الرئيسية | لصوص القمر | الفصل السابع : إلى القمر

الفصل السابع : إلى القمر

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفصل السابع : إلى القمر


 لم تكد أجهزة الرصد تنقل إلى (بلاك هارت) ذلك الانفجار، الذى نسف كل مركبات الفضاء، على سطح المحطة الفضائية، حتى تراجع فى مقعده، وأطلق ضحكة ظافرة مجلجلة، جعلت النمر يهبّ واقفاً، ويزمجر فى توتر شديد، فأشار إليه (بلاك) قائلاً :
رويدك يا (تيجى).. رويدك.. لقد انتصرنا فى هذه الجولة أيضاً، وهزمنا هؤلاء العرب.. لم يعد هناك ما نخشاه فى خطتنا، بعد أن أفقدناهم كل وسائل الانتقال إلى (بدر - 1).
زمجر النمر مرة أخرى، ثم عاد يستكين إلى جوار صاحبه، الذى داعب رأسه مرة ثانية، وأشار إلى أحد رجاله، قائلاً:
- أوصلنى برجلنا (ميل)، فى المكوك الفضائى العربى.
أتم الرجل الاتصال على الفور، فالتقط (بلاك) نفساً عميقاً فى ارتياح، وقال :
- كيف حالك يا (ميل)؟.. إلى أين وصلت، فى عملية إعادة التشفير والبرمجة.
أجابه (ميل)، فى لهجة تفوح برائحة الزهو :
- أربعون دقيقة فقط، ويصبح ذلك القمر العربى ملكاً خالصاً لنا.
ابتسم (بلاك) فى ارتياح، وهو يقول :
- عظيم.. كل شئ يسير وفقاً للجدول.
أجاب (ميل) فى حماس :
- يمكنك أن تعتبر أننا قد حقَّقنا نصراً كاملاً أيها الزعيم.
أجابه (بلاك) فى حزم :
- لست أميل إلى استباق الأحداث يا (ميل).. انتظر حتى نمتلك التحكم الكامل فى القمر، وبعدها نحتفل بالنصر.
سأله (ميل) فى شغف :
- قل لى أيها الزعيم : ما أوَّل هدف ترغب فى نسفه، عندما تصبح لنا السيطرة الكاملة على القمر العسكرى العربى؟
لوَّح (بلاك) بيده، قائلاً :
- أى سؤال هذا؟.. استخدم ذكاءك يا رجل.. هدفنا الأوَّل سيكون القاعدة الفضائية بالطبع.
وعاد يسترخى فى مقعده، مستطرداً :
- قاعدة الفضاء العربية.
ومع ضحكته هذه المرة، انتفض النمر، وعاد يزمجر..
ويزمجر..
ويزمجر..
*     *     *
ازدرد رئيس القاعدة الفضائية العربية لعابه فى صعوبة، محاولاً ترطيب حلقه الجاف، وهو يعلن للجميع فى مرارة:
- أجهزتنا رصدت انفجارين عند المحطة الفضائية يا سادة.. أحدهما لمكوك القراصنة، الذين احتلوا المحطة (م - 9)، والآخر داخل المهبط، ولقد قدر الخبراء، من شدة الانفجار الثانى، أنه نسف كل مركبات الفضاء فى المحطة تماماً.
امتقع وجه قائد القوات، وهو يقول :
- هذا يعنى أن رجلنا فقد آخر وسيلة انتقال إلى (بدر - 1).. لقد فشلت المهمة.
اندفع رئيس المخابرات، قائلاً :
- ليس بعد.
التفت إليه الجميع فى دهشة، وسأله قائد القوات فى شئ من العصبية :
- ماذا تعنى يا رئيس المخابرات؟.. العقل والمنطق يؤكدان أن رجلنا فقد كل وسيلة للانتقال.. كيف يمكنه أن يصل إذن إلى القمر الصناعى العسكرى، وأن يحرره من سيطرة منظمة (القلب الأسود)؟.
انعقد حاجبا رئيس المخابرات، وهو يقول :
- رجالنا يتلقون تدريبات عديدة يا سيادة القائد.. تدريبات من نوع خاص، وبكثافة كبيرة، ومن أهم تدريباتهم ذلك التدريب الخاص بإجادة التصرف وفقاً لمقتضيات الأمور، وفيه يتعلمون كيف يعثرون على ما يحتاجون إليه، من البيئة المحيطة، مهما كانت الظروف، وكيف يتصرفون مع ضعف الإمكانيات، لتحقيق أفضل النتائج..
أجابه أحد ضباط أركان الحرب فى توتر عصبى :
- هذا يمكن أن يصلح فى ساحة قتال يا سيادة رئيس المخابرات، عندما يستطيع رجالك الأسطوريون تحويل وعاء قمامة إلى قنبلة، أو استخدام حوض مياه لنسف دبابة نووية، ولكن المعركة تدور هذه المرة فى الفضاء.. هناك.. حيث ينعدم الهواء، وتنعدم الجاذبية، ولا توجد وسيلة واحدة للانتقال، سوى ما ابتكرته قريحة البشر، فكيف ينجح رجلك هذا فى بلوغ (بدر - 1)، وهو يعدم كل وسيلة انتقال؟
أجابه رئيس المخابرات الفضائية فى حدة :
- سيجد وسيلة ما بإذن الله.
سأله الضابط:
- أية وسيلة ؟
لم يجب رئيس المخابرات هذه المرة، ولكن عقله راح يكرِّر السؤال فى توتر شديد..
كيف يستطيع (خالد سلمان) الانتقال إلى (بدر - 1)، وهو لا يملك وسيلة انتقال معروفة؟..
كيف؟!..
*     *     *
انفجرت مركبات الفضاء فى عنف، داخل المحطة الفضائية (م - 9)، وأطاح الانفجار بجزء من المهبط، فانخفض الضغط داخله بغتة، واندفع جسد (بست) خارجه إلى الفضاء، وهو يطلق صرخة مدوية، تلاشت مع غرقه فى الفضاء الصامت، فى حين سمع (خالد) من خلفه طرقعة قوية، وشعر بقوة هائلة تجذبه إلى المهبط، على الرغم من عدوه مبتعداً عنه..
وبكل قوته، تشبَّث (خالد) بأقرب جهاز صادفه، وقوة الشفط الهائلة تجاهد لدفعه خارج المحطة، عبر الفجوة الحادثة، مع انخفاض الضغط المباغت، وصفير الإنذار يدوى فى المكان، معلناً حالة الطوارئ..
كانت أصابع (خالد) الفولاذية تتشبث بالجهاز بكل قوة، ولكن قوة الشفط الهائلة انتزعت الجهاز نفسه من مكانه، ودفعته نحو مدخل المهبط، الذى بدأ يُغلق آلياً، كإجراء وقائى مباشر، ضد ذلك الانخفاض فى الضغط، وكمبيوتر الأمن يحاول عزل المهبط عن باقى المحطة..
ثم أفلتت أصابع (خالد)..
أفلتت واندفع جسده نحو المدخل بسرعة مدهشة، وبدا له أنه ضائع فى الفضاء لا محالة..
وبسرعة البرق، انطلق عقله يستعرض ما يمكن أن يصيبه، إذا ما اندفع جسده بغتة إلى الفضاء الخارجى، دون حلة واقية..
بداية، ستنخفض درجة الحرارة بشدة، حتى تتجمَّد أطرافه، ويتحوَّل جسده إلى تمثال من الثلج، ثم تنتفخ عروقه، مع اختلاف الضغط داخلها عن خارجها، وتئن رئتاه ألماً، و…
ولكن مدخل المهبط أكمل رحلته، قبل أن يتجاوزه (خالد) فارتطم به فى عنف، ثم سقط أرضاً، وهو يلهث فى شدة..
وعلى الرغم من الآلام، التى تسرى فى جسده كله، والدوار العنيف الذى يكتنف رأسه، ألقى نظرة على ساعته فى ارتياع، وهتف :
- ذلك المجرم نسف المركبات، وأضاع وسلة الانتقال والوحيدة.
تلفَّت حوله فى توتر بالغ، وانطلق عقله يعمل ككمبيوتر بشرى دقيق، فى محاولة للبحث عن وسيلة أخرى، تمكنه من بلوغ (بدر - 1)، قبل فوات الوقت اللازم..
واستعرض بسرعة كل ما درسه مسبقاً، عن تصميم المحطة، وتسليحها، ونظم الأمن، والطاقة..
وفجأة، توقف عقله عند نقطة محددة..
نقطة بدت له جنونية تماماً..
ولكنها كانت تحمل أملاً..
أملاً أخيراً..
وبلا تردد، انطلق يعدو عبر ممرات المحطة، متجهاً نحو القسم الدفاعى للمحطة، وهناك ارتدى زياً قضائياً بسرعة، وأحكم خوذته جيداً، ثم ثبَّت جهاز الدفع الفضائى على ظهره، وجذب ذراعيه إلى جانبيه، وفتح الأنبوب الخاص بالقذائف النووية فى المحطة، واستنفر قوته كلها، ليجذب ذراع القذيفة النووية، ويخرجها من الأنبوب، وبعدها انتقل إلى أجهزة التحكم، وأشعل شاشة التوجيه، وراح يصوِّب أنبوب الإطلاق فى إحكام نحو القمر (بدر - 1)، وضغط أزرار الكمبيوتر فى براعة، وهو يراجع كل ما حملته شاشته من معادلات دقيقة، ثم التقط نفساً عميقاً، وغمغم :
- ساعدنى يا إلهى!.. أمتى فى خطر.
قالها، وضغط الزر الأخير، فانطلق أزيز قوى فى القسم كله، وارتفع صوت الكمبيوتر الرنان، يقول :
- كل شئ معد للإطلاق.. بدأ العدل التنازلى.
وهنا أسرع (خالد) يلقى جسده داخل أنبوب الإطلاق، ويغلقه خلفه جيداً، وقلبه يخفق فى عنف..
كانت فكرته جنونية بالفعل..
سينطلق جسده عبر الأنبوب الدفاعى، كما لو كان قذيفة مدفع..
وهو يعتمد على فارق الوزن الكبير، بينه وبين القذيفة الفعلية..
ذلك الفارق، الذى سيجعل جسده، الأخف وزناً، ينطلق بفعل القوة الدافعة الكبيرة، ليعبر الفضاء بسرعة مذهلة، قد تتجاوز سرعة المركبة الفضائية نفسها..
ولو أنه أحسن التصويب بالفعل، فسيطلقه الأنبوب الدفاعى نحو القمر مباشرة..
نحو (بدر - 1)..
ولكن الشئ الذى لم يمكنه حسابه حقاً، هو المدى الذى يمكن أن يتأثر به جسده، مع قوة الدفع الهائلة، المجهزة لإطلاق قذيفة نووية ضخمة..
إنه لا يدرى ما إذا كان جسده سيحتمل ذلك الضغط الهائل، أم..
أم أنه سيتمزَّق شر ممزِّق فى الفضاء..
وكان عليه أن ينتظر نهاية العد التنازلى ليعرف الجواب..
أو ليعرف المصير..
مصيره..
"سبعة.. ستة.. خمسة.. أربعة.. ثلاثة.. اثنان".
انحبست أنفاسه مع تواصل العد التنازلى، وراح قلبه يخفق فى عنف، والصوت الآلى يبلغ الصفر، و..
وحانت اللحظة..
واشتعل جهاز الدفع بكل قوته..
واندفع جسد (خالد) عبر الأنبوب بضغط هائل، جحظت له عيناه، وانحبست معه أنفاسه بالفعل، وصرخت كل خلية من خلاياه ألماً..
ثم انطلق فى الفضاء..
ومن حوله، راحت النجوم تتحوَّل إلى خيوط لامعة مضيئة، وجسده ينطلق، وينطلق، وينطلق..
وفجأة، أظلمت الدنيا أمام عقله..
وانهار جسده..
وفقد الوعى..
فقده وهو ينطلق بسرعة مخيفة فى أعماق الفضاء..
وبلا توقُّف..
*     *     *
امتلأ وجه (ميل) كله بابتسامة واسعة كبيرة، وهو يواصل عمله على أجهزة الكمبيوتر فى المكوك، المتصلة مباشرة ببرنامج القمر الدفاعى العسكرى (بدر - 1) وضمَّ شفتيه فى جذل، وهو يطلق من بينهما لحناً شعبياً قديماً من موطنه، وانتقلت عيناه لحظة إلى شاشة المراقبة، قبل أن يتمتم فى ثقة :
- كل شئ يسير على ما يرام.. سبع عشرة دقيقة فحسب، ونمتلك هذا القمر العربى بالكامل.
استمر فى عمله لدقيقة أخرى، ثم تراجع فى مقعده، يلقى نظرة إعجاب على المعادلات، التى تراصت على شاشة الكمبيوتر، وضغط زر الاتصال، قائلاً :
- انتهيت من عملى أيها الزعيم.
أتاه صوت (بلاك)، وهو يقول :
- عظيم.. هل تخبرنى أننا سيطرنا على القمر العربى بالفعل؟
أجابه (ميل) فى استرخاء :
- تقريباً.. لقد انتهيت من برنامج تغيير الشفرة، وسيواصل الكمبيوتر العمل بمفرده، وبعد أربع عشرة دقيقة، وخمسين ثانية بالضبط سيصبح القمر ملكنا تماماً بضغطة زر واحدة.
مضت فترة من الصمت، قبل أن يسأله (بلاك) :
- وماذا عن الموقف كله ؟
استعرض (ميل) شاشات المراقبة كلها فى سرعة، قبل أن يجيب :
- كل شئ على ما يرام.. اطمئن يا زعيمى.. لن يجرؤ العرب على مهاجمتنا قط، بعد أن بلغنا هذه النقطة.
أجابه (بلاك) بعد فترة أخرى من الصمت :
- قلت لك : إننى لا أميل إلى استباق الأمور.. هناك مثل قديم يقول : "لا تبع فراء الدب قبل صيده".
أطلق (ميل) ضحكة مرحة، وهو يقول :
- اعتبر أننا قد اصطدناه بالفعل أيها الزعيم.. لقد انتهى البرنامج، وما هى إلا ثلاث عشرة دقيقة وبضع ثوان، وتنتهى المعركة كلها.. قل لى : هل أبدأ فى التصويب إلى القاعدة الفضائية العربية.
قال (بلاك) فى صرامة :
- ليس قبل أن تنتهى عملية البرمجة.
ابتسم (ميل) فى سخرية، وهو يقول :
- كما تأمر يا زعيمى.. كما تأمر.
وأنهى الاتصال، وهو يغوص فى مقعده باسترخاء..
لقد أصبح العالم كله ملكاً لمنظمة (القلب الأسود)، دون أن يحتاج هذا إلا لضغطة زر..
ضغطة واحدة..
*     *     *
فجأة، استيقظ (خالد)..
استعاد وعيه دفعة واحدة، دون مقدمات، وفتح عينيه عن آخرهما، وهو يهتف :
- ماذا حدث؟.. أين أنا؟!
اتسعت عيناه فى شدة، عندما انتبه إلى أن جسده ينطلق بسرعة كبيرة فى الفضاء، ثم لم يلبث عقله أن استرجع الموقف كله بسرعة، فهتف، وهو يلمح القمر (بدر - 1) :
ربَّاه!.. لقد نجحت الفكرة.
كان جسده يندفع بسرعة نحو (بدر - 1)، وعقارب ساعته تشير إلى أنه لم يعد أمامه سوى اثنتى عشرة دقيقة فحسب..
وفى مهارة وسرعة، ضغط (خالد) أزرار جهاز الدفع الفضائى، وهو يجذب ذراعى التوجيه فى خبرة واضحة، اكتسبها مع تدريباته المكثفة، ليقلل من سرعته، ويحكم حركته واتجاهه..
كان حجمه أصغر من أن ترصده أجهزة مراقبة عسكرية، مصممة للتصدى لهجمات عنيفة، كما أن مادته البشرية لم تكن لتستثير أجهزة الرادار التقليدية(*)؛ لذا فقد شقّ طريقه فى أمان، حتى بلغ المدخل الخلفى للمكوك، وعقارب ساعته تشير إلى تسع دقائق، قبل الموعد المحدود..
وفى هدوء، عبر مدخل الطوارئ، وأغلقه خلفه فى إحكام، ثم ضغط أزرار معادلة الضغط، وهو يتطلَّع إلى ساعته فى توتر يتصاعد بسرعة، مع مضى الثوانى والدقائق، واقتراب موعد سيطرة المنظمة الإجرامية على القمر..
وخُيِّل إليه أن الدقائق تتسابق مع الثوانى، وتلتهم الوقت فى شراسة مخيفة، والساعة تشير إلى ثمانى دقائق، عندما تمت معادلة الضغط، فأسرع يتخلَّص من زيه الفضائى، ودفع الباب الداخلى، واندفع إلى داخل المكوك، و…
وفجأة، ارتطم شعاع ليزرى بذراعه اليسرى، واخترقها بآلام مبرحة، ليرتطم بالباب، الذى تفجَّرت فيه دماء إصابته..
ومن بعيد، ارتفع صوت (ميل)، وهو يهتف :
- لست أدرى كيف وصلت إلى هنا، ولكن حجرة الطوارئ تحوى جهاز إنذار خاص، يرشدنى إلى كل محاولة تسلل؟
تراجع (خالد) فى سرعة، متفادياً شعاع الليزر الثانى، الذى ارتطم بالباب، وانعكس عنه فى عنف، و(ميل) يستطرد:
- لا فائدة.. وصولك إلى هنا لا يعنى شيئاً.. إننى أتحكَّم فى كل شئ، ولن أسمح لك بإفساد عملى قط.
لهث (خالد) فى توتر، وهو يحصى الثوانى الثمينة، التى يفقدها فى مكمنه هذا، وراوده شعور بالندم، على إصراره الشديد على عدم حمل أية أسلحة، فى حين راحت ذراعه تنزف فى غزارة، فالتقط قطعة من قماش الطوارئ من حزامه، وألصقها بموضع الإصابة، وصوت (ميل) يتردَّد:
- ست دقائق ونصف الدقيقة، ولا يعود لوجودك أية أهمية.
قالها، وهو يتقدَّم فى حذر من حجرة الطوارئ، ومدفعه متأهِّب لسحق (خالد) فى أية لحظة تراوده فيها نفسه على مغادرتها..
وفجأة، اندفع (خالد) خارج الحجرة..
اندفع يعدو نحو الجدار المقابل لها، وكأنه يتعمَّد الارتطام به..
وبسرعة مدهشة، تليق بمحترف تلقَّى تدريبات مكثَّفة، أدار (ميل) فوهة مدفعه الليزرى نحو (خالد) وضغط الزناد ثلاث مرات..
وانطلقت خيوط الأشعة القاتلة بلا رحمة..
واخترقت الجسد الذى يعدو نحو الجدار..
بل عبرته..
التعبير الأدق هو أنها عبرته..
عبرته كما لو أنها لم تتوقَّف لحظة واحدة..
أو كما لو أنها تواصل سيرها فى الفراغ..
وفى اللحظة التى أصابت فيها خيوط الأشعة الثلاثة الجدار، اندفع (خالد) الحقيقى من الحجرة، وانقضّ على (ميل) كالصاعقة، وهو يهتف :
- هذه الخطة لا تفشل أبداً..
تلاشت صورته الهولوجرافية عند الجدار، فى نفس اللحظة التى ضرب فيها المدفع فى يد (ميل)، وكال له لكمة كالقنبلة، ألقته مترين إلى الخلف، وجعلته يرتطم بالجدار، قبل أن يسقط أرضاً..
والتقى حاجبا (ميل) فى عصبية شديدة، وهو ينهض بسرعة، ويمسح خيط الدم، الذى سال من طرف شفتيه، قائلاً:
- خدعة جيدة، ولكنها لا تعنى أنك ربحت المعركة.
ثم انقضّ بغتة على (خالد)، وركله فى صدره فى عنف، مستطرداً :
- ولا حتى جولة واحدة.
دفعت الضربة (خالد) إلى الخلف وارتطم بالجدار بدوره، ثم ارتد فى مرونة، استعداداً لمواصلة القتال مع (ميل)..
ولكن (ميل) لم يواصل القتال..
لقد دار على أعقابه، وانطلق يعدو بأقصى سرعته، نحو حجرة القيادة..
وبلا تردُّد انطلق (خالد) خلفه، ولكن المجرم وثب داخل الحجرة، واستدار يضغط زر إغلاق بابها فى سرعة..
وقفز (خالد) محاولاً بلوغ الباب، قبل أن يتم إغلاقه..
ونجح..
نجح فى دفع قدمه بين ضلفتى الباب، ومدَّ يده ليفتحه، و…
ولكن (ميل) التقط مسدساً ليزرياً بسرعة، واستدار يصوِّبه إلى فرجة الباب، ثم أطلقه..
واخترقت هذه الطلقة فخذ (خالد) اليمنى ودفعته إلى الخلف مرغماً، فى حين واصل الباب رحلته، حتى انطبقت ضلفاته، وعزلتا (خالد) عن منطقة التحكم تماماً..
أما (ميل)، فقط انتقل لاهثاً إلى الكمبيوتر، وألقى نظرة على ساعته، ثم جلس إلى جوار الزر الصغير، وهو يقول:
- خمس دقائق.. خمس دقائق فقط وينتهى كل شئ.
انطلق فى هذه اللحظة أزيز جهاز الاتصال، فضغط زره، قائلاً فى عصبية :
- ماذا هناك؟
أتاه صوت (بلاك)، وهو يقول :
- أين كنت؟.. لقد اتصلت بك منذ دقيقة واحدة، ولم تكن هناك.. لقد أثرت قلقى.
أجابه (ميل) فى توتر بالغ:
- مقاتل عربى وصل إلى هنا.. إنه بالخارج، يحاول اقتحام الحجرة.
هتف (بلاك) :
- ماذا تقول؟!.. وكيف سمحت له بالوصول إلى المكوك ؟
صاح (ميل) :
- لست أدرى كيف وصل!.. إنه هنا فحسب، ولكنه لن ينجح أبداً.. ستتم لنا السيطرة الكاملة بعد ثلاث دقائق ونصف الدقيقة.. يكفى أن أضغط بعدها الزر، فتنتقل شفرة التحكم إلينا، وينتهى كل شئ.
صرخ (بلاك) فى حدة :
- اضغطه الآن يا رجل.. لا تُضيِّع لحظة واحدة.. اضغطه الآن، وانقل الشفرة إلينا.
ضرب (ميل) سطح الجهاز براحته، صائحاً :
- مستحيل!.. لو ضغطته قبل ثانية واحدة نخسر كل شئ.. مستحيل!
وتصبب على وجهه عرق بارد، على الرغم من درجة الحرارة المعتدلة، وهو يستطرد فى توتر عصبى شديد:
- ولكنه لن ينجح فى اقتحام الحجرة، قبل الموعد المحدد.. لن ينجح أبداً.. أبداً.
فى نفس اللحظة، التى نطق فيها هذه العبارة، كان (خالد) ينتزع سلكين من حزامه، ويوصلهما بالبطارية الصغيرة، التى تتحكم فيما يحمله من أجهزة، ثم يدفع طرفيهما الآخرين فى الفراغ الضئيل، الذى يفصل الباب عن حافته..
كان فخذه ينزف بشدة، وذراعه تصرخ بآلام لا حصر لها، ولكنه راح يعمل بسرعة، حتى لا يفقد ثانية واحدة..
وكالمعتاد، كلما احتجنا إلى عامل الوقت، راحت الدقائق تركض كالثوانى، وطرفا السلك يبحثان عن منطقة التحكم فى الباب..
ولم يعد باقياً سوى دقيقتين ونصف..
دقيقتين..
دقيقة ونصف..
ثم حدث القصور فى الدائرة..
التقى السلكان عند نقطة التحكُّم، وانطلقت شرارة كهربية صغيرة، مع طرقعة خافتة..
وانفتح الباب..
وفى هلع وسخط، استدار (ميل) إلى (خالد) صارخاً :
- لا.. ليس الآن.
ورفع مسدسه الليزرى نحوه، ولكن (خالد) اختطف الغطاء المعدنى المصقول للبوصلة الفضائية، واحتمى به كمجنّ قديم(*)، وهو ينقضّ على (ميل)، الذى أطلق أشعة مسدسه، فارتطمت بالمجن المصقول، وانعكست عنه فى عنف، لتصطدم بالجدار، فهتف (خالد):
- ضاعت فرصتك يا رجل.
وضربه بالغطاء المعدنى فى وجهه بعنف، فألقاه أرضاً، ثم أزاح الغطاء جانباً، وأمسك معصم (ميل)، ولواه فى عنف، ليجبره على إفلات المسدس، ولكن (ميل) لكمه بكل قوته، صارخاً :
- لا يمكنك أن تنجح الآن.
تراجع (خالد) مع الضربة، ورأى (ميل) يقفز نحوه، وعقارب الساعة الكبيرة على الجدار، تشير إلى أن الوقت المتبقى لم يعد يتجاوز الخمسين ثانية، فمال جانباً، ولكم (ميل) بكل قوته) هاتفاً :
- لماذا؟.. لقد وصلت فى الوقت المناسب.
احتمل (ميل) اللكمة، وضربه بقدمه فى معدته، صائحاً :
- هراء.
ثم دار بجسده كله فى الهواء، ليركل (خالد) فى وجهه، ولكن (خالد) استقبل ساقه بساعده، ثم ضربه فى قوة، وألقاه مترين إلى الخلف، وهو يقول :
- لا تتعجل يا رجل.. المباراة لم تنته بعد.
سقط (ميل) أرضاً، وتدفَّقت الدماء من أنفه فى غزارة، فتشبَّث بجهاز القيادة، ونهض قائلاً :
- تتحدَّث كثيراً أيها العربى، وحديثك هذا يجعلك تنسى.
ثم اندفع نحو الزر، مستطرداً فى انفعال :
- تنسى أن لحظة الانتصار قد حانت.
ومع اندفاعاته أشارت الساعة إلى ثلاث ثوان فحسب، قبل انتهاء عملية السيطرة، وأدرك (خالد) أن موقعه لن يتيح له بلوغ الزر قبل (ميل)، ودرس عقله الموقف كله فى ثانية واحدة، ثم وثب بكل قوته، والتقط المسدس الليزرى، الذى سقط من (ميل) ودار حول نفسه بسرعة مذهلة، وصوَّب المسدس، و..
وأطلق النار..
ودوى انفجار مكتوم داخل حجرة القيادة..
انفجار تناثرت له شظايا صغيرة فى المكان، وارتفع معه أزيز خاص، يعلن حدوث عطل مفاجئ فى كمبيوتر المكوك..
واتسعت عينا (ميل) فى ذهول مذعور..
لقد نسف (خالد) الكمبيوتر، قبل ثانية واحدة من اكتمال عملية انتقال شفرة التحكم..
نفسه وأفسد العملية كلها بضربة واحدة..
ومع لوحة الكوارتز الكبيرة، التى توقَّف العد التنازلى فيها عند ثانية واحدة، تفجَّرت ثورة غضب عارمة فى نفس (ميل)، وهو يصرخ :
- لا.. مستحيل!.. مستحيل!.. مستحيل!
وانقضّ على (خالد) كثور هائج..
ولكن (خالد) استقبله بلكمة كالقنبلة، وهو يقول :
- تعلَّم منى درساً يا رجل.
ثم كال له أخرى كالصاعقة، مضيفاً :
- لا تقاتل أبداً فى ثورة.
ونسف أنفه بثالثة، مع استطرادته :
- فهذا يجعلك صيداً سهلاً.
انهار (ميل) أرضاً، تحت قدمى البطل العربى، الذى حطَّم أنفه..
وفى هدوء، وعلى الرغم من آلامه وإصاباته، تجاوز (خالد) خصمه، وضغط زر الاتصال، وقال :
- من (نسر - 7) إلى القاعدة.. عملية القمر انتهت بنجاح.. كل شئ تحت السيطرة.. لقد استعدنا (بدر - 1).
وعلى الرغم من الصيحات المبهورة الظافرة، التى نقلها إليه جهاز الاتصال، استرخى (خالد) فى مقعد قيادة المكوك، وأسبل جفنيه فى ارتياح..
لقد استعاد القمر العربى..
والأمان العربى.

*     *     *

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (1 منشور)

avatar
منار 08/06/2013 02:42:24
رواية مدهشــــــــــــــــــــــــــة بالفعل يا دكتور نبيل :)

شيقة ومثيرة إلى أبعد الحدود :)
أكثر ما أحببته فيها .. ( وهو عادة أكثر ما يعجبنى فى روايات حضرتك ) .. هو خلق المأزق والوصول إلى ذروة العقدة .. ثم حلها فأسلوب مدهش وبطريقة مبتكرة لا تخطر ببال القارئ ..
الكثير من الكتاب يجعلون ( العقدة ) فى الرواية .. هى عقدة واحدة رئيسية .. يمكن حصرها فى فصل واحد أو جزئية واحدة من الرواية .. بينما تبقى بقية الفصول عبارة عن مجرد ( استطراد ) !!

لكن فى روايات حضرتك يا دكتور نبيل .. أشعر أن العقدة الرئيسية موجودة فى كل فصل .. وأشعر أنه توجد العديد من العقد أو المواقف الصعبة فى كل فصل .. بل فى كل جزئية ...
وهذا ما يجعل القارء ينتقل من حالة ( القراءة ) التى ربما تصيب البعض بالملل .. ينتقل إلى حالة ( النهم ) .. أو ( إلتهام ) الكلمات وليس قراءتها :) ..

___________
وفيما يتعلق بهذة الرواية بالذات .. فإنه من الجميل فعلا أن تكون هناك روايات تعبر عن فكرة ( القومية العربية ) .. وهو ما يشجع على الوحدة والترابط .. والتركيز على إبراز الأهداف المشتركة والمصالح المترابطة بين العرب جميعا .. فى مواجهة أطماع الطامعين ..
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال