافلة دوما تسير بقدر أضعفها وليس أقواها، وإذا ما عجز ضعيفها عن الاستمرار، فستضطر حتما إلى التوقّف، مهما كانت أهمية وخطورة الهدف، الذى تسعى إليه، ومهما بلغ نبل غايتها، أو عظيم منجزاتها..... حتى الجيوش العظيمة، فى الحروب المصيرية، تضطر للتوقف والتقاط الأنفاس، حتى لا ترهق جنودها، فيعجزون عن الاستمرار، وتخسر الجيوش الحرب... ليس المهم هنا من على حق ومن على باطل... المهم هو الحكمة، والتبصّر، وحسن الرؤية، والسير باستراتيجية عاقلة، غير انفعالية، لضمان النصر فى النهاية... هذا ما علمتنا إياه دروس التاريخ، فهل من قارئ... ومستفيد؟!

 

د . نبيل فاروق 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (9 منشور)

avatar
Topher 15/01/2012 13:23:57
Extremely hlfepul article, please write more.
avatar
djbdiguzusg 16/01/2012 01:50:28
RgtpHg <a href="http://kbcetvuydeap.com/">kbcetvuydeap</a>
avatar
SojiLuver 30/01/2012 15:25:53
<a href="http://www.pillsprices.com/">prednisone</a> ntigos <a href="http://www.painmedsprices.com/">tramadol apap</a> :-))) <a href="http://www.acnemedz.com/">accutane</a> 0438
avatar
airbornebeta 09/02/2012 20:08:37
<a href="http://www.lifeinsurcompanies.com/">whole life insurance policies</a> 8-) <a href="http://www.yourlifepolicies.com/">term life insurance quotes</a> 8[[[ <a href="http://www.forgetyourworries.net/">affordable health insurance</a> anjb
avatar
Illumione 15/02/2012 18:52:42
<a href="http://www.discountinsurlife.com/">insurance auto</a> osq <a href="http://www.topinsurancerates.net/">car insurance quotes online</a> %)))
avatar
Ice 19/10/2012 18:18:49
<a href="http://www.leadinglifeinsurancebrands.com/">american life insurance company</a> 8-O <a href="http://www.getlifeinsurancequotes.net/">life insurance company</a> tmx <a href="http://www.affordinsurance.net/">auto insurance</a> 82513
avatar
Starly 06/11/2012 03:16:43
<a href="http://www.getlifeinsurancequotes.net/">cheap life insurance</a> 18335 <a href="http://www.oldstylelist.com/">auto insurance</a> =-OOO <a href="http://www.comparecarinsurrates.com/">car insurance rates</a> =]] <a href="http://pacificcrestforaging.com/">Cialis</a> 271121
avatar
Hetty 13/11/2012 19:12:01
<a href="http://www.leadinglifeinsurancebrands.com/">life insurance</a> >:((( <a href="http://www.get-autoinsurance.com/">auto insurance</a> 3954 <a href="http://codewanker.com/">life insurance quotes</a> tqt
avatar
Jazlynn 20/11/2012 14:45:37
<a href="http://www.comparecarinsurrates.com/">cheapest car insurance</a> =-PP <a href="http://www.insurforall.com/">insurance life</a> >:-[ <a href="http://www.locateonlinecolleges.com/">online college</a> 8((( <a href="http://www.findhairlossmeds.com/">propecia</a> 6844
المجموع: 9 | عرض: 1 - 9

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال