الرئيسية | مقالات | الدستور أولا

الدستور أولا

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الدستور أولا

أصوات عديدة تعلو، في الآونة الأخيرة، مطالبة بأن يأتي الدستور أولا، قبل الانتخابات البرلمانية، وانتخابات رئيس الجمهورية، تلك الأصوات تعبر عن قلق أصحابها، ومخاوفهم، التي ورثوها عبر عهود سابقة، من أن تأتي الانتخابات البرلمانية إلى الحكم بتيارات ذات توجهات بعينها، يتم من خلالها وضع الدستور، وفقا لمفاهيمها، وتوجهاتها من أجل دولة مدنية، تنعم بالحرية والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.

لكن المشكلة التي تواجه هؤلاء، هي أن الديمقراطية نفسها، التي نادوا بها، لم تتفق مع ما ينادون به الآن، ما يجعلهم أعداء للديمقراطية، ومحاربين لرأي الشعب، وجزءا من أساليب قهره، بعد أن خرج بإرادته إلى الاستفتاء، الذي يعد أول خطوة صحيحة في مسار ديمقراطي، نادى به الجميع، وأول تجربة عملية، تعيد للشعب ثقته، في أن صوته صار له قيمته، وأن حياته يمكن أن تسير، ولأول مرة، وفق إرادته، حتى لو اختلفت مع أصحاب الأصوات المرتفعة، والمصالح المختلفة.

وعلى الرغم من أنني، وبصفة شخصية، أؤيد أن يأتي الدستور أولا، ليضع القواعد الرئيسية للمرحلة القادمة، مع مواد فوق دستورية، تضمن مدنية الدولة، وحتمية تداول السلطة، وديمومة الحريات، ودولة المؤسسات، ولينهي ذلك القيد القديم، الخاص بحتمية منح نصف المقاعد البرلمانية للعمال والفلاحين، والذي لم تعد له قيمة فعلية، بعد أن حمل الصفة كل من أراد، فإنني أؤيد، وبمنتهي الشدة، أن تأتي الديمقراطية أولا، وثانيا، وثالثا، وأبدا.

هذا لأن الأخطر من الدستور، هو إرادة الشعب نفسه، والذي آمن، ولأول مرة، منذ ستة عقود، بأن صوته قادر على التغيير، واستيقظت داخله روح الحسم والحرية، وشعر بذاته، التي طال افتقاره لها، فلو أتى الآن من يطالبون بقهر تلك الإرادة، فقط لأنها تخالف إرادتهم أو رغبتهم، وأرسلوا رسالة إلى الشعب، تخبره أن صوته لا قيمة له، في صناديق الاستفتاء أو الانتخاب، وأن الصوت الوحيد المسموع هو الصوت العالي، أيا كانت نسبته، فسيدمر هذا التجربة من أساسها، وسيعيد للشعب ذكرى العقود الستة الماضية، وسيفقد كل إيمانه بالديمقراطية، وسيكفر بالحرية والإرادة الشعبية، ويعود مقهورا كما كان، ولكن مع فارق واحد، وهو أنه سيقهر لفئة مختلفة.

لذا، فعلى الرغم من قناعتي الشديدة بأن يأتي الدستور أولا، فأنا أدرك جيدا أن قناعتي هذه تساوي واحدا على أربعة وثمانين مليونا، من الشعب المصري، وواحدا على اثنين وأربعين مليونا، من عدد الناخبين، مما يعني، ديمقراطيا، أن إرادتي لا تساوي شيئا، أمام إرادة الشعب.. وهذه هي معضلة الديمقراطية.. رأيك، أم رأي الشعب؟!

***

بكل الحسابات التاريخية والمنطقية تأتي إرادة الشعوب في المقام الأول، مهما كانت، ومن الديكتاتورية أن يرى البعض أن الشعوب قاصرة، لا تساوي إرادتها شيئا، لأنها شعوب جاهلة أو مغيبة، فهذا أشبه بأن تتعامل مع ابنك دوما، باعتباره غير قادر على مواجهة الدنيا وحده، فتحرمه من تجربة الإرادة، التي تتيح له هذا، فيشب أبدا غير قادر على مواجهة الدنيا، حتى لو ضعفت أنت، أو رحلت، وتركته وحده يواجهها، دون رقيب أو وصي.

السؤال إذن هو: أيهما أكثر أهمية.. الدستور، أم إرادة الشعب؟!

وضع الدستور أولا قد يكون الأفضل، لضمان المرحلة القادمة، ولكنه ليس الأكثر أهمية، بل إرادة الشعب هي الأكثر أهمية، لأنها التي سترفض الدستور، لو جاء متجاوزا، أو مخالفا لها، وهي التي ستجبر أي كيان قادم، أيا كانت ماهيته، على أن ينحني أمامها، لأنها إرادة جماعية، لا تملك أي قوى سوى الانصياع لها...

وفي تاريخ الشعوب قد تخطئ الإرادة مرة، ولكن ذلك الخطأ يعلمها كيف يكون الصواب، ويقويها، وينميها، ولو أننا ظللنا، تحت أي مسمى، أو أي مخاوف، نحرم الشعوب من حقها وإرادتها، بأي حجة كانت، فنحن بهذا نهدر مستقبل تلك الشعوب، ونجهض فرصتها في أن تنضج، وتتجاوز التجربة، وتبدأ مسار المستقبل الجديد...

معادلة معقدة، ولكنها شديدة الخطورة، وبالغة التأثير، ليس في وضع الدستور، ولكن في مستقبل مصر كله، وفي حاضرها القريب أيضا، ولا بد من أن نحسبها جيدا، ونعقلها، ونتدبرها، ثم نتوكل بعدها على الله سبحانه وتعالى..

هذا الحديث بالطبع لن يرضي كل المطالبين بأن يكون الدستور أولا، لأنهم فضلوا إرادتهم على إرادة شعب بأكمله، وعلى الرغم من أنني من المؤيدين لمبدأ الدستورية الحاسمة، ذات المواد فوق الدستورية الملزمة، لأي نظام قادم، فإنني أرى أن قهر إرادة الشعوب يدمر كل شيء، ففي غياب إرادة الشعوب يمكن لكل من يمتلك القوة أن يلتف حول دساتير الدنيا كلها، وأن يصنع إرادة شعبية زائفة، تمنحه كل ما يريد، ولهذا أكثر من سابقة، في مصرنا وحدها، عبر ستة عقود، مع سوابق عالمية تاريخية، تفوق هذا بعشرات المرات.

والسعي لجمع التوقيعات، من أجل المناداة بالدستور أولا، حتى لو نجحت في أن تبلغ المليون، فهي في هذه الحالة تساوي واحدا على أربعة وثمانين من الشعب، وواحدا على اثنين وأربعين من الناخبين، وواحدا على واحد وعشرين، ممن أدلوا بأصواتهم، في استفتاء مارس، وهذا أقل من عشر الأصوات الناخبة.. فإن لم تخضع الأقلية لرأي الأغلبية، حتى إن خالف رأيها، فأي ديمقراطية في هذا؟

 

د . نبيل فاروق

 

 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (1 منشور)

avatar
منار 06/04/2013 07:25:46
أنا أيضا يا دكتور نبيل كنت ممن نادوا بأن تتم الإنتخابات أولا ..
برغم أنى أعرف أهمية وجود دستور جديد يحدد ملامح الدولة وحقوق الشعب
لكن إرادة الجماهير وكلمتهم .. حتى وان وجهها البعض إلى مسار خاطئ .. إرادة الجماهير لها الأهمية والأولوية الأولى ..
==============
خاصة وأن الوضع حينذاك .. كان يحتم حدوث الانتخابات .. وفق التعديلات التى تمت على المواد الخاصة بذلك ..
فمن ناحية .. كانت التعديلات جيدة ومقنعة .. ومن ناحية أخرى .. كانت الانتخابات مهمة لعبور مرحلة دقيقة مضت .. وتحديد ملامح مرحلة دقيقة مقبلة ..
==============
البعض ( وخاصة تيارات الاسلام السياسى ) كانوا يضعون مسميات ومصطلحات معينة لهذا الاستفتاء .. وهذا دأبهم فى كل شيئ .. قالوا أن الموافقة ستدخلكم الجنة .. !!
وقالوا أن الاستفتاء هو أن تختار ما بين الدستور .. أو الاستقرار !!!!
__________
وأنا فى الواقع .. وغيرى الكثير .. نعلم أن دخول الجنة له وسائل أخرى لا علاقة لها بالاستفتاء .. ونعلم أن الاستقرار .. لن يأتى بهذة البساطة .. ولا بهذة الكيفية ..
لكن يمكن القول ان الانتخابات .. كانت ستحدد طريقا له ملامح قوية وواضحة جدا ..
وعلى المستوى الشخصى .. كنت أتلهف لمعرفة الفصيل الذى سيسطر على أجواء الانتخابات .. وكنت أتلهف لمعرفة الحقائق التى قد لا تسنح الفرص لمعرفتها .. أو للتأكد منها ..
================
صحيح أن الشعب لم يكن يعرف الكثير عن تيارات الاسلام السياسى .. وكان من البديهى أن تفرض سيطرتها ... ولكن هذا حقق فائدة كبيرة حيث أصبحت كل الحقائق واضحة وجلية للجميع .. لم تعد تنطل على الناس الشعارات البراقة والوعود المعسولة ..
================
أما فيما يخص ( الدستور أولا ) .. فكنت أخشى من تبعات هذا .. خاصة وأن الأمور وقتها لم تكن مستقرة .. وكان هناك العديد من الفصائل .. ذات المصالح الخاصة .. تبحث لها عن موضع قدم أو قطعة من ( التورتة ) ... وبعضها كان يحلم بالتورتة كلها ..
وبدلا من أن يكون الصراع عبر صناديق الانتخاب .. كانت ستتحول البلاد إلى حلبة كبيرة .. تتصارع فيها كل الأطراف ..
فمن كان منهم سيرضى بأن يضع المجلس العسكرى ( جمعية تأسيسية ) للدستور ؟؟؟؟؟؟؟؟
بل كانوا يريدون أن تكون تلك ذريعة .. يمكن من خلالها أن ينفذوا فكرة ( المجلس الرئاسى ) ...
وفيه يضع كل طرف ممثلا عنه ..
وعندها لن يكون الدستور ذو أولوية لأى طرف .. بل ستكون فكرة ( السيطرة ) هى المحرك الوحيد ..
فحمدا لله الذى يسر الأمور وكفى المؤمنين شر القتال .. وحفظ مصر مما كان سيحدث
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال