الرئيسية | لصوص القمر | الفصل الثالث : رجل واحد

الفصل الثالث : رجل واحد

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفصل الثالث : رجل واحد


 تحرَّكت سيَّارة كبيرة فى حذر، فى منطقة الإطلاق المهجورة، وتوقَّفت إلى جوار جدار نصف متهدِّم، وأضاءت مصباحيها مرتين متتاليتين، وانتظر ركَّابها الثلاثة، حتى رأوا مصباحاً يسطع وسط الأطلال، أربع مرات متعاقبة سريعة، فتنفس أحدهم الصعداء، وغمغم :
- كل شئ يسير وفقاً للخطة.
مطَّ أكثرهم بدانة شفتيه، وقال فى برود :
- حتى هذه اللحظة.
ثم غادر السيارة، ووقف يتطلَّع إلى البقعة التى سطع عندها المصباح، وهو يدسّ كفيه فى جيبى معطفه، حتى ظهر رجلان آخران، يحمل أحدهما حقيبة كبيرة، فى حين بدا الآخر أنيقاً للغاية، ومتعالياً إلى حد كبير، وهو يصافح البدين، ويسأله:
- هل أحضرت كل شئ.
أشار البدين إلى الرجلين المصاحبين له، ففتح أحدهما حقيبة السيارة، وناوله مدفعاً ليزرياً كبيراً، أمسكه البدين على نحو يشف عن خبرته، وهو يقول للأنيق:
- هذا مدفع ليزرى من طراز (س - 609).. المفروض أن يقتصر استعماله على رجال الشرطة والأمن، ولكنك ستحصل على مائة قطعة منه بسعر لا ينافس.. وستأخذ معه ألف أنبوب، و…
قاطعه فجأة صوت صارم، من فوق مبنى قريب :
- انتهت الصفقة أيها السادة… إننى ألقى القبض عليكم جميعاً.
تراجع الأنيق فى حركة حادة، وصرخ :
- فخ.. إنه فخ.
أما البدين وزميلاه، فقد تحرَّكوا بسرعة كبيرة، والتقطوا ثلاثة من مدافع الليزر، صوَّبوها إلى ذلك الشاب، الذى يقف فوق المبنى نصف المتهدم، وصرخ البدين :
- اقتلوه.. اسحقوه سحقاً.. لا تسمحوا له بالإيقاع بنا.
انطلقت أشعة الليزر نحو الشاب، الذى ظلّ واقفاً فى مكانه، وترك الأشعة تخترق جسده، وكأن أمرها لا يعنيه، فى نفس اللحظة التى انطلق فيها الأنيق يعدو مع رفيقه، فى محاولة للفرار، وهتف البدين مذهولاً:
- ما هذا بالضبط؟!.. الأشعة تخترق جسده، دون أن تقتله.
وهنا صاح أحد زميله :
- إنها خدعة أيها الزعيم.. هذا ليس شخصاً حقيقياً.
هتف البدين، وهو يطلق أشعة مدفعه مرة أخرى :
- ما هو إذن ؟
أجابه الرجل، وهو يحدِّق فى الجسد، الذى عبرته الأشعة القاتلة دون توقف :
- مجرَّد صورة أيها الزعيم.. صورة هولوجرافية(*).
وفى نفس اللحظة، التى نطق فيها كلمته، برز الشاب الحقيقى أمام الأنيق وأحد زميليه، وهو يقول :
- إلى أين؟.. هذه محطتكما الأخيرة.
قالها، ووثبت قدمه تركل الأنيق فى وجهه، وتلقى به إلى الخلف فى عنف، فاستلّ رفيقه مسدسه، وهو يهتف:
- خطأ.. إنها محطتك أنت الأخيرة.
انحنى الشاب فى سرعة مدهشة، متفادياً شعاع الليزر الذى انطلق نحوه، ثم انزلق فى خفة، ودار حول نفسه فى مرونة، ليركل المسدس من يد الحارس الخاص للأنيق، الذى ضربه بالحقيبة التى يحملها، صارخاً :
لا.. ابتعد عنى.
أصابت الحقيبة الشاب فى صدره، ولكنها لم تفقده توازنه، فضربها بكل ما يملك من قوة بيسراه، وأطاح بها بعيداً، فارتطمت بجدار قديم، وانكسر رتاجها، فتناثرت منها أوراق النقد، وتطايرت فى المكان، فى حين انطلقت قبضة الشاب اليمنى كالقنبلة، لترتطم بفك الحارس الخاص، وقفزت قدمه فى اللحظة نفسها تقريباً، لتغوص فى معدته، ولم يكد الحارس ينحنى متأوِّهاً، من أثر الضربة، حتى استقبلته ركبة الشاب فى أنفه، وألقت به فاقد الوعى، إلى جوار رئيسه..
ومن بعيد، وثب البدين وزميلاه داخل سيارتهم، وهو يصرخ :
- أسرعا.. سنبتعد عن هنا بأقصى سرعة.
احتلّ أحد الرجلين مقعد القيادة، وأدار المحرِّك بسرعة، وتراجع بالسيارة إلى الخلف، ليفسح لنفسه مجالاً للانطلاق، ولكن الشاب أخرج من جيبه قرصاً صغيراً، يحوى عدة أزرار، وضغط أحد أزراره فى سرعة، ثم ألقاه نحو السيارة..
وفى سرعة ونعومة، انطلق القرص يطارد السيارة، حتى لحق بها بسرعته المدهشة، واندفع بين إطاراتها، حتى بلغ محرِّكها، فالتصق به فى قوة، وتألَّق بضوء أخضر، اضطرب معه المحرِّك، وتخبَّط، وتوقَّفت السيارة فى عنف، وصاح قائدها فى توتر بالغ:
- شئ ما أفسد المحرِّك أيها الزعيم.
دفع البدين جسده خارج السيارة، وهو يقبض على المدفع الليزرى فى قوة، وتلفَّت حوله فى عصبية، هاتفاً:
- ذلك الشاب أصابه بالتأكيد.. أنا أعرف رجال الأمن وحيلهم السخيفة.
غادر زميلاه السيارة بدوريهما، وتوترت سبَّابتهما على زنادى مدفيهما، وقال أحدهما فى حدة :
- أين هو إذن؟.. لست المح أى أثر له فى الجوار!
لم يكد يتم عبارته، حتى ارتفع صوت، من خلف جدار قريب، يقول :
- استسلموا.. لقد انتهى أمركم.
استدار الثلاثة فى سرعة إلى مصدر الصوت، وانطلقت أشعة مدافعهم الليزرية الثلاثة تسحق الجدار فى آن واحد..
ومن خلفهم، برز الشاب، وقفز فى الهواء فى رشاقة، ودار جسده دورة رأسية كاملة، قبل أن يهبط وراءهم مباشرة، ويقول:
- معذرة.. أنتم تطلقون النار فى الاتجاه الخطأ.
انتفضت قلوب ثلاثتهم فى هلع، واستداروا يواجهونه معاً، ولكن قبضته سحقت فك أحدهم، وهشَّمت أنف الآخر، والبدين يصرخ:
- لا.. لا أحد يمكنه الإيقاع بى هكذا.
غاصت قبضة الشاب فى كرشه، وهو يقول :
- إذن فأنا أحمل الاسم..
وحطَّم اثنتين من أسنانه الأمامية بلكمة كالصاعقة، مستطرداً :
- اسمى (لا أحد).
سقط البدين إلى جوار زميليه، وانحنى الشاب يحيط معاصمهم بأغلاله الإلكترونية، وأحد الرجلين يقول:
- ولكن.. ولكننا سمعنا صوتك خلف الجدار.
ابتسم الشاب ساخراً، وهو يقول :
- أجهزة النقل الصوتية تباع على الأرصفة، فى زمننا هذا.
ثم ضغط زرّ جهاز الاتصال الصوتى فى ساعته، وهو يقول :
- هنا (نسر - 7).. من الفرقة الخاصة.. تم إحباط صفقة السلاح المشبوهة، وإلقاء القبض على كل أطرافها، أطلب سيارة سجن لحملهم جميعاً.
أتاه صوت زميله (طارق)، وهو يقول :
- أين أنت يا (خالد)؟.. نحن نبحث عنك منذ نصف الساعة.
أجابه (خالد) فى هدوء :
- كنت أتابع الصفقة، وخشيت الاتصال، لأنهم يحملون أجهزة تصنّت جيدة.. ماذا هناك بالضبط؟
قال (طارق) فى لهفة واضحة :
- الرئيس طلب مقابلتك على الفور.. من الواضح أن الأمر عاجل يا (خالد).. عاجل وخطير..
خطير جداً..
*     *     *
".. اسمك (خالد سلمان).."..
نطقها رئيس المخابرات الفضائية، وهو يتطلَّع إلى (خالد)، الذى وقف أمامه فى مكتبه، وقفة عسكرية صارمة، ولاذ بالصمت التام، والرئيس يتابع :
- عمرك ستة وعشرون عاماً.. برتبة ملازم أوَّل.. التحقت بالمخابرات الفضائية منذ عام واحد، بعد أن أبديت شجاعة واضحة، وتفوقاً ملموساً، خلال فترة عملك فى القوات الخاصة الانتحارية، ولقد انتخبك الكمبيوتر من بين عشرة آلاف رجل أمن، بناءً على مهاراتك المتميزة، وقدراتك الفذة على القتال والمناورة، وملفّك يقول إنك تجيد مهارات شتى، ولكنك لا تميل إلى استخدام الأسلحة العنيفة.
تنحنح (خالد)، وقال :
- لست أحبذ القتل يا سيِّدى.. إلا للضرورة القصوى. أومأ رئيس المخابرات الفضائية برأسه، قائلاً :
- نعم.. ملفك يشير إلى هذا، ولكن دعنا لا نتوقَّف كثيراً أمام التفاصيل، فلقد أضعنا وقتاً ثميناً فى البحث عنك، والمفروض أن نحسن استخدام الوقت المتبقى بأفضل ما يمكننا.
لم يُعلِّق (خالد) بحرف واحد، وإن عصفت عشرات الأسئلة برأسه، بحثاً عن السبب، الذى استدعاه من أجله رئيس المخابرات الفضائية شخصياً، ولم يترك له الرئيس فرصة للاستنتاج والاستنباط، وهو يسأله :
- لقد تلقّيت تدريبات فضائية.. أليس كذلك؟
أومأ خالد يرأسه إيجاباً.. متمتماً :
- بلى يا سيدى.. لقد حصلت على درجة الامتياز فى ارتياد الفضاء، والقتال فى مجالات انعدام الوزن، والجاذبية، المنخفضة، و…
قاطعه الرئيس فى حزم :
- عظيم.. استعد إذن، فستحملنا واحدة من سياراتنا إلى القاعدة الفضائية العربية، حيث يستعد مكوك فضائى خاص للإقلاع فور وصولك.
ارتفع حاجبا (خالد) فى دهشة هذه المرة، وهو يقول :
- الإقلاع فوراً؟!.. سيِّدى.. ألا تعتقد أنه من المناسب أن أعرف نوع المهمة المسندة إلى بالضبط.
أجابه رئيس المخابرات الفضائية، وهو يسير معه إلى حيث تنتظرهما السيارة الخاصة :
- ستعرف يا (نسر - 7).. ستعرف كل شئ، ونحن فى الطريق إلى هناك.. كل شئ.
وتضاعف فضول (خالد) وقلقة..
تضاعف ألف مرة..
*     *     *
تردَّد العد التنازلى للمرة الثانية، فى القاعدة الفضائية العربية، والصاروخ الذى يحمل مكوك فضاء الطوارئ يستعد للإقلاع، وألقى قائد القوات نظرة على ساعته، فى توتر شديد، وهو يسأل رئيس المخابرات :
- أأنت واثق من أنه قد قبل المهمة طواعية؟
أشار رئيس المخابرات بسبَّابته، قائلاً :
- ودون أدنى تردَّد يا سيادة القائد.. لم أكد أخبره أن شرفنا وأمننا العربى فى خطر، حتى أعلن قبوله للمهمة، ولهفته على الانطلاق بأسرع ما يمكن.
هزَّ قائد القوات رأسه، قبل أن يقول :
- أمامنا ثمانى ساعات فحسب.. ستستغرق رحلة المكوك خمساً منها، قبل أن يصل إلى المحطة الفضائية (م - 9)، وبعدها يكون أمام (نسر - 7) ثلاث ساعات فحسب، لإتمام المهمة، وإلا فقدنا السيطرة تماماً على القمر.
عقد أحد أركان الحرب حاجبيه، وهو يقول :
- معذرة يا سيِّدى، ولكن هناك أمراً يُحيرنى.. لو أن هؤلاء المجرمين يحتاجون إلى عشر ساعات، حتى يحكموا سيطرتهم على قمرنا (بدر - 1) فكيف أمكنهم توجيهه قبل هذا، ونسف حاملة الطائرات (ليث)؟!
أجابه القائد :
- إنهم لم يستخدموه عبر شفرة توجيه، وإنما بالتحكم المباشر، من خلال جاسوسهم هناك.. وهذا الجاسوس لن يمكنه البقاء إلى الأبد، داخل مكوك الفضاء المتصل بالقمر، فمن المحتم أن ينفصل المكوك عن القمر، فور اكتمال عملية إبدال الشفرة، وإلا لن يتمكَّن هذا الجاسوس من العودة إلى الأرض أبداً.
قال رئيس القاعدة فى قلق :
- لست أدرى لماذا تبدو لى هذه العملية جنونية أكثر من اللازم؟!.. هل تعتقدون أنه من الممكن أن ينجح رجل واحد، فيما تفشل فيه حملة هجومية منظَّمة..
أجابه رئيس المخابرات :
- إنها فرصتنا الوحيدة، فصغر حجم مقاتل واحد نسبياً، يمنحه فرصة أكبر فى الوصول إلى القمر، حيث لن تنجح أجهزة الرصد فى رصده؛ لأنها مصممة للتعامل مع الهجوم المباشر.
قال رئيس القاعدة :
- ولكننا لن نستطيع الاتصال به أبداً، حتى لا نشير إلى وجوده، أو نكشف أمر مهمته، وحتى لا تستفز، اتصالاتنا هؤلاء المجرمين، فليجأون إلى إجراء انتقامى، قد يعرِّض مئات الأبرياء للقتل والتدمير.. باختصار.. سيكون الشاب وحيداً تماماً فى مهمته، فهل تعتقد أنه أهلّ لها.
تنهَّد رئيس المخابرات، وقال :
- الكمبيوتر يؤكِّد أنه قادر على القيام بالمهمة.
قال القائد فى عصبية :
- وهل سنمنح ثقتنا كلها لجهاز كمبيوتر ؟
صمت رئيس المخابرات لحظة، ثم أجاب فى حزم :
- إننا نمنحها لواحد من نسورنا يا سيادة القائد..
وعاد إلى صمته لحظة أخرى، قبل أن يضيف :
- ثم إنه ليس أمامنا خيار آخر.
مطَّ القائد شفتيه، وكرَّر فى أسف :
- نعم.. ليس أمامنا خيار آخر.
ومع آخر حروف كلماته، انطلق مكوك الطوارئ إلى الفضاء، وراح الجميع يتابعونه بأبصارهم، حتى اختفى وسط الظلام، فتنهَّد القائد، وغمغم :
- فلندع الله (سبحانه وتعالى) أن يوفِّقه فى مهمته، فهو أملنا الوحيد فى النجاة.
كانوا يتابعون الانطلاق على شاشة الرصد التليسكوبية، عندما اندفع ضابط الاتصال إلى القاعة، وهتف :
- سيِّدى.. رسالة عاجلة للغاية.
التقط رئيس القاعدة الرسالة، وقرأها فى سرعة، ثم رفع عينيه الهلعتين إلى الجميع، قائلاً فى توتر :
- يبدو أن الرياح لا تسير أبداً كما تشتهى السفن أيها السادة.. لقد انطلق مكوك فضائى مجهول من قاعدة سرية فى وسط (أوروبا)، ويتجَّه مباشرة نحو محطتنا الفضائية (م - 9)، وأخشى أن أثير المزيد من قلقكم، ولكن المؤشرات تقول إن هذا المكوك يخص تلك المنظمة التى تسيطر على (بدر - 1).. منظمة (القلب الأسود).
وكانت المفاجأة عنيفة هذه المرة..
عنيفة وقاسية.
للغاية.

*     *     *

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (1 منشور)

avatar
23/01/2013 02:38:43
واااااااااااو يهبل
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال