الرئيسية | مقالات | وللتخابر أيضا تاريخ(4)

وللتخابر أيضا تاريخ(4)

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
وللتخابر أيضا تاريخ(4)

 

و(باروخ زكى مزراحى) هذا هو يهودى مصرى، ولد بـ(القاهرة) عام 1926م، وكان والده (زكى مزراحى) واحداً من تجار الدخان، فى شارع (كلوت بك)، وكان ثرياً إلى الحد الذى سمح له بإلحاق ابنه (باروخ) بمدرسة (الفرير)، قبل أن يتوفى عام 1933م، إثر إرهاق شديد فى العمل .. وعلى الرغم من وفاة الوالد، راحت أم (باروخ) تعمل بجد وبلا كلل، لتوفر لأبنائها حياة قريبة من تلك التى وفرها لهم والدهم، واشتهرت بين جيرانها بأنها خياطة بارعة تتقاضى أجراً يتناسب مع مهارتها وذوقها الرفيع، بحيث نجحت فى إلحاق (باروخ) فى سبتمبر 1940م بمدرسة (الفرير) الثانوية، المعروفة باسم مدرسة القديس (يوسف)، وحصل منها على شهادة (التوجيهية)، من القسم الأدبى عام 1944م، والتحق فى العام نفسه بكلية التجارة جامعة (القاهرة)، وتخرج فيها عام 1948م، مع تخصص فى شعبة المحاسبة .. وفى نفس عام تخرجه، عمل (باروخ) فى شركة (كونزلز) لاستيراد المعلبات والمحركات، ثم انتقل فى عام 1950م للعمل فى شركة (بخكو) للأدوية والأدوات الجراحية، وظل يعمل فيها لمدة عشرة أشهر، انتقل بعدها للعمل كمدرس، فى مدرسة الأقباط الكبرى الثانوية، لتدريس اللغة الفرنسية، وكان عمله ينتهى فيها فى الرابعة عصراً، حيث يعمل حتى المساء فى شركة سمسرة، تحمل اسم (دانيال نبياه وشركاه  )..

 

وأصبح (باروخ) موظفاً ثرياً، بالمعنى المعروف فى تلك الأيام، يقطن شقة أنيقة، تحوى كل متطلبات العصر، ويرتدى أفخر الثياب، ويتعطر بأغلى العطور، ويكفل أمه وشقيقته (إيفيت) وشقيقه (ماير)، وكل شئ يسير معهم على ما يرام. ز حتى ظهرت (فورتينيه).. كان هذا فى عام 1955م، عندما التحقت (فورتينيه) الفاتنة الشقراء بنفس المدرسة، التى يعمل بها (باروخ)، وأصبحت زميلته فى العمل .. ومنذ اللحظة الأولى، التى وقع فيها بصره على شعرها الذهبى وابتسامتها الساحرة، غرق (باروخ) فى غرامها حتى النخاع، وراح يتقرب منها فى لهفة واضحة، وهى تسمح له بالاقتراب إلى حدود مدروسة، ثم تصده وتمنعه عن الاستطراد فى حنكة وصرامة، تمتزجان برقة وإغراء يفتنانه، ويخلبانه لبه وصوابه، حتى أنه عرض عليها الزواج .. كان يتوقع منها الشعور بالمفاجأة، أو الخجل، أو حتى إشاحة رقيقة بوجهها، ولكن ما فعلته كان مدهشاً للغاية .. لقد تطلَّعت إليه لحظة بابتسامة ظافرة، وتألق الزهو فى عينيها واضحاً، ثم لم تلبث أن حوَّلت كل هذا إلى ضحكة مجلجلة، تموج بالانتصار والخيلاء، وعلى الرغم من هذا، فقد رفضت عرضه؛ لأن عائلتها كلها قررت الهجرة إلى (إسرائيل).. حاول إقناعها بالبقاء فى (مصر) مشيراً إلى أن كليهما يتمتع بوظيفة ممتازة، ووضع مالى جيد ولكنها تشبثت برأيها، وحسمت الأمر بأن الوسيلة الوحيدة هى أن يهاجر هو أيضاً إلى (إسرائيل).. أو يفترقان تماماً 

 

وتحت ضغط الهوى والحب، أقنع (باروخ) أمه بالهجرة إلى (إسرائيل)، وحملها رغماً عن إرادتها إلى السفينة، التى حملتهما إلى ميناء (بيريه) وهما يذرفان الدمع مع غيار أضواء مدينة (الإسكندرية) خلف الأمواج، فى السادس من فبراير، عام 1957م، وبصحبتهما الفاتنة (فورتينيه) وعلى شفتيها ابتسامة ظافرة، لم يدرك (باروخ) معناها، حتى عندما التقى بمندوبى الوكالة اليهودية فى (بيريه)، ولاحظ استقبالهما الحار لصديقته (فورتينيه) ومعرفتهما الواضحة بها، قبل أن ينتقل الجميع إلى باخرة أخرى حملتهم إلى ميناء (حيفا)، حيث أرض الميعاد، التى حلموا بها طويلاً ..

 

وهناك، فى قلب (إسرائيل)، راحت الصدمات تتوالى.. كانت الصدمة الأولى هى أنه سينتقل مع أمه، للعيش فى مستعمرة (معجان ميخائيل) حيث تعمل أمه فى حياكة الملابس، ويعمل هو كفلاح أجير.. والصدمة الثانية هى أن حياته فى (أرض الميعاد)، لن تساوى ذرة من حياته فى (مصر)، إذ يكفيه أجره بالكاد، ليعانى شظف العيش، ويجد مأوى متواضعاً، ويتناول ثلاث وجبات أشد تواضعاً .. أما الصدمة الكبرى، التى زلزلت كيانه، وحطمت كل أحلامه، فهى أن زواجه من (فورتينيه) مستحيل، لأن القوانين الإسرائيلية تحظر زواج اليهودى من فتاة ليست من أم يهودية..

 

ولم تكن هذه نهاية الصدمات، بل تواصل الأمر بانتقاله إلى (حيفا)، وعمله هناك كرجل شرطة، بأجر تافه ضئيل، واضطراره للعيش فى مسكن مشترك، مع يهودى شرقى آخر، ومعاناته من سوء معاملته، باعتباره أحد يهود (الإشكنزيم)، من الطبقة الثانية، وفى النهاية زواج (فورتينيه) من يهودى ثرى، وانقطاع آخر أمل له فى الزواج منها.

 

وعلى الرغم من كل هذا، لم يبق (باروخ) بلا زواج .. لقد التقى، أثناء عمله فى شرطة الآداب، بزميلته (مرجريت)، فوقع فى حبها من أول نظرة، وغرق فى بحر الهدوء المطل من عينيها الحانيتين، وسرعان ما تزوجها، وبدأ حياة أسرية جديدة، ينفق عليها من الإتاوات والرشاوى، التى يتقاضاها من قطط الليل، لغض البصر عن نشاطهن.

 

وذات يوم، استدعاه رئيسه، وقال له فى لهجة آمرة حازمة أنه قد رشحه لعمل هام، وطلب منه أن يذهب غداً إلى مكتب المخابرات، ويقابل رئيسه (حايم أيدولوفيتش).. ومن هنا كانت البداية.. لقد التقى فى الصباح التالى بمدير مكتب المخابرات المحلى، البولندى الأصل الذى تفحصه بنظرات سريعة، ثم أبلغه أنه تم تعيينه فى جهاز المخابرات الإسرائيلى، وأسند إليه مهمة مراقبة نشاط بعض الشيوعيين، فى قلب (إسرائيل).. وانغمس (باروخ) فجأة فى هذا العالم.. كان يغمر رئيسه بتقاريره بالغة الخطورة عن نشاط الشيوعيين فى (إسرائيل) ويتقاضى مكافآت سخية مقابل هذا، وبرع فى عمله كثيراً، حتى استدعاه (حايم) ذات يوم، وابتسم ابتسامة كبيرة، وهو يطلب من أن يذهب لمقابلة شخص هام، فى قهوة (فيرد) شمال شارع (ديزنجوف) فى (تل أبيب)، فى تمام السادسة مساءً .. وذهب (باروخ) فى الموعد تماماً.. وبدأ خطوته الثانية فى عالم المخابرات.. فى البداية أسندوا إليه بعض أعمال الترجمة، لتقارير واردة من العملاء الأجانب، ثم استدعاه المدير ذات مرة، وأخبره أنهم سيرسلونه

 

فى مهمة إلى (هولندا) حيث افتتحوا مكتباً تجارياً هناك، كغطاء لأعمال التجسس ...

 

وفهم (باروخ) ما يعنيه الأمر، وسافر إلى (هولندا)، وهناك أقام علاقات جيدة مع المصريين المقيمين فى العاصمة الهولندية، ونشطت علاقته بهم، وجمع قدراً كبيراً من المعلومات، جعله يؤكّد أن مستوى الوعى الأمنى عند العرب منخفض للغاية، فما أن يبدأ الحديث مع أحدهم، حول موضوع ما، حتى ينطلق مثرثراً، ويروى كل ما لديه عنه، مهما بلغت سرية الأمر!!!! ..

 

وبعد النجاح الساحق لمهمته فى (هولندا) عاد (باروخ) إلى (تل أبيب)، ولم تمض فترة قصيرة حتى استدعاه مديره مرة أخرى، وقال فى لهجة تشف عن أهمية الأمر وخطورته: إن المصريين قد ضربوا إحدى السفن الإسرائيلية، أمام باب المندب، وهذا ما دفعهم إلى أن يسندوا إليه مهمة بالغة الخطورة، يعلقون آمالاً كبيرة على نجاحه فيها، وأن رئيسة الوزراء شخصياً، شديدة الاهتمام بما سيحققه فيها؛ إذ سيسافر أولاً إلى (عدن) ثم اليمن الشمالية وبعدها إلى دولة الإمارات.. ويريدونه أن يجمع أكبر قدر من المعلومات عن هذه البلاد، ويتابع نشاط منظمة التحرير الفلسطينية فيها، ويريدون أن يعرفوا بالتحديد، هل يتدرب الفدائيون هناك، على ضرب ناقلات البترول الإسرائيلية فى البحر الأحمر؟

 

وشعر (باروخ) بأهمية المهمة وخطورتها، وهو يبدأ رحلته، بجواز سفر مغربى، يحمل اسم (أحمد الصباغ) وعلى كتفه، كأى سائح عادى، آلة تصوير جيدة، تساعده على التقاط صور الأهداف الحيوية، وقبل أن يستقل طائرته بأقل من ساعة، جال بخاطره أمر مقلق.. وماذا لو انكشف أمر ؟ وعندما صارح رئيسه (موردخاى) بهذا،

 

انفجرت عاصفة من الضحك فى مقر المخابرات، وأخبروه فى ثقة، أن الخطة التى يضعها عباقرة الموساد، يستحيل أن يكشفها عرب متخلفون ...

 

وهكذا غادرهم (باروخ)، وهو يشعر بالزهو والغرور، لأنه يعمل فى جهاز خطير ودقيق، مثل المخابرات الإسرائيلية، وسافر إلى (عدن)، وأنهى مهمته فيها بنجاح، ثم إلى اليمن، حيث أقام فى فندق الأخوة فى (الحديدة)، وبدأ هناك عمله فى ثقة وبساطة، فراح يتجوَّل فى الأسواق، وبالقرب من الميناء، حاملاً آلة التصوير المعلقة بكتفه، والتى يلتقط بها عشرات الصور للميناء، والسفن الراسية فيه، وإجراءات الأمن من حوله، ثم يعود إلى حجرته فى الفندق باسم الثغر، شديد الزهو والهدوء... ولكن فجأة، وفى نفس اليوم الذى استعد فيه للسفر إلى (أديس أبابا)، فوجئ بشابين من رجال الأمن اليمنيين فى حجرته، يسألانه فى لهجة مهذبة تفتيش حجرته، فحاول الاعتراض، وثار ثورة مصطنعة، وهدد بالاتصال بسفارة المغرب، ولكن أحداً لم يعره انتباهاً، وعثر الشابان على الأفلام، فصاح فصاح مؤكداً إنها مجرد صور تذكارية للرحلة، ولكن أحدهما دسّ يده فى جيب (باروخ)، وأخرج الرسوم الكروكية للميناء والمواقع العسكرية اليمنية، وهو يتساءل: أهذه؟.. رسوم تذكارية أيضاً ؟! ..

 

وأسقط فى يد (باروخ)، واستسلم لهما وهما يقودانه إلى مبنى التحقيقات، ولكنه ظلّ يصر على أنه مغربى الجنسية، إلا أن اليمن كانت قد أبلغت المخابرات المصرية بسقوط الجاسوس، الذى حذرتها (مصر) من أنه سيصل إليها مسبقاً، بعد أن نقل إليها أحد عيونها المعلومة، من قلب إسرائيل، وأرسلت (مصر) ضابط المخابرات المصرى الأسمر، الذى واجهه، وكشفه أمام نفسه، ثم حمله معه إلى القاهرة ....

 

لم تكن رحلة الضابط المصرى مع الإسرائيلى (باروخ زكى مزراحى)، من (اليمن) إلى (القاهرة) سهلة أو هينة، بل كانت مغامرة عنيفة، تستحق مجلداً ضخماً لسردها، خاصة مع محاولات (الموساد) المستميتة لاستعادة ضابطهم، ولكنهما فى النهاية وصلا إلى (القاهرة)، وتسلمت السلطات (باروخ) وقبل أن يبدأ (إسماعيل مكى)، نائب المدعى العسكرى العام، تحقيقاته معه، مال نحوه، وأخبره بابتسامة هادئة، إن زوجته (مرجريت) رزقت بمولودة أمس، وهى فى حالة جيدة.. وهنا انفجر (باروخ) باكياً، وأعترف بكل شئ..

 

ولم تكلل حياة (باروخ) بالانتصارات وأكاليل الغار، كما كان يتوقع، بل كان سقوطه عنيفاً مدوياً، زلزل كيان جهاز حكماً بالسجن المؤبد، فى زنزانة عادية فى (القاهرة) التى ولد فيها، والتى شهدت صباه وشبابه، و… وسقوطه ...

 

وقصص السقوط فى تاريخ المخابرات عديدة، لن تكفيها صفحات فى صحيفة، أو حتى صحيفة كاملة، فمن (إبراهيم سعيد شاهين) و(انشراح على موسى) إلى (سامى نافع) إلى الدكتور (إسرائيل بيير)، مستشار الأمن القومى الإسرائيلى، والذى لم يعرف، حتى لحظة سقوطه، أنه كان يعمل لحسابنا، من خلال عشيقته (كلارا)، إلى (محمد العطار) و(محمد سيد صابر) حديثاً، ولكن عمل أجهزة المخابرات لا يقتصر على جمع المعلومات وزرع العيون، وإسقاط الجواسيس فحسب، بل يمتد أيضاً إلى حماية الأمن القومى بشتى الطرق، ولقد تبيّن هذا قديماً، من خلال النشاط المكثّف لجهاز المخابرات، فى الفترة من نكسة يونيو، وحتى نصر أكتوبر 1973م، ففى تلك الفترة، قرّرت المخابرات أنه من صميم عملها، توعية المواطنين بضروريات المرحلة المقبلة، وكان هذا إيذاناً ببدء الخطة، التى تعتمد على شن حملة ضخمة، على كل المستويات لتوعية الناس بضرورات الأمن، وتعريفهم بأساليب العدو فى جمع المعلومات، ومنعهم من الإفضاء بما لديهم فى كل مناسبة - وبدون مناسبة - وسد الثغرة التى تتسرب منها الأسرار.. وعندما بدأوا خطتهم، كانوا يدركون جيداً أن الخطوة الكبرى والأولى، بل والعمود الفقرى للخطة كلها هى الدين، فلابد أن يدرك الناس، من خلال جهات يمنحونها كل ثقتهم ضرورة كتمان الأسرار.. ولا توجد جهات لهذا الغرض، أفضل من دور العبادة، فغالبية المواطنين يترددون عليها بانتظام، ويؤدون فيها مناسكهم وصلواتهم، والتوعية من خلالها ستجد حتماً الصدى المطلوب فى نفوس الجميع.. ولتحقيق هذا الغرض، كان من الضرورى أن يفهم رجال الدين الفكرة، ويستوعبوها، ويقتنعوا بفائدتها وضرورتها، حتى يمكنهم نقل هذا إلى مستمعيهم.. وعلى الرغم من أن طبيعة العمل فى أجهزة المخابرات لا تميل قط - بل وربما تتنافى تماماً - مع العلانية، والاجتماعات الرسمية، إلا أنه كان من الضرورى أن يعقد الرجال اجتماعات موسعة مع رجال الدين، من شيوخ وقساوسة، ليتحدثون إليهم مباشرة، ويشرحون لهم فكرتهم والأسلوب الأمثل لتعاونهم معه على تحقيقها.. وكانت الفكرة ناجحة بحق.. لقد اقتنع الجميع بالفكرة بسرعة، ولقد أضفى قيام رجال مخابرات بشرح القضية جدية وخطورة على الموقف، فتفاعل معهم رجال الدين فى حماسة، واستوعبوا الموقف كله، واتفقوا معهم فى الرأى تماماً..

 

وفى الأيام التالية بدا من الواضح أن الفكرة كانت مدهشة وناجحة إلى حد مذهل، فقد انطلق خطباء المساجد، والقائمون على الوعظ فى الكنائس، ينبهون الناس إلى ضرورة التزام الصمت، حتى لا يستفيد العدو من ألسنتنا، وكان لحماسهم وإخلاصهم أثره البالغ فى استجابة جموع الشعب للفكرة بسرعة مدهشة، كما اتضح بشكل قاطع فى السنوات التالية.. ولكن الجعبة لم تكن قد فرغت بعد.. فبعد رجال الدين، جاء دور الطوائف الأخرى، التى يمكنها التأثير فى الجماهير، التى تكتسب ثقتها واهتمامها، مثل الأدباء والصحفيين، ومؤلفى الأغانى، ومعد التمثيليات، ومخرجى المسلسلات الإذاعية والتليفزيونية..

 

صحيح أن هذا يتعارض كثيراً مع نظم العمل فى أجهزة المخابرات، التى تحبذ السرية والصمت، إلا أنه أروع ما فى هذه النظم هو أنها ليست جامدة أو محتجرة، وإنما يمكنها أن تتغير وتتبدل، طبقاً للظروف ومقتضيات الموقف..

 

ومن هذا المنطلق، شرح الرجل الفكرة للحشد الذى اجتمع لينصت إليه، وطلب منهم أن يعملوا على شد انتباه المواطنين، من خلال ما يقدمونه من مقالات وكتب، وروايات، وأعمال فنية وترفيهية، إلى الخطر الرهيب، الكامن فى الأحاديث غير المسئولة فى الشوارع والمصانع ووسائل المواصلات، وينبهوهم إلى مزايا الصمت والتكتم، وحجب أنباء المنشآت والأسلحة والنوايا..

 

ومرة أخرى آتت الفكرة ثمارها على نحو مدهش.. لقد انطلق سيل من الروايات، والكتب، والمقالات والمسلسلات، والبرامج الإذاعية والتليفزيونية يغمر وسائل الإعلام ويملأ أسماع ويعون وعقول الناس، على نحو لم يسبق له مثيل.. وفى حماسة، التفَّ الناس حول أجهزة الراديو، لمتابعة مسلسل (كلاب الحراسة) الذى كتبه (كمال إسماعيل)، ابن الراحل (محمود إسماعيل)، وأخرجه للإذاعة الفنان (على عيسى)، ثم لم يلبث المسلسل أن تحول إلى (التليفزيون)، من إخراج (نور الدمرداش)، فتضاعف نجاحه مرات ومرات.. وتواصل السيل، ليكتب (محمود صبحى) فى برنامج (عيلة مرزوق أفندى)، ويكتب (رأفت الخياط) (البعثة 69) ويقدم (محمد كامل) (المصيدة)، فى حين أخرج (محمد شرابى) عشر تمثيليات فى برنامج (صور من الحياة) حول الفكرة نفسها، وقدم (على عيسى) برنامجين ناجحين (من قصص الجاسوسية)، و(الحرب النفسية) كما شارع (فائق إسماعيل) بمسلسلين (اللصان والجاسوس)، و(لا أسمع.. لا أرى.. لا أتكلم).. ومع تقديم هذه الأعمال تضاعف الحماس أكثر وأكثر، وتصاعدت درجة الوعى، وبدأ الناس يدركون أهمية إمساك الألسنة.. ولكن الحملة لم تتوقف.. والسيل لم ينقطع..

 

لقد قدم (محمد سعيد) برنامج (جند الله)، فى حين تبنى مذيع البرامج الدينية الأشهر (أحمد فراج) الفكرة فى برنامجه (نور على نور)، وجذبت الإذاعة الآذان والعقول والقلوب بثلاث خماسيات، لاقت نجاحاً كبيراً فى حينها، وهى (تذكرة إلى أثينا)، و(كمين)، و(صراع حتى النهاية).. وفى نفس الوقت كان العشرات من أصحاب الأقلام يقدمون المقالات، فى الصحف المختلفة، مثل (حسين فهمى)، و(أنيس منصور)، و(عبد السلام داود)، و(صلاح هلال)، و(جميل عارف)، و(عبده مباشر)، وغيرهم..

 

على الرغم من كل هذا النجاح، ومن أن الدعوة قد وجدت طريقها إلى مختلف قطاعات الشعب على نحو شديد الإلحاح والاستمرارية، إلا أن المخابرات كانت تشعر أن شيئاً ما ينقص.. صحيح أن الناس تدرك خطورة التشدق بالمعلومات، والتباهى بالأهداف، إلا أن العديد منهم ما زالوا يتخذون موقفاً عدائياً من جهاز المخابرات العامة بعد المناخ الذى ساد عقب نكسة يونيو 1967م، والذى حاول البعض خلاله تشويه صورة الجهاز، والانتقاص من قدره، ونسب العديد من الأعمال المنافية للأخلاقيات إليه، دون مبرر أو دليل.. وكان من الضرورى أن يتم تحسين هذه الصورة، وتعريف الناس بحقيقة عمل المخابرات العامة، وبأنها الدرع الواقية للبلاد، والسبيل الأمثل لحماية الوطن من أعدائه خارج الحدود وداخلها، وفى سبيل هذا الهدف النبيل، فإنها تسعى للحصول على معلومات عن العدو وتأمين أفراد الشعب ومعداته ومنشآته، بمكافحة التجسس والتخريب، وأنه لا صلة لها قط بأعمال القمع، التى لم تدخل فى نطاق عمل المخابرات.. وفى سبيل تحقيق هذا الهدف الجديد، استعانوا بواحد من أوائل من توغلَّوا أدبياً فى عالم المخابرات، وهو الراحل (ماهر عبد الحميد)، الذى بدأ يكتب مقالات أسبوعية، فى إحدى الصحف الكبرى، للتعريف بعمل المخابرات وأهميته، السرى).

 

وكان لهذه الخطوة، كسابقاتها، تأثير مدهش على الناس، الذين أدركوا وربما لأوَّل مرة، مقدار الجهد الذى يبذله رجال المخابرات العامة المصرية والمخاطر التى يتعرضون لها ويواجهونها، وأهميتهم البالغة فى الحفاظ على أمن الوطن وسلامته..

 

ونجحت الحملة أكثر وأكثر، حتى إن جريدة (جيروساليم بوست) الإسرائيلية قد نشرت مقالاً، فى عددها الصادر بتاريخ 26/4/1972م، تحذر فيه بشدة من مغبة الحملة المكثفة، التى تقوم بها الأجهزة المصرية والإعلام المصرى، لتوعية الشعب وإقناعه بضرورة الصمت وكتمان الأسرار، وتقول إن تأثير هذه الحملة لن يؤدى إلى تقليص كمية المعلومات، التى يجمعها عملاء المخابرات الإسرائيلية فحسب، وإنما سيمتد إلى تغيير وتبديل مواقف بضع العملاء، الذين يعملون ضد الدول العربية الأخرى أيضاً، ثم تؤكد ضرورة أن تعيد المخابرات الإسرائيلية تقييم موقفها، فى ظلّ هذه الحملة المكثفة..

 

ولقد تواصل هذا الأمر حتى حرب أكتوبر، التى كان للمخابرات دور شديد الفاعلية فى التمهيد لها، ولا نعنى هنا تجنيد العملاء وزرع العيون، وإسقاط الجواسيس أيضاً، ولكن دورها المميّز فى خطة الخداع الاستراتيجى، التى سجلها التاريخ، كواحدة من أعظم وأنجح خطط الخداع كافة، إذ اعتمدت فيها المخابرات على مبدأ جديد، ألا وهو أن تترك العدو يرى ويسمع .... ولكن لا يفهم ... وهنا تكمن العبقرية ..

 

يتبع ,,,

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال