الرئيسية | مقالات | أمس واليوم .. وغدا

أمس واليوم .. وغدا

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
أمس واليوم .. وغدا

بالأمس القريب، كانت هناك أقلام حرة، تندد بالقرارات الاستثنائية، التى صدرت فى أعقاب حركة ضباط الجيش، فى يونيو 1952، وتعيب على الحركة تعجلها، وتجاوزاتها، التى بدأت ضد من أفسدوا الحياة السياسية قبلها، ثم انتهت إلى قرارات استثنائية ضد الشعب كله، كانت الأقلام نفسها تشيد بما كانت عليه الحياة السياسية قبل الحركة، وأنه كانت هناك قوانين تحترم، وكان هناك دستور يطاع.

واليوم، ومن المدهش، أن الأقلام نفسها تطالب بقوانين استثنائية، وقرارات قوية، ضد من أفسدوا الحياة السياسية فى مصر، قبل 25 يناير، وكأن أحدا لا يقرأ التاريخ، أو يتعلم منه، بل يبدو من الواضح أن للغضب تأثيرا عظيما على العقول والنفوس والآراء، وحتى المبادئ فلو أن هناك من يؤمن حقا بالحرية والديمقراطية، سيدرك أن أول مقومات الحرية، هى الصبر وضبط النفس، لأن الحرية لا تعنى أنك صاحب الرأى الوحيد والمنفرد، وأن غيرك حر، بقدر ما أنت حر، وكما أنك ترفض أن ينتقدك غيرك بما يجرحك، فليس من حقك أيضا أن تنتقد غيرك بما يجرحه، وكما ترفض أن يختلف أحد معك فى الرأى، فيتهمك بالخيانة والعمالة والعداء، فليس من حقك أيضا أن تتهم من يختلف معك بالخيانة والعمالة والعداء.

هذا لو أنك تؤمن (حقا) بالحرية، أما لو أنك تؤمن بالديمقراطية، فستدرك أن معنى الديمقراطية هو أن يكون لك رأى، ويكون لغيرك رأى مخالف، وأنه من حق كليكما أن يعلن رأيه، دون أن يخشى ردة فعل الآخر، لأنه ليس منكما من هو فوق الآخر، إلا بالانتخاب الشعبى السليم، والمشكلة هنا تكمن فى الانتخاب الشعبى، فلو خرجت مليونية ما، أيا كانت مطالبها، فهى ستمثل ضجة كبرى، وعنصر ضغط واضحا، ولكن فى صناديق الانتخاب، لن تمثل أكثر من واحد على ثمانية وأربعين من الناخبين، الذين يصمت معظمهم، خشية رد الفعل المنفعل المندفع من المليونية، ولكن موقفه أمام صندوق الانتخاب سيختلف، وستكون فرصته لأن يقول رأيه، حتى وإن ظل صامتا، وعندئذ قد تجد المليونية نفسها أمام موقف عجيب، فهى صاحبة الضجيج، وليست صاحبة الأغلبية، وحكم البلاد سيؤول بالديمقراطية إلى الأغلبية، وليس إلى الضجيج، فماذا سيكون رد فعل المليونية حينذاك؟! هل ستقبل برأى الأغلبية الشعبية وتنسحب، أم سترفض رأى الشعب، وتواصل ضجيجها لتسيطر على البلاد بالقوة، وتنقلنا إلى عصر ديكتاتورى جديد، ينتظر ثورة شعبية لتحريره؟! وفكرة أن يكون كل من يذهب إلى التحرير ملاكا طاهرا، لا يستهدف سوى مستقبل مشرق لمصر، هى فكرة أكثر من ساذجة

***

ليس هناك من شك فى أن معظم من يخرج إلى التحرير، لديه أسباب وطنية لهذا، وإن كانت الوطنية وحدها ليست كافية، دون نظرة موضوعية، وأهداف واضحة، وآليات تنفيذ، تحافظ على التماسك الشعبى، ولا تعمل على تفتيته، لأن المظاهرة إذا ما انضم إليها الشعب صارت ثورة، والثورة إذا ما انفصل عنها الشعب صارت مظاهرة، والموقف فى مصر لم يعد واضحا، والصورة صارت مرتبكة مشوّشة، فى نظر غالبية الشعب، ولا أحد يستطيع أن يجزم، بمن سيحكم مصر فى السنوات التالية، وهذا يخيف الناس أكثر، ويخيف القوى الخارجية أكثر وأكثر، ومن السذاجة أن نتصوّر أن تلك القوى الخارجية، بأجهزة مخابراتها، ستقف ساكنة، تنتظر النتائج، فهى ستكون عندئذ مقصّرة فى حق شعوبها، وستكون أجهزة مخابراتها ساذجة فاشلة، لذا فمن المحتم أن تسعى إلى التدخّل، وإلى محاولة السيطرة على الموقف، أو إعادة توجيهه، على أقل تقدير... ومن يقرأ كتاب رجل المخابرات السابق، مايلز كوبلاند، (لعبة الأمم)، يمكنه أن يدرك ما أعنيه وأشير إليه، ففى هذا الكتاب درس خطير لكيفية إعادة توجيه حماس وثورة الأمم، من خلال ثوارها أنفسهم، لتحقيق أهداف أخرى، وسيدرك قارئه كيف سيطرت تلك الأجهزة على أفراد فوق مستوى الشبهات، للقيام بتلك اللعبة، فى مهارة واقتدار، وكيف أنها، وعبر التاريخ، أسقطت نظما، وأعادت أخرى، عبر منظومات غاية فى التعقيد.. ليس هذا تشكيكا فى وطنية جهة بعينها، أو تنظيمات باسمها، ولكنه تحذير من إهمال هذا الاحتمال، الذى سجل خبراؤه ألعابهم فيه، وكيفية إدارتهم له، ونجاحهم فى كثير منه، الذى كان هناك إجماع على استحالة النجاح فيه..

الخلاصة فى هذا هى أننا جميعا بشر، ليس فينا ملائكة ولا شياطين، وليس من المنطقى وصف فئة منا، أيا كانت، بهذا أو ذاك. ففى تاريخ الجاسوسية والتآمر سنجد مفاجآت، تفوق كل ما يمكن أن يتصوّره العقل، فهى لعبة ذكاء، وخبرة، ودراسة مكثفة لطبيعة النفس البشرية، وتخطيط دقيق، يشترك فيه آلاف الخبراء، الذين تنحصر مهمتهم فى إعادة تخطيط العالم، لما يحقّق منافع الدول العظمى، على حساب الكيانات الصغيرة أو الجديدة.. بالأمس فعلوها، واليوم حتما يفعلونها، وغدا إما أن نخطط لمستقبلنا، وندرك كيف نسعى إليه، أو يربحونها، مهما قلنا وصرخنا، وخرجنا فى مليونيات... والاحتقان المستمر والمربك للشارع، يساعدهم على تحقيق أهدافهم حتما، لأنه يضع الشارع فى حالة الاحتقان المطلوبة، وأحيلكم مرة أخرى إلى الكتاب نفسه، لتعلموا أن كل ما كتبته مستقى من تاريخ ثورات أخرى، وخطط مخابراتية سابقة، وناجحة

 

د . نبيل فاروق

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (17 منشور)

avatar
شركة تنظيف منازل بالدمام
avatar
شركة كشف تسربات المياه بالرياض
avatar
شركة شراء اثاث مستعمل بالرياض
avatar
شركة جلي بلاط بالرياض
avatar
شركة تنظيف شقق بالرياض
avatar
شركة نقل اثاث بالرياض
avatar
شركة تنظيف موكيت بالرياض
avatar
شركة تنظيف مجالس بالرياض
avatar
شركة تنظيف مسابح بالرياض
avatar
شركة تنظيف منازل بالرياض
1 2 next المجموع: 17 | عرض: 1 - 10

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال