الرئيسية | مقالات | الأستك مابيطرقعش

الأستك مابيطرقعش

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الأستك مابيطرقعش

 

على الرغم من عظمة ثورة 25 يناير، التي تصادف أن الرقم فيها هو معكوس 52، ومن عظمة كل من شارك فيها، ولو بقلبه، فإن ما يحدث الآن على الساحة، صار أشبه بحالة عبثية، يصعب عليك استيعاب منطقها بوضوح، إذ صارت أشبه بشخص يجذب الأستك من طرفيه، ثم يصرخ طوال الوقت، لأنه «ما بيطرقعش»…. وعبثا تحاول إقناعه بأنه من المستحيل أن يحدث هذا، ما دام يرفض، فى إصرار وعناد، أن يفلت أحد الطرفين، فيصرخ ثائرا.. إذا ما طالبته بإفلات الطرف الأيمن، ويصرخ ثائرا.. إذا طالبته بإفلات الطرف الأيسر.. ويصرخ أكثر.. إذا أخبرته أن «طرقعة» الأستك مستحيلة فى هذه الحالة، وأكثر وأكثر عندما تطالبه بالتخلى عن فكرة الطرقعة !!!...

وفى كل مرة، تكون صرخته هى أن هذا حقه، والكل أخطأ، عندما لم يمنحه إياه، وهكذا يقف الكل حائرا عاجزا، فيبدأ هو فى الصراخ، بأن الكل لا يفعل شيئا !!..

والأسوأ، ولأنه يصر على كل طلباته، فهو يندفع بكل انفعالاته، نحو من يخبره أن الكل يتآمر ضده، بدليل أن الأستك «ما بيطرقعش»، وبدليل أن شيئا لم يحدث، ويرفض وبعنف وشراسة، كل من يخبره أن هناك حتميات عملية وعلمية لكى يسمع «طرقعة» الأستك !!....

هذا يحدث دوما، فى كل الثورات الشعبية، وخصوصا مع الثورات، التى تنشأ بعد سنوات وعقود، من القهر المستمر الطويل، ولكنه، ومهما كانت الأسباب والمبررات، ومهما كان نبل الأهداف، أو حتى سوء الأهداف، فستظل هناك استحالة أن نسمع «طرقعة» الأستك من دون أن نفلت أحد طرفيه.

***

قبل حتى أن يتبين شخص واحد، ما إذا كان المهاجمون من أسر الشهداء بالفعل أم لا، انتقلت الاندفاعة إلى وزارة الداخلية، وإلى مقرها الرئيسي، وبدأت عملية مهاجمة المقر بالحجارة والمولوتوف، والمولوتوف هذا سلاح قاتل ومدمر، ومن المستحيل أن تقف وزارة الداخلية التي نطالبها كل يوم بالوجود، ونتهمها كل يوم بالعجز عن حمايتنا، ساكنة، ومقرها الرئيسي، الذي هو رمز هيبة الدولة ومكانتها، يتعرض لمحاولة الاقتحام أو الاحتراق، وإلا لكنا ثرنا عليها، واتهمناها بأنها غير قادرة على حماية مقرها، فكيف بحمايتنا نحن!!

وهنا بدت نظرية الأستك محققة، على نحو يثير الرثاء، فمن أحد جانبي الأستك، نطالب الشرطة بالوجود، وبالتصدي للبلطجة، وبإثبات هيبة الدولة، وبحماية الأقسام والمنشآت، وحماية الأفراد والممتلكات، وبث شعور الأمن والأمان في الوطن، في ظل انتشار غير مسبوق للسلاح، ومن الجانب الآخر للأستك، نرفض أن تتصدى الشرطة نفسها لأية محاولات للخروج عن النظام والشرعية، أو حتى رد أي اعتداء، ونرفض حتى أن تدافع عن نفسها، وإلا حاكمناها، وثرنا عليها، وكأن رجال الشرطة، الذين هم مصريون مثلنا، مجرد أضحية، موجودة لكي يتدرب الكل على النشان عليها، أو كأن استخدام المولوتوف هو حق مشروع، لأسر وعائلات وأصدقاء وأصحاب وأقارب وأحباب كل شهيد، وأن هؤلاء قد استشهدوا، لإشعال حرب أهلية في الوطن، وليس لتحقيق استقرار، مبني على الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية..!

المفترض أنه إن أتانا فاسق بنبأ أن نتبين أولا، لا أن ننفعل ونندفع كالغوغاء، فنصيب قوما بجهالة، ونصبح على ما فعلنا نادمين.. المفترض ممن قاموا بأعظم ثورة في التاريخ الحديث أن يكونوا من أولي الألباب، لا أن يتحولوا إلى سلاح غاشم، في يد كل من يستفزهم، ويشعل حماستهم، ويفجر انفعالاتهم، ثم يقودهم بلا ترو أو تبين، إلى حيث يشاء، وقتما يشاء، وكيفما يشاء.. المفترض أن يكونوا ثوارا لا قطيعا.. هذا هو المفترض.
***

الحديث عن الثورة المضادة، صار مثل الحديث عن الفساد، في فترة ما قبل الثورة، أمرا مملا ومرهقا، ومع تكراره لم يعد يلقى صدى في النفوس، ولم يعد هناك من يبالي به أو حتى يصدّقه على الرغم من أن كثرة الحديث عن الفساد سابقا لم ينه وجوده، وكذلك الحديث عن الثورة المضادة التي هى تابع حتمي لكل الثورات لم يلغ وجودها، ولا محاولاتها المستميتة لإفشال الثورة أو لإشاعة حالة من الفوضى تساعد على تهريب الفاسدين من السجون، وإنقاذهم من مصير أسود ينتظرهم كما حدث أيام الثورة الأولى. وسلاح الثورة المضادة الأقوى، هو إشاعة استنكار وجودها؛ لأنك إذا ما استنكرت وجودها، فأنت بهذا تصدّق كل ما يصدر عنها وتندفع خلفه بنفس الحماس الثورى، فتتحوّل إلى جيشها الذي تضرب به الثورة وتضربك به أنت شخصيا وأنت تتصوّر أنك تدافع عن مكاسب ثورتك، وهذه ليست نظرية افتراضية، بل حقيقة تاريخية، لو أنك فقط تصفّحت بعض صفحات التاريخ، سترى نتائجها في العديد منها.

الأمر هنا عويص ومعقّد، وكذلك حكم دولة عانت طويلا من القهر والكبت والذل والهوان، ويسعى كل فرد فيها إلى الحرية، ولكن المشكلة أن مفهوم الحرية لم يتضح بشكل كاف لدى البعض بعد؛ فهناك خلط واضح بين الحرية والفوضى، ففي الحرية لا بد أن تؤمن بأن الجميع أحرار، ولكل حقوقه، وحريتك وحقوقك ليست مطلقة، بل هي محكومة أبدا ودوما بحرية وحقوق الآخرين، فإذا ما تجاهلت ذلك، وإذا ما رأيت حريتك وحقوقك وحدها، فأنت بهذا لا تؤمن بالحرية، بل إما بالديكتاتورية التي تحكمها أنت، وإما بالفوضوية؛ إذ لا قيمة لحرية وحقوق فريق تضيع معها حرية وحقوق فريق آخر، وإلا لعدنا مرة أخرى إلى زمن قهر جديد يحتاج إلى ثورة جديدة.

وهذا يعيدنا إلى نظرية الأستك، التي هي في واقعها هدم تام لكل أصول وقواعد الحرية والحقوق، فمن حقك أن تعترض، ولكن ليس من حقك أن تقهر حق غيرك أو تدمّر ممتلكاته وتهدر حقه لمجرّد أنك تعترض، من حقك أن تطالب، ولكن ليس من حقك أن تخرّب ولا أن تسعى حتى لهذا.. باختصار، من حقك أن تكون حرا وأن تمارس حريتك، ولكن في حدود حرية الآخرين. هذه هى الحرية، اقبلها كلها أو ستخسرها كلها، لا يوجد حل وسط.

والأهم أن تدرك لماذا أنت حر، ولماذا وبماذا تطالب، وأن تعقلها وتدرسها وتستوعبها بفهم ووعى ودون انفعال، ثم تتوكّل على الله سبحانه وتعالى.. ليطرقع الأستك.. بجد

***

السؤال الأخير، الذي جال بذهني، وأنا أتابع الأحداث المؤسفة في التحرير هو: هل الثورة على (طرقعة) الأستك وسيلة أم هدف؟!.. أو بمعنى أوضح، هل يثور البعض لأنهم فعلا يريدون سماع (الطرقعة)، أو بمعنى أصح تحقيق أهداف واضحة، أم أن (الطرقعة)، وما يصحبها من صخب إعلامي، عقب كل ثورة، هي الهدف؟!

في البداية، استنكرت حتى ورود هذا التساؤل في ذهني، لأن علاقتي بالعديد من شباب الثورة، تجعلني أدرك أنهم، ودون شك، شباب زي الورد، أذهلوا العالم كله بثورة، لم يشهد لها التاريخ مثيلا، بدأت سلمية وانتهت سلمية، من جانب الشباب، الذين حوربوا في شراسة، وتعرّضوا لمحاولات قمع لا سابقة لها، جسديا ومعنويا وإلكترونيا، وتصدّوا لهجمات شرسة، من الأمن، والبلطجية، وأذناب النظام، وحتى من ركّاب الحمير والجمال، وألقيت عليهم الحجارة، وقطع الرخام، وقنابل المولوتوف، فلم يهنوا ولم يتراجعوا، وحافظوا على سلمية الثورة، حتى تحقّق لشعب مصر النصر.. استنكرت التساؤل، ولكن سرعان ما نبت في ذهني تساؤل آخر أكثر أهمية وخطورة... لقد تعرّض شباب الثورة لأهوال، فلم يحمل أحدهم زجاجة مولوتوف، ولم يحطم أو يدمر ممتلكات الغير، بل صنعوا من أنفسهم كتائب أمن، ونظام، وحراسة، حتى إن العالم لن ينسى أبدا مشهد المصلين المسلمين في الميدان، والشباب المسيحي يحرسهم في صلاتهم، ولا قدّاس الأحد، الذي أقيم هناك، فحماه المسلمون بصدورهم، كما لن ينسى مشهد المصلين في جمعة الغضب، والأمن يضربهم بمدافع المياه، قبل حتى أن ينتهوا من صلاتهم.. ولن ينسى العالم أو التاريخ صور شباب الثورة، وهم يعيدون تنظيف وتجميل الميدان، الذي شهد ثورتهم، وصار رمز انتصارهم، في سابقة سيسجلها التاريخ أبدا، في أنصع صفحاته... فهل ما أراه في الميدان، يمكن أن ينتمي إلى نفس الشباب؟!

وبسرعة أتاني الجواب يصرخ في أعماقي... مستحيل!!.. مستحيل!!.. وألف مليون مستحيل!!..

ما حدث في الميدان مؤخرا، لا يشبه، بأي حال من الأحوال، ما شاهده الميدان من عظمة وبطولات سابقا.. هناك إذن أمر غامض، لا بد لأولي الألباب من التوقّف عنده، ومحاولة دراسته وفهمه، فأي متخصّص في السلوك البشري يمكن أن يجزم بأنه شتان بين هذا وذاك... شتان بين سلوك متحضّر وسلوك همجي... بين ثائر يدرك هدفه، ويسعى إليه سلميا، مصرا على أن يبتعد عن التدمير، حتى وهو يتعرّض للتدمير، وشخص لم ير سوى التدمير، كوسيلة للتعبير... أو ربما لإشاعة الفوضى، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وفي كل الأحوال، فقد هداني هذا إلى جواب تساؤلي الأوّل.... ليه الأستك مابيطرقعش؟

***

عقب نشر الأعمدة السابقة، أتاني اتصال من غادة، زوجة الفنان هشام عبد الله، حمل كمية كبيرة من الانفعال والتأثر، إلى حد البكاء فقد كانت تشعر بالظلم فيما كتبته باعتبار أنها كانت إحدى الموجودات عند المسرح، عندما بدأت الأحداث، وتؤكد أنها شاهدت أم أحد الشهداء مصابة، وأن أم شهيد قد تم اعتقالها، وتقول غادة: إن مجموعة صغيرة، لا يزيد عددها على عشرين شابا، قد ساءهم ما شاهدوه وسمعوه فانطلقوا إلى وزارة الداخلية للشكوى، وإن الشرطة هي التي بدأت الهجوم عليهم (دون مبرر)، والعهدة هنا عليها في هذه الرواية التي ترى فيها أن الهجوم بالحجارة والمولوتوف على الوزارة، جاء رد فعل لهجوم الوزارة على المتظاهرين، والعهدة هنا ما زالت عليها في روايتها، التى رأيتُ أن أنشرها كما سمعتها منها من منطلق الحرية التي نادت بها الثورة؛ فمهما بلغت ثقتي في روايتها التي روتها بتأثّر شديد، وحملت نبراتها فيها رنة صدق كبير، فإنها وقائع من طرف واحد، ولم أشهد شخصيا تفاصيلها، لا من منظورها، ولا من أي منظور آخر، ولكن لو صح هذا، ولو صحت نظريتها، في وجود مؤامرة من الداخلية، فهذا يزيد تساؤلاتي تساؤلا جديدا، خصوصا أنه من غير المنطقي أمنيا أن تسعى الشرطة، التي تجاهد لاستعادة هيبتها إلى إشعال الموقف بينها وبين الشارع والشباب في مثل هذا التوقيت إلا في حالة واحدة فقط هي أن تكون المؤامرة من ضباط الداخلية ضد وزير الداخلية، تماما كما حدث مع اللواء أحمد رشدي في الثمانينيات، عندما انتشرت شائعة متفجرة وسط صفوف الأمن المركزي لإشعال الموقف وإزاحة الوزير، وفي هذه الحالة يصبح من الضروري والضروري جدا أن يتم تحقيق كبير وقوي وعاجل في هذا الشأن الذي لو ثبتت صحته عبر لجنة محايدة لتقصي الحقائق مدعومة بفريق من رجال القضاء الشرفاء ومندوب عن المجلس العسكري، لصار من المحتّم إجراء تطهير فوري لقيادات الشرطة، وربما لجهاز الشرطة كله، فلا قيمة للشرطة لو أن الداخلية ستتحول إلى منطقة للدسائس والمؤامرات، كما يستلزم على الداخلية تنقية صفحتها أمام الشعب بنشر نتائج تحقيقات تلك اللجنة أولا بأول وبشفافية تمنع بث الشائعات أو التشكيك في مصداقيتها، فالبلد كله يعاني من بقايا انفلات أمني يحتاج كل منا إلى أن يشعر بسيطرة الدولة عليه؛ حتى يستعيد شعوره بالأمن والأمان فيها، وهما شعوران يأتيان من الثقة في جهاز الشرطة وليس من الخوف منه أو الشك فيه.. على الأقل حتى نحل المشكلة، والأستك اللي تاعب الكل وملخبطه أخيرا... يطرقع

 

د . نبيل فاروق

 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (3 منشور)

avatar
Zeezeez 03/08/2014 08:23:03
I can't believe you're not playing with mea-ht-t was so helpful.
avatar
Tamio 04/08/2014 14:20:32
I bow down humbly in the presence of such <a href="http://ziklbskpd.com">grtseneas.</a>
avatar
Gesesse 06/08/2014 16:40:40
Didn't know the forum rules allowed such <a href="http://ufobptelrme.com">brlinialt</a> posts.
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال