الرئيسية | مقالات | وللتخابر أيضا تاريخ (3)

وللتخابر أيضا تاريخ (3)

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
وللتخابر أيضا تاريخ (3)

 

و(بهجت حمدان) ابن لأسرة بسيطة، اعتصرت حياتها لترسله إلى (ألمانيا الغربية) عام 1955م، على أمل أن تظفر فى النهاية بابن ناجح مرموق ولكن (بهجت) خذل هذه الأسرة وانساق لتيار الفتنة والفساد فى (ألمانيا) وتصادق مع عدد من الشباب المنحرف، غرق معهم فى الملذات المحرمة، وأهمل دراسته تماماً، حتى أنه فشل فى الحصول على مؤهله طوال سنوات الدراسة وحتى عام 1958م.. ولكن (بهجت) لم يستسلم لهذا.. لقد تزوج فى تلك الأثناء - فتاة تدعى (أنجريد شوالم) عاونته على الحصول على شهادة غير حقيقية، تثبت حصوله على نوع من الدبلومات الفنية الهندسية هناك، فاصطحب زوجته وشهادته، وعاد بهما إلى (القاهرة) والتحق بعمل جيد فى الهيئة العامة لمشروع الخمس سنوات وكانت تلك وظيفة مرموقة فى تلك الفترة..

 

لقد ظل طوال فترة عمله مثالاً للموظف الفاسد المرتشى المستهتر، حتى بلغ به الفساد حد بيع بعض أسرار المشروع لعدد من الشركات الألمانية نظير مبلغ ليس بالكبير وانكشف أمر هذه الصفقة القذرة، ففصل من عمله على الفور..

 

وفى عام 1962م، رحل (بهجت) وزوجته عن البلاد واتجها إلى (لبنان) ومنها إلى (باريس) حيث أقاما فى فندق ستار أحد أوكار المخابرات الإسرائيلية فى (أوروبا) وهناك استشف موظف الاستقبال أنه صيد سهل فألقى شباكه حوله وراح يتقرب إليه، ويشمله برعايته، ويصطحبه معه إلى الحفلات الماجنة وأماكن اللهو، حتى توطدت أواصر الصداقة بينهما، وبدأ الموظف يستعد لتجنيده..

 

وفى تلك الأثناء، كان رجال المخابرات المصرية ينفذون خطة أطلقوا عليها اسم عين الصقر ويراقبون كل أوكار المخابرات الإسرائيلية، وما إن لاحظوا تلك الرابطة التى جمعت بين (بهجت) وموظف الاستقبال الذى يعمل لحساب الإسرائيليين، والمولود فى (بور سعيد) حتى وضعوا الأول تحت المراقبة فوراً وبدءوا فى دراسة كل حركاته وسكناته بمنتهى الدقة..

 

وذات ليلة، وبعد سهرة ملتهبة، صارح (بهجت) صديقه بأنه، عند مغادرته (القاهرة) حصل على بعض الوثائق والمستندات الخاصة بمشروع السنوات الخمس، وأنه يدرك فائدتها الاقتصادية، ويرغب فى بيعها لمن يدفع ثمناً أكبر.. وكان هذا أفضل ما يمكن أن يتوقعه موظف الاستقبال الذى قدم (بهجت) لرجل آخر، يدعى (جورج سيمون) وأخبره أن هذا الأخير رجل أعمال وأنه يهتم كثيراً بالوثائق التى فى حوذته.. وفى لقائهما الأول، وافق (سيمون) على شراء الوثائق بعشرة آلاف فرنك دفعها عداً ونقداً، فسلم (بهجت) الوثائق وتأكد سيمون من أهميتها قبل أن يبدأ فى اختبار بهجت نفسه، حتى أدرك أنه مستعد للتعامل مع الشيطان نفسه لو أن هذا يفيده، فصارحه أنه سيعمل مع المخابرات الإسرائيلية .. كان الحوار يبدو مباشراً وصريحاً، على نحو يتنافى مع الأساليب التقليدية، المتبعة فى عالم المخابرات ولكن الواقع أنه لم يكن عشوائياً، فقد درس الإسرائيليون (بهجت) جيداً لفترة طويلة، وتأكدوا من أنه مستعد لعمل أى شئ فى الدنيا مقابل المال قبل أن يواجهوه على هذا النحو المباشر..

 

ولقد بدءوا فى التعامل معه على الفور، فنقلوه من (باريس) إلى (فرانكفورت) فى (ألمانيا الغربية) وقدموه إلى أحد عملائهم ويدعى (بوتا) وهو من أكبر تجار البورصة فى مدينة (بريمن) لتدريبه على العمل فى مجال الاقتصاد ودراسة الأسواق.. واستمرت عملية التدريب هذه عامين كاملين تأكد (بوتا) بعدهما من نجاح تلميذه فعاونه على الحصول على الجنسية الألمانية التى أسقطت عنه الجنسية المصرية طبقاً لقوانين تلك الفترة فى أوائل عام 1967م ..

 

وبدأ (بهجت) فى إجراء اتصالاته مع مؤسسة البترول فى (مصر) لشراء بعض المنتجات البترولية، وحضر إلى (القاهرة) بالفعل مع عدد من رجال صناعة البترول الألمان وحاولوا عقد عدة صفقات ولكن محاولاتهم فشلت تماماً لأن الأسعار التى قدموها كانت تقل كثيراً عن الأسعار العالمية فعادوا إلى (ألمانيا) بخيبة أمل .. ولكن (بوتا) كان يعد للرجل فكرة جديدة .. لماذا لا يقتحم عالم تجارة السلاح ويحاول توريد بعض صفقات الأسلحة إلى الدول العربية و(القاهرة)؟…

 

وراقت الفكرة لـ(بهجت)، فسافر مرة أخرى إلى (القاهرة) وحاول أن يعرض خدماته على بعض المسئولين والمختصين لتوريد المعدات العسكرية والمهمات .. كل هذا دون أن يدرك أو يشك هو وجهاز المخابرات الإسرائيلى كله فى أن المخابرات المصرية تتابع كل هذا خطوة بخطوة وأنها تفرش أمامه طريق السقوط حتى يمكنها اقتناصه فى اللحظة المناسبة..

 

وبناءً على توجيهات جهاز المخابرات العامة تظاهر المسئولون والمختصون بموافقتهم على إتمام مثل هذه الصفقات العسكرية مما رفع معنويات (بهجت) ومنحه شعوراً بالثقة جعله يعود إلى (بوتا) فى (ألمانيا) ويلقى على مسامعه كل ما لديه فعرفه (بوتا) على اثنين آخرين، وكوَّن الثلاثة معاً شركة للتعامل مع الشرق الأوسط فى مجال الأعمال الإنشائية تحت اسم (شركة نورد) وراحوا يحلمون بالفوز والربح والتفوق..

 

وفى أواخر عام 1968م سافر (بهجت) مرة أخرى إلى (القاهرة) بصحبة شريكيه (ألبرت فايزر) و(وولف درابو) لدراسة العروض مع المختصين والمسئولين الذين واصلوا مجاراتهم للموقف وأبدوا استعدادهم للمضى فى العملية وطلبوا من (بهجت) وشريكيه إيداع مبلغ من المال كتأمين وضمان لجدية الصفقة.. وعاد الثلاثة إلى (ألمانيا) وقلوبهم تكاد تطير من صدورهم من فرط شعورهم بالظفر والزهو والنجاح وفى منزل (بهجت) فى (بريمن) جاء رجل المخابرات الإسرائيلى (سيمون) خصيصاً من (تل أبيب) ؛ ليخبره أنه سيحصل على مكافأة مجزية، وهذا بالإضافة إلى الأرباح الباهظة التى ستحققها العملية وستقدم له المخابرات الإسرائيلية كافة المساعدات والإمكانيات لإنجاح هذه الصفقات ولكنها تريده أن تبذل قصارى جهده فى (مصر) لجمع أكبر قدر من المعلومات عن القوات المسلحة والاستحكامات العسكرية كما تريده أن يدرس كل المحيطين به من معارف وأصدقاء من المدنيين والعسكريين ويرسل إليهم أسماء من يرى أنه يصلح للتجنيد منهم للعمل لحسابهم .. ولم يدخر (بهجت) وسعاً فى سبيل تنفيذ ما طلبته منه المخابرات الإسرائيلية فسافر مع شريكيه مرة أخرى إلى (مصر) وهناك سدد مبلغ ربع مليون مارك ألمانى كتأمين ثم اتصل بزوج شقيقته وهو أحد العاملين بشركة المقاولون العرب فى منطقة القناة وأبلغه أنه فى سبيل القيام بمشروع هندسى ضخم لحساب الحكومة المصرية بالتعاون مع شركة ألمانية غربية وعرض عليه الالتحاق بالعمل معهم فور بدء المشروع ولوَّح له بمرتب يسيل له اللعاب ويتجاوز ثلاثة أضعاف راتبه الحالى.

 

وسقط الرجل فى الفخ، وقدمه (بهجت) لشريكيه (فايزر) و(درابو) اللذين كررا العرض وأسقطا الرجل فى الفخ أكثر وأكثر .. وتكررت لقاءات زوج الشقيقة بـ(بهجت) وشريكيه وفى كل مرة كان الحوار يتجه إلى الاستعدادات العسكرية التى تقوم بها مصر بعد نكسة يونيو 1967م والإنشاءات التى تقوم بها لهذا الغرض .. ودائماً كان زوج الشقيقة يتحدَّث أكثر ويشعر بالزهو وهو يستعرض ما لديه من معلومات حول الإنشاءات العسكرية ومواقعها وأنماطها..

 

كل هذا دون أن تتدخل المخابرات المصرية مرة واحدة .. ولكن عيون الصقور لم تنم قط

 

لقد ظلَّت تراقب وترصد كل التحرُّكات والحوارات والمناقشات حتى كان يوم الذى شعرت فيه أن العملية تطورت كثيراً حان الوقت لإنهائها؛ لأن (بهجت حمدان) طلب من زوج شقيقته بعض الرسومات الهندسية الخاصة بالإنشاءات العسكرية والاستعدادات السرية وهى تعتبر من أدق الأسرار العسكرية ولقد سلم الرجل الرسومات المطلوبة وسيسافر بها مع شريكين إلى (ألمانيا) غداً فى الثامنة والنصف مساءً..

 

وفى الساعة الثامنة من مساء يوم الاثنين 2/6/1969م، كانت لحظة السقوط..

 

وفى مبنى استجوابات المخابرات بدا (بهجت) ذاهلاً شاحباً وهو يسأل بحروف مرتجفة كيف كشفوا أمره، ففاجأه رجال المخابرات المصرية بملف ضخم يحمل اسمه على غلافه مع عدد هائل من الصور والتسجيلات التى تحمل وجهه وصوته منذ لقاءاته وسهراته مع موظف استقبال فندق ستار فى (باريس) وحتى تلك اللحظة التى تسلم فيها الرسومات الهندسية للمنشآت العسكرية من زوج شقيقته .. وأمام هذا السيل الجارف من الأدلة والبراهين انهار (بهجت حمدان) تماماً وراح يبكى ويتوسل ويطلب العطف والعفو وكانت أعصابه متوترة تماماً حتى أنه كرر كتابة اعترافه ثلاث مرات ووقعه مرتين لأن أصابعه ترتجف فى كل مرة ..

 

وأثناء محاكمته لم يجد محامية ما يدافع عنه سوى أنه يحمل الجنسية الألمانية وأن ما فعله يعتبر تجسساً وليس خيانة.. ولكن هذا لم يفد (بهجت) كثيراً.. ففى الثامن والعشرين من فبراير عام 1971م التف حبل المشنقة حول عنق (بهجت حمدان) ، وانتهى أمره وأمر خيانته ..

 

و(بهجت حمدان) لم يكن أشهر جاسوس سقط فى قبضة المخابرات المصرية، فهناك الأشهر، وربما درامياً أيضاً، وهى (هبة سليم)، التى عرفها العامة باسم (عبلة كامل) ...

 

ولا أحد من خريجى كلية الآداب، فى تلك الفترة من أواخر الستينات، يمكنه أن ينسى (هبة سليم)، تلك الفاتنة، ذات الشخصية القوية، والطبيعة الصريحة المهاجمة.. كانت دائماً من المتفوقات فى دراستها، وبالذات فى دروس اللغة الفرنسية، حتى أنها صارت صديقة شخصية للبروفيسير (جان بول)، أستاذ الفرنسية الشاب الوسيم، الذى يتقن العربية، ويتعامل مع طلاب الكلية بروح تختلف عما يتعامل بها معهم أستاذتهم الآخرون .. وكانت (هبة) تحتاج بالفعل إلى صديق، فهى تحيا وسط أسرة عجيبة، تزخر بالمتناقضات، فأبوها لا يبارح سجادة الصلاة إلا نادراً، وهو يسجد لله - سبحانه وتعالى - أو يقرأ القرآن فى خشوع، فى حين لا تفارق أوراق اللعب يد أمها قط، فهى إما أن تمارس اللعب مع صديقاتها، أو تفتح الأوراق لرصد الحظ، ومحاولة كشف المستقبل، الذى لا يعلمه إلا الخالق عز وجل .. وبسبب هذا التناقض العجيب، لم يكن البيت يخلو قط من الصراعات والمشاحنات والشجار، الذى قد يصل فى بعض الأحيان إلى التشابك بالأيدى، بين الأم والأب و(هبة) تتجاهل كل هذا، وتسرح مع أحلامها الخاصة.. أحلام الثراء والشهرة والطموح، والتى عبرت عنها لصديقاتها، بأن النقود هى كل شئ فى الحياة.. هى القوة، والجاه.. وعلى نحو أكثر صراحة .. هى الوطن الوحيد، الذى تنتمى إليه .. ولم تكن مبالغة فى قولها هذا، فهى لم تنتم أو تعبد شيئاً سوى المال، فى حياتها كلها.. ربما لأن والدها كان مدرساً بسيطاً، لا يزيد دخله عن حفنة من الجنيهات، فى زمن لم تكن الدروس الخاصة قد عرفت فيه بعد، وكان دخله المنخفض هذا هو السبب الأعظم للخلافات المستمرة بين أمها وأبيها، والمشاحنات التى لا تنتهى فى المنزل

 

وذات يوم، تلقت (هبة) دعوة لحفل زفاف إحدى زميلاتها، فأعربت فى سخرية، وهى تتحدث مع (جان بول) الشخص الوحيد، الذى اعتادت مصارحته بهمومها، عن أنها لا تملك ثوباً يصلح للحفل، فأهداها (جان) ثوباً للحفل.. ومن منتجات (بيير كاردان)، واعترضت (هبة) على قبول الهدية وشكرته بالفرنسية، التى أصبحت تجيدها تماماً، ولكنها لم تكد ترى الثوب، حتى انهارت مقاومتها تماماً، وقبلت الهدية بلا نقاش .. وكانت هذه هى البداية، فالبروفيسير (جان بول) الشاب الفرنسى الوسيم، صاحب الابتسامة الساحرة، جلس إلى مكتبه فى تلك الليلة بالذات، وراح يكتب تقريراً مفصلاً عن (هبة سليم)، أعلن فى نهايته ترشيحه لها، للعمل فى نفس الجهاز الذى يعمل هو لحسابه.. (الموساد).

 

وفى الوقت الذى اجتمع فيه فريق من رجال (الموساد) لدراسة التقرير الذى أرسله عميلهم (جان بول)، كانت (هبة سليم) تخطو داخل الحفل فى (القاهرة) فتتسع لمرآها العيون، وتخفق لفتنتها القلوب.. وأحد هذه القلوب، كان قلب (فاروق الفقى).. كان أحد أقارب العروس، وهوى قلبه مع ظهور (هبة)، وراح يخفق فى قوة ويرفرف، فطلب من قريبته، أن تقدّمه إلى تلك الفتاة، التى وصفها بأنها ساحرة .. وتم التعارف بين (هبة) و(فاروق)، واشتعل الحب فى تلك الليلة، ولكن.. من جانب واحد .. هو غرق فى حبها حتى النخاع، فى حين لم تمنحه هى سوى نظرة مدروسة، وضحكة عابثة ووعود غير منطوقة، وعندما غادرت الحفل، كانت موقنة من أن قلب (فاروق) قد أصبح خاتماً فى أصعبها بالفعل، وأنه مستعد لأن يفعل أى شئ من أجلها..

 

وعلى الرغم من أنها لم تحمل له شيئاً من الحب، إلا أنها ظلت تلاعبه كالقط والفأر، طوال أسبوع كامل، فلا هى تمنحه شيئاً، ولا هى تقطع علاقتها به، بل تقترب وتتباعد، وتمنح وتمنع، على نحو زاد حبه اشتعالاً، فى حين لم يمثل لها سوى لعبة شيطانية طريفة، ترضى طموحها وغرورها وأنوثتها.

 

وفى نهاية الأسبوع، ألقى (جان بول) قنبلته، وأخبرها أنها حصلت لك على تذكرة سفر إلى (باريس)، وإقامة مجانية لمدة أسبوعين، لدراسة الفرنسية فى (السوربون) .. وكادت (هبة) تجن من الفرحة، فها هى ذى ستسافر إلى (أوروبا)، التى تحلم برؤيتها منذ زمن طويل، وتتمنى لو قضت عمرها كله فيها .. وسافرت (هبة) وانبهرت بكل ما تراه فى (أوروبا)، من نظافة ونظام وحسن معاملة، ورقص قلبها طرباً، عندما حصلت هناك على منحة مقدارها عامان كاملان، لدراسة اللغة الفرنسية فى (السوربون) ..

 

وكان هذا أكبر مما تحلم به (هبة) حتى أنها فقدت توازنها تماماً، وكادت ترقص فى شوارع (باريس)، التى راحت تسير فيها بخطوات سريعة، وتنتقل من الشارع إلى مترو الأنفاق، لتقطع به المدينة كلها مرات ومرات .. وفى المترو، كان اللقاء مع (إيزاك)، الذى قدم نفسه إليها باسمه الحقيقى، وقال : إنه صحفى، يعمل فى منظمة خاصة لحفظ السلام العالمى، واستغرق طويلاً فى حديث حماسى حول متعة العمل بالصحافة وصعوبته. والعائد المرتفع الذى يدره، وهى تستمع إليه فى انبهار، وعقلها يخزن كل ما تسمعه منه، ويستوعبه جيداً..

 

وتوطدت أواصر الصداقة بين (هبة) و(إيزاك) فى قلب (باريس)، حتى سافرت فى نهاية الأسبوعين، وعادت إلى (مصر) لتمم إجراءات المنحة، التى ستعود بها إلى (باريس)، مدينة الفن والنور والجمال..

 

وفى (مصر) استقبلها (فاروق) بلهفة شديدة، وقضت معه أسبوعاً، عاش فيه أجمل وأسعد أيامه، وعلى الرغم من هذا، فقد عادت فجأة إلى (باريس)، دون حتى أن تودعه، أو تبلغه بموعد الرحيل .. وكانت صدمة عنيفة للرجل، الذى راح يبكى حبه فى مرارة، وشوقه ولهفته إليها يتزايدان، فى حين كانت هى تتنزه مع (إيزاك) فى (باريس) وهذا الأخير يبحث عن وسيلة لمصارحتها بالأمر، فإذا بها تواجهه مباشرة بأنها تعلم أنه يعمل لحساب المخابرات الإسرائيلية، وأنه ليس لديها أى مانع من العمل معهم، لو أنهم سيدفعون الثمن المناسب ..

 

كانت صدمة هائلة لرجل المخابرات الإسرائيلى، فقد أثبتت (هبة) أن المال بالفعل هو وطنها الوحيد، الذى تنتمى إليه.. ولكن الإسرائيليين شعروا بالقلق، فلم يكن من السهل عليهم أبداً استيعاب تلك الصراحة المطلقة؛ لذا فقد طلبوا من (إيزاك) إحضار (هبة) إلى (تل أبيب)، ولم تعارض هى قط، وإنما ذهبت إليهم بنفس ابتسامتها، تركتهم يخضعونها لكل الاختبارات والفحوص النفسية، التى أثبتت لهم، بما لا يدع مجالاً للشك، أنها ستعمل لحسابهم بكل إخلاص، طالما يدفعون جيداً..

 

وفى أول زيارة لها إلى (مصر) بعد عملها لحساب (الموساد)، استقبلها (فاروق) أيضاً بلهفة شديدة، ودعاها للسهر معه فى ملهى ليلى أنيق، وبينما كان يتطلَّع إليها فى انبهار، فوجئ بها تعرض عليه العمل لحساب منظمة السلام الوهمية، وتطالبه بمعلومات عن المطارات السرية، التى يعرفها بحكم طبيعة عمله، فأصابه الفزع، ولكنها استخدمت معه أقوى أسلحتها .. أنوثتها .. وفى تلك الليلة، عاش (فاروق) أسعد لحظات حياته، وأغرقته (هبة) من عطرها وفتنتها ودفئها، حتى أنه نسى كل شئ عن عمله وأسراره ، ولم يعد يفكر فى شئ سوى (هبة)، التى قرر الحصول عليها بأى ثمن..

 

وسافرت (هبة) هذه المرة، وهى تحمل ضمير (فاروق) فى حقيبة يدها، وكلها ثقة فى أنه سيمنحها أكثر مما تطلبه، ما دام يسعى لأن تمنحه هى نفسها.. وانغمس (فاروق) فى المستنقع خطوة بخطوة، فلم يكد يرسل أول قائمة معلومات سرية، حتى أصبح متورطاً، وعليه أن يمضى فى خيانته حتى النهاية..

 

وعلى الرغم من ثورة الإسرائيليين؛ لأن (هبة) تسرعت كثيراً فى عملية تجنيد (فاروق)، إلا أن أهمية عمله جعلتهم يبلعون غضبهم، ويهضمونه بذلك السيل من الأسرار الذى يرسله إليهم فى انتظام، من موقع عمله..

 

وفى آخر زيارة لها، دربت (هبة) (فاروق) على أسلوب المراسلة، واستخدام الكربون السرى، والشفرة، وتركته يغرق طويلاً فى حبها، ثم رحلت إلى (باريس)، وفى نيتها ألا تعود إلى (مصر) ثانية أبداً.. ولكن لا تأتى الرياح بما تشتهى السفن.. لقد كشفت المخابرات المصرية أمر (فاروق)، ووضعته تحت المراقبة، وراحت تتابع عمله، وتمنحه فقط ما يمكنها التنازل عنه من أسرار، فى حين أصبحت (هبة سليم) هى الشغل الشاغل لرجل المخابرات، الذى كشف أنها صارت أخطر جواسيس (الموساد) على الإطلاق، فهى قد استقرت فى (باريس)، وافتتحت متجراً فخماً للأزياء وأدوات الزينة، جذب إليه معظم زوجات سفراء الدول العربية هناك، حتى أنها صارت ضيفاً دائماً فى حفلات السفارات والقنصليات، وأصبحت صديقة لعشرات من الرجال الذين يحملون أدق أسرار الوطن العربى كله..

 

ومع خطورتها البالغة، قررت المخابرات المصرية إنهاء العملية كلها، قبل حرب أكتوبر 1973م.. وكانت الخطوة الأولى هى الإيقاع بشريكها (فاروق الفقى)، والتحفظ عليه فى مكان تحت السيطرة، حتى لا يدرك (الموساد)، ولا تدرك (هبة) نفسها أنه قد هوى… أما الخطوة التالية، فكانت (هبة) نفسها.. كان والدها قد حصل على إعارة للعمل فى (تونس)، وكانت دائمة الاتصال به، وذات مرة، عندما أجرت اتصالها المعتاد، فوجئت بصديق لوالدها يجيبها، ويخبرها إن والدها قد تم نقله إلى المستشفى لإجراء بعض الفحوص الطبية، بعد إصابته بوعكة خفيفة.

 

وشعرت (هبة) بالقلق الشديد على والدها، ولم ينتابها أدنى شك فى الأمر، فقد تم إعداد الخطة بمهارة مدهشة، من المخابرات المصرية، بالتعاون مع المخابرات التونسية، بحيث تصوَّر الأستاذ (سليم) نفسه، أنه يعانى من وعكة صحية حقيقية، مما جعل الأمر يبدو طبيعياً، عندما تحرت المخابرات الإسرائيلية الخبر فى (تونس)، واطمأنت إلى أنه بالمستشفى بالفعل.. ولأن الأمر كان متقناً للغاية، فقد تركت المخابرات الإسرائيلية (هبة) تسافر إلى (تونس)، ولم يقلقوا بشأنها.. ووصلت (هبة) بالفعل إلى (تونس)، ولكنها لم تقض فيها سوى دقائق معدودة، فقد اصطحبها رجل المخابرات المصرى مباشرة، من الطائرة القادمة من (باريس)، إلى أخرى فى طريقها مباشرة إلى (القاهرة) ..

 

وكانت صدمة هائلة لجهاز (الموساد) كله، ولعميلته (هبة سليم)، التى فوجئت بأن كل نجاحها هذا، لم يكن سوى فقاعة هواء، تحركها المخابرات المصرية فى براعة، منذ زمن طويل.. ولقد أدلت (هبة) باعتراف تفصيلى، فى مبنى المخابرات العامة بالقاهرة، بعد أن أطلعوها على اعتراف (فاروق)، الذى لم يشف من انهياره بعد.. والعجيب أنها كانت أكثر تماسكاً منه، أو أنها كانت شاردة تسترجع أحلام عمرها كله، التى انهارت دفعة واحدة.. وعندما التف حبل المشنقة حول عنقهما، أدرك (فاروق) و(هبة) أن ما ملأ حياتهما لم يكن حلماً كبيراً ما تصوراه دائماً.. بل كان كابوساً..

 

وهذا الكابوس ليس الكابوس الوحيد، الذى عاشه من واجهوا المخابرات المصرية، فالإسرائيليون عاشوا كابوساً رهيباً معها، حتى عندما حاولوا اللعب عليها خارج أرضها، كما حدث فى عملية جاسوسهم (باروخ) ...

 

يتبع ,,,

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال