الرئيسية | روايات اونلاين | الفصل الثانى عشر : الخيار الصعب

الفصل الثانى عشر : الخيار الصعب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفصل الثانى عشر : الخيار الصعب


" رأس الأفعى ..."...
نطقها (أدهم) فى صرامة شدبدة، جعلت (كاترين) تعقد حاجبيها فى شدة، خاصة وأنه قد نطقها بالأسبانية، وكأنه يتعًَّمد أن يستوعبها الكل، فهمهم البارون بكلمات مختنقة، مع ضغط ذراع (أدهم) الشديد على عنقه، فى حين تابع هذا الأخير، وقد أضيفت قسوة مخيفة إلى صرامته:
قاعدة تعلمناها فى عالمى أيتها الحقيرة ... أن رأس الأفعى هى مكمن كل قوتها .
قالت (كاترين) فى شراسة، وهى تلصق فوهة مدفعها بصدغ (منى) :
الوقت يمضى بسرعة أيها المصرى .
أجابها (أدهم) فى لهجة مخيفة :
    - بالنسبة لمن ؟!... بارونك الحقير هذا قرأ ملفى جيداً، وهو يدرك الآن أن كل كلمة أنطق بها، تعنى منطوقها بالضبط، وإنه لا يوجد حرف أجوف واحد فيها .
قالت فى شراسة :
    - ثلاثون ثانية تبقت .
لم يبد أن عبارتها أقلقته، وهو يتابع بنفس اللهجة :
    - أنت تعرضين إما قتل أحد رفاقى، أو موتنا جميعاً، بعد وقوعنا فى قبضتكم، ولكننى أقدًَّم لك عرضاً آخر .
جذبت إبرة مدفعها، وهى تقول، فى شراسة أكبر :
    - خمس وعشرون ثانية .
واصلن متجاهلاً توقيتها :
    - إن مسست شعرة واحدة، من رفيًَّقى، سأحطم عنق بارونك هذا أمامك، كما لو كان عنق دجاجة ضعيفة .
ثم أدار عينيه فى وجوه الرجال المحيطين بها، متابعاً بإسبانية واضحة :
    - وهذا سيعنى مصرع ممًَّولكم الأساسى، وضياع كل الأموال، التى ينفقها عليكم، من اجل بناء امبراطوريته الوهمية، وعندئذ، لن يكون هناك مبرًَّر للاستمرار.
جحظت عينا البارون، وراح يشير لرجاله بذراعيه، فى حين أدركت (كاترين) ما يحاول (أدهم) فعله، فصرخت :
    - خمس عشرة ثانية أيها المصرى .
ضغط (أدهم) عنق البارون أكثر، وهو يقول بمنتهى الصرامة :
    - لقد قدمت عرضى .
وبصوت مختنق، قال البارون، وهو يضرب الهواء بذراعيه فى استماتة :
    - أوقفوها .
شعرت (كاترين) بغضب هادر، وضغطت زناد مدفعها بالفعل ...
وانطلقت الرصاصة ...
ولكن قبل انطلاق رصاصتها بثانية واحدة، جذب (فرناندو) معصمها فى قوة، وشعرت (منى) بلغم نيران الطلقة، على مسافة سنتيمترات من رأسها، وبدوى كاد يصيب أذنها بالصمم، و(فرناندو) يصرخ فى (كاترين) :
    - ألا تعنيك حياة البارون ؟!
قاومته (كاترين) فى شراسة وحشية، وهى تصرخ :
    - المصرى يخدعكم .
تكالب الرجال للسيطرة عليها، وانتزاع المدفع منها، وراحت هى تقاومهم فى شراسة مدهشة، حتى خفًَّف (أدهم) من ضغط ذراعه على عنق البارون، الذى شهق فى ألم، وملأ صدره بالهواء فى لهفة، قبل أن يهتف :
    - كفى .
توقف الجميع دفعة واحدة مع هتافه، والتفتوا إليه ...
حتى (كاترين) نفسها ...
وفى غضب هادر، قال البارون :
    - غضبك فاق ولاءك يا (كاترين) .
صرخت، مستعيدة مقاومتها :
    - المصرى يخدعك .
قال فى عصبية :
    - ملفه يقول : عكس هذا .
صرخت :
    - ملفه يقول : إنه لا يقتل أبداً .
صرخ بدوره فى حدة :
    - ولا يحنث بكلمة .
ثم حاول أن يتماسك، وهو يضيف بلهجة آمرة :
    - (فرناندو) ... خذ سلاح (كاترين) ، وألغ تعًَّرف بصمتها، حتى تتعلًَّم كيف تستخدمه فى المستقبل .
صرخت (كاترين) فى وحشية، فانعقد حاجباه وهو يستطرد :
وأطلق النار على رأسها الجميل، إذا ما واصلت هذا الصراخ المزعج .
اتسعت عينا (كاترين) فى هلع، فى حين جذب (فرناندو) إبرة مسدسه، وهو يقول فى ابتهاج واضح:
    - أمرك يا سيًَّدى البارون .
أطبقت (كاترين) شفتيها، وهى ترمق البارون بنظرة ساخطة، فى حين قال هو، وقد استعاد الكثير من هدوئه :
    - وحلوا قيود ضيفينا الجديدين، واخبر (ماريا)، أنه هناك من سينضم إلى مائة إفطارى فى الصباح .
اندفع (قدرى) يسأل فى لهفة :
    - ألا يمكننا تناول بعض الطعام الآن ؟!
ابتسم البارون، قائلاً:
    - بالطبع يا عزيزى (قدرى) .... لقد قرأت الكثير عن مواهبك وقدراتك الفنية الفذة ... وعن نهمك للطعام بالطبع، وأظن أنه لدى عرض مدهش لك، سيتيح لك تناول طعامك، فى أفخم مطاعم العالم، ما قى لك من العمر .
قال (أدهم) فى صرامة، وهو يعيد الضغط على عنقه :
    - لن يقبل أى منا عروضك يا هذا .
بدا البارون هادئاً هذه المرة، وهو يقول :
    - ذراعك تؤلمنى يا سيًَّد (أدهم)، وأنا أفكًَّر فى فتح صفحة جديدة معكم .
قالت (منى)، وهى تتحسًَّس معصميها، عد فك قيودها :
    - ورجالك يصوًَّبون مدافعهم إلينا .
صمت لحظة، ثم قال :
    - أنت على حق يا سنيوريتا ... خذ الرجال إلى الخارج يا (فرناندو)، واتركونى مع أصدقائى الجدد هنا .
قالت (كاترين) فى عصبية :
    - أنت ترتكب أكبر خطأ فى حياتك .
انعقد حاجباه فى غضب، وهو يهتف :
    - هيا .
تردًَّد (فرنادو) لحظة، ثم تراجع مع رجاله، و(كاترين) تهتف :
    - لا تقل إننى لم أحذرك.
وما أن أغلق (فرناندو) الباب خلفه، وبقى البارون وحده، مع (أدهم) و(منى) و(قدرى)، حتى قال فى هدوء عجيب :
    - ذراعك يا سيًَّد (أدهم) .
أفلت (أدهم) عنقه، ولكنه ظل ممسكاً بذراعه خلف ظهره، وهتفت (منى) فى سعادة:
    - لقد فعلتها يا (أدهم) .
ولكن (أدهم) استقبل سعادتها بصرامة باردة، وهو يسألها بالعربية :
    - كيف ظفروا بكما ؟!
أدركت غضبه، فتراجعت مغمغمة :
    - إنهم يمتلكون تكنولوجيا فائقة .
واندفع (قدرى) يقول :
    - سأخبرك .
وبدأ يروى ما حدث ...
*            *            *
كانت (منى) تنطلق بالسيارة، وسط ظلام صحراء )المكسيك)، عندما سمعت ذلك الانفجار من بعيد، فزادت من سرعة السيارة، وهى تقول فى عصبية :
    - أراهن أنه (أدهم) .
تمتم (قدرى) فى توتر شديد :
    - مازلت أصر على أننا قد أخطأنا، عندما خالفنا أوامره.
أجابته، وهى تواصل الانطلاق بالسيارة :
    - لا يوجد أى خطأ هنا ... إنها ...
قبل أن تتم عبارتها، ظهرت سيارات الجيب الخمسة، فجأة، من قلب الظلام، وفى مقدمتها سيارة (كاترين)، التى قالت لفنى الرادار فى صرامة :
    - لقد كنت على حق ... إنها سيارتنا .
كانت تضع على عيينها منظاراً خاصاً بالرؤية الليلية، يجعلها ترى (منى) و(قدرى) داخل مقصورة فى وضوح، فأردفت :
    - وبها الهدية، التى كان ينتظرها البارون .
بإشارة من يدها، اتخذت سيارات الجيب الخمسة تكنيكاً انتشارياً هجومياً، ورأتهم (منى) يحاولون محاولة سيارتها، فأدارت عجلة القيادة فى سرعة، وهى تهتف برفيقها :
    - انخفض .
سمع (قدرى) الكلمة واستوعبها، ولكنه لم يدر كيف يضعها موضع التنفيذ، مع كرشه الضخم، الذى يلتصق بتابلوه السيارة بالكاد، فاكتفى بالانحناء، وهو يهتف :
قلت لك: إننا قد أخطأنا .
لم تنتبه هى لعبارته، وهى تحاول بسيارتها الثقيلة مناورة السيارات الخمس القوية التى التفًَّت حولها بالفعل، وفوجئت بصوت (كاترين)، يأتى عبر جهاز الاتصال بالسيارة، وهى تقول فى صرامة :
    - هناك دستتان من المدافع القوية، مصوًَّبة إلى سيارتك أيتها المصرية ... لا فائدة من المناورة.
لم تبال (منى) بقولها، وهى تواصل الانطلاق بالسيارة، فتابعت (كاترين)، فى لهجة حملت الكثير من السخرية هذه المرة :
    - لا بأس ... دعينى أعرض عليك إذن بعض مهارتنا.
مع قوتها، توقًَّف تحرك سيارة (منى) فجاة، وانطفأت كل أنوارها، وراحت تواصل حركتها فى تباطؤ منتظم، و(كاترين) تواصل بدورها، ولهجتها تزداد سخرية :
    - إنك تستقلين واحدة من سيارتنا، وكلها مزوًَّدة بمستقبل للتحكًَّم عن بعد، وبوسائل أمن أخرى، ستختبرينها بنفسك، بعد لحظات .
شعر (قدرى) باليأس، عندما توًَّقفت السيارة فى النهاية، واحاطت بها السيارات الخمس، ورفع كل رجالها مدافعهم نحوها، فضغطت (منى) زر الاتصال فى الجهاز، وقالت فى حدة :
    - وهل وسائلكم هى إطلاق النار فحسب .
أجابتها (كاترين)، وقد امتزجت شراستها بسخريتها :
    - بل هى أكثر تطوراً .
مع نهاية قولها، سرى تيار كهربى فى مقصورة القيادة كلها، جعل (منى) و (قدرى) يرتجفان فى قوة، فى حين علت ضحكات (كاترين) الظافرة، وراحت تتردًَّد فى صحراء وجبال (المكسيك)...
بمنتهى السخرية ...
ومنتهى الشراسة...
*            *            *
" ثم أفقنا، لنجد أنفسنا مكبلين بالأغلال هنا ..."..
نطق (قدرى) العبارة فى انفعال، واستقبلها (أدهم) بنفس الوجه الجامد الصارم، فى حين قال البارون :
    - هل يمكننا أن نبدأ صفحتنا الجديدة أيها السادة ؟!
أجابه (أدهم) فى صرامة :
    - لا داع لاستخدام صيغة الجمع يا رجل؛ فرفاقى سيغادران المكان، قبل أن نبدأ حديثنا .
غمغم (قدرى) فى ضيق :
    - وماذا عن الطعام ؟!
رمقت (منى) (قدرى) بنظرة صارمة، جعلته يقول مرتبكاً :
    - لن يتعارض هذا مع الخطة ... أليس كذلك ؟!
ابتسم البارون لحوارهما، ابتسامة قط، وجد سبيلاً إلى فريسته، وقال :
    - سيًَّد (أدهم) ... دعنا نتحاور بالمنطق ... كيف يمكننى أن أسمح لهما بالرحيل، وهما سلاح تفاوضى الوحيد؟!... ماذا يمكن أن أربح عندئذ ؟!
أجابه (أدهم) فى صرامة:
    - حياتك .
نطقها، وهو يلوى ذراع البارون أكثر، على نحو مؤلم، فتأوه الرجل لحظة، ثم قال فى توتر:
    - وماذا عن حياتك أنت ؟!
لم يفهم (أدهم) ما يعنيه السؤال، و ...
ولكن فجأة، بدأ رأس (قدرى) يدور على نحو عجيب، وتخاذلت قدماه، فحاول الاستناد إلى أى شئ، وهو يغمغم فى ضعف :
    - (أدهم) ... إننى ...
لم يستطع إتمام عبارته، وهو يفقد توازنه،ويسقط  على ركبتيه أرضاً، فى نفس الوقت الذى تهالكت فيه (منى)، على نحو ملحوظ، وهى تقول فى ضعف :
    - إنها ليست مشكلة الطعام .
قالتها، ثم ألقت نفسها على مقعد قريب، وكأنما لا تقوى ساقاها على احتمالها، فى حين بدأ ذلك الدوار يكتنف رأس (أدهم)، الذى عاد يحيط عنق البارون بذراعه، وهو يقول فى غضب :
    - ماذا فعلت أيها التعس ؟!
قالها، فى نفس اللحظة، التى سقط فيها (قدرى) على وجه، وأسبلت (منى) جفنيها فى انهيار عجيب، وبدأ (أدهم) يشعر بضعف حقيقى، حتى أن ذراعه لم تعد بالقوة الكافية، لاعتصار عنق البارون، الذى ظل قوياً متماسكاً، وهو يقول :
    - المشكلة أنك تقدًَّر وسائلنا الأمنية حق قدرها، يا سيًَّد (أدهم)، فالواقع أنه ليست لدينا (ماريا) هنا... إنها مديرة منزلى هناك... فى (مانهاتن)... ولكن العبارة كانت تعنى استخدام غاز خفى خاص ...ابتكرته القريحة الألمانية، إبان الحرب العالمية الثانية، وتم تطويره فى معاملى الخاصة، على نحو مدهش ... لقد اطلقه رجالى فى حجرة المكتب، فور إغلاقهم بابه، وهو يتسلًَّل إليك، دون أن تشعر، فتستنشقه، ويملأ رئتيك، ويسرى فى دمك، ويتصاعد إلى مخك، فيفقدك السيطرة على عضلاتك فى البداية .
قالها، وهو يدفع ذراع (أدهم)؛ لتخليص عنقه منها، ثم ابتسم قائلاً:
    - أرأيت ؟!
شعر (أدهم) بضعفه يتزايد، زالبارون يتحًَّرك فى مكتبه بحيوية، متابعاً فى ظفر:
    - وبعدها يتهالك جسدك كله ... وتسيطر عليك رغبة ملحة فى النوم، تعجز حتى الأفيال عن مقاومتها .
كان الرجل صادقاً تماماً فيما يقول؛ فقد شعر (أدهم) أنه يفتح عينيه بالكاد، فقاد نفسه إلى مقعد قريب، تهاوى فوقه فى ضعف، ورأى بعينين نصف مغلقتين، البارون يعود إلى ما خلف مكتبه، ويستقر فوقه، بعينين متألقتين ظفراً، وهو يقول :
    - لا تقاوم يا سيًَّد (أدهم) ... أو يا سنيور (صاندو) ... حتى أنت لن يمكنك المقاومة؛ فمهما بلغت قدراتك وبراعتك، مازلت تمتلك جسداً بشرياً، بكل اجهزته الطبيعية، هيا .... استسلم يا سنيور (صاندو) ... استسلم .
بدا صوت البارون، وكانه يأتى من بعيد، ويغوص فى بئر عميقة ...
ويغوص ...
ويغوص ...
ثم أثبت جسد (أدهم) أن البارون على حق ...
إنه فى النهاية جسد بشرى ...
جسد انهار ...
تماماً ...
*            *        *
شعر (ألنزو) بسخط شديد، عندما استعاد وعيه، مع كل آلام جسده ووجه، وتحوًَّل سخطه هذا إلى غضب هادر، مع تحسسه لرأسه، الذى فقد معظم شعره، وجانب وجهه المحترق، وأطلق صرخة غضب وحشية، وهو يبحث عن سلاحه، قبل أن يأتيه صوت (كاترين)، قائلة :
    - مازلت أراك وسيماً، يا عزيزى (ألنزو) .
التفت إليها فى وحشية، صارخاً :
    - أخبرينى أنكم قد مزًَّقتم ذلك المصرى تمزيقاً .
مطًَّت شفتيها الجميلتين، قائلة :
    - البارون نطق عبارة السر، لاستخدام غاز (ماينهايم)، وأظنهم قد ظفروا به الآن مع رفيقيه .
سألها فى شراسة :
    - أى رفيقين ؟!
هزًَّت كتفيها، وألقت شعرها الطويل خلف ظهرها، فى حركة أنثوية، وهى تجيب :
    - إنها قصة طويلة، سأرويها لك يا عزيزى، ولكن لدى الآن ما هو أكثر أهمية، لأتحدث معك بشأنه .
ضاق ما بين حاجبيه، فى عصبية شديدة، فمالت نحوه، ورسمت على شفتيها الجميلتين ابتسامة عذبة، وهى تسأله :
    - قل لى يا عزيزى: أيهما أكثر أهمية بالنسبة إليك ... نقود البارون، أم الانتقام ممن فعل بك هذا ؟!
زمجر كوحش مفترس، وهو يجيب :
    - النقود يمكن ان تجديها عند أى مخدوم آخر .
اتسعت ابتسامتها، وهى تقول :
    - من الرائع أن نتفق يا عزيزى، فللانتقام لذة خاصة، لا يدرك متعتها سوى من على شاكلتنا .
زمجر مرة أخرى، وهو يسألها فى شراسة:
    - ماذا تريدين بالضبط يا (كاترين) ؟!
اتخذت جلسة شديدة الإغراء أمامه، وهى تقول :
    - العمل مع البارون كان ممتعاً فى البداية، ولكن جنون التفوًَّق والسيطرة، جعل العمل مملاً، وهو الآن يرتكب كومة من الاخطاء، بإصراره على العمل بمعيار مزدوج؛ فهو يريد أن يكون زعيماً قاسياً كأجداده، وسيًَّداً مهذباً فى الوقت ذاته؛ ليتفق مع أصوله العريقة .
مرة ثالثة، زمجر (ألنزو) فى شراسة، قائلاً :
    - هل ستواصلين هذا الحديث الممل طويلاً ؟!
مالت نحوه، قائلة :
    - البارون لم يهتم بعلاجك، عندما سقطت أمام عينيه، وعزلك من قيادة الفريق، ووضع بدلاً منك ذلك الغبى (فرناندو)، الذى أمره بأن يقتلنى بلا تردًَّد، لو صرخت أحذره مما يفعل .
كانت حروقه تؤلمه بشدة، فصاح بها فى حدة :
    - لم أصل إلى ما تريدين بعد .
ابتسمت ابتسامة أكثر إغراء، وقالت :
    - أسلوب البارون هذا، سيجعله يخسر فى النهاية، وكلانا يعلم هذا، والسؤال هو : كيف نضمن أكبر قدر من الربح، قبل ان يحدث هذا ؟!
قال فى عصبية شديدة :
    - أنت من وضع الخطة .
صمتت لحظة؛ لتنح كلماتها أكبر قد ممكن من الاهمية، قبل أن تضيف فى حزم :
    - سنحتل المزرعة، ونقتل البارون .
صدمته الفكرة لحظات، ثم لم يلبث أن عقد ما تبقى من حاجبيه فى شدة، وراح يدرس كلماتها القليلة فى توتر، قبل ان يسألها :
    - وكيف هذا ؟!
تألقًَّت عيناها فى ظفر، وهى تجيب :
    - ساخبرك .
وتحالف الشيطانان معاً ...
*            *            *
" لم نعثر على أى أثر لهم يا سيًَّدى البارون .."..
هذه الكلمات، هى أوًَّل ما التقطته أذنا (أدهم)، وهو يستعيد وعيه فى بطء...
ودون الحاجة إلى حواسه كاملة، أدرك أنه مقيًَّد بإحكام، بأغلال فولاذية شديدة القوة، إلى عمود من الأسمنت، فى جانب حجرة مكتبه الخاص، وهذا يشمل معصميه خلف ظهره، وقدميه أيضاً، وعلى الرغم من أن رأسه مازال يدور، سمع البارون فى وضوح، وهو يقول فى غضب :
    - أى قول سخيف هذا ؟!... إننا نتحًَّدث عن أكثر من ثلاثين رجلاً وامرأة، فى صحراء جرداء، تبعد أكثر من ثلاثمائة كيلو متر، عن أقرب طريق ممهًَّد، فكيف تعجز كل وسائلنا عن رصدهم .
أجابه الرجل فى توتر:
    - لقد انطلقنا خلفهم فوراً يا سيًَّدى البارون، وجبنا المنطقة كلها، طوال خمس ساعات، وحتى أشرقت الشمس، ولم نعثر لهم على أدنى أثر، وكأنما أنشقت الصحراء وابتلعتهم .
غمغم (فرناندو) مضيفاً فى حذر :
    - ولست أذكر أننى قد رأيت امرأة واحدة بينهم، عندما فروا بخيولهم من الأسطبلات يا سيًَّدى.
احتقن وجه البارون، وانعقد حاجباه فى شدة، وهو يقول :
    - التفسير الوحيد لهذا، هو انهم يختبئون فى مكان ما هنا.
قال (فرناندو) فى حيرة:
    - أين يا سيًَّدى ... لقد فتشنا المزرعة كلها، وقلبناها رأساً على عقب، بحثاً عنهم .
أجابه فى حزم :
    - فى الاسطبلات ... لقد اختفوا دون أن يغادروها، ولا تفسير لهذا، سوى أنهم يختبئون فى مكان ما داخلها .
بدت الفكرة عجيبة، بالنسبة لعقلية (فرناندو)، ولكنه اتخذ وقفة عسكرية، وهو يقول :
    - سنفتش كل شبر منها يا سيًَّدى البارون .
أشار إليه البارون، وهو يقول فى تفكير :
    - استخدموا وسائلنا التكنولوجية؛ لكشف أى مخبأ سرى أسفل الاسطبلات ...احفروا أرضيتها، لو استلزم الامر، ولكن امنحونى جواباً، خلال ساعة واحدة ... هل تفهم ؟!
أجابه (فرناندو) فى قوة :
    - أوامرك أيها الزعيم.
ثم انصرف فى سرعة، لتنفيذ الأمر، فقال (أدهم)، وهو يستعيد صفاء ذهنه تدريجياً:
    - سيضيع الكثير من وقته بلا طائل .
التفت إليه البارون، قائلاً :
    - آه... إذن فقد استعدت وعيك .
ثم اتجه إلى مقعد، أمام (أدهم) مباشرة، وهو يضيف :
    - والآن دعنا نعود إلى الحديث عن الجولات يا سيًَّد (أدهم) .
قال (أدهم) فى سخرية :
    - بل دعنى أقتبس عبارتك، عن أن المبارة لم تنته بعد أيها البارون .
رفع البارون حاجبيه وخفضهما، وهو يقول بابتسامة ظافرة:
    - لقد أوشكت يا سنيور (صاندو)، ورفيقاك سيساعدان على إعلان نهايتها .
تطًَّلع إليه (أدهم) بنظرة متسائلة، فلوًَّح بيده، مضيفاً :
    - كنت أصر على أن توًَّقع العقد بنفسك؛ حتى لا يمكنك الطعن فى صحة التوقيع فيما بعد، أو أن يفعل أحد هذا من بعدك، ولكن وصول صاحب الأصابع الذهبية (قدرى)، جعل الأمور أكثر يسراً .
قال (أدهم) فى هدوء:
    - أنت لا تعرف (قدرى) جيداً .
تابع البارون، وكانه لم يسمعه :
    - فوفقاً لما بلغنى عنه، يمكنه أن يزيًَّل العقد بتوقيعك، فى دقة تجعلك أنت نفسك تشك فى صحته .
قال (أدهم) فى صرامة :
    - وكيف سيمكنك إقناعه بهذا ؟!
هزًَّ البارون كتفيه، قائلاً :
    - إنه لم يتناول الطعام، الذى كان يحلم به، منذ ليلة أمس .
ابتسم (أدهم) فى سخرية، وهو يقول :
    - ألم أقل لك : إنك لا تعرف (قدرى) جيداً؟!... هل تصوًَّرت أنه يمكن أن يخون صديق عمره، من اجل وجبة طعام ؟!
قال البارون فى ثقة :
    - سأقدًَّم له وجبة شهية للغاية .
ثم ابتسم فى شراسة، مضيفاً :
    - مع مسدس مصوًَّب إلى رأس صديقته (منى) .
صمت (أدهم) لحظات، ثم قال فى صرامة :
    - مازالت هناك نقطة ضعف كبيرة فى خطتك .
ابتسم البارون أكثر، وهو يقول :
    - لو أنك تقصد ضرورة تواجدك؛ لتاكيد التوقيع، فلدى حل عبقرى لهذا .
وضغط زراً صغيراً، على سطح مكتبه، مضيفاً :
    - وستراه بنفسك .
مع ضغطة الزر، انفتح باب حجرة المكتب، وسمع (أدهم) وقع أقدام تقترب، فالتفت إلى مصدرها ، و ....
وانعقد حاجباه بمنتهى الشدة ...
فقد كان ما يراه أمامه مفاجئاً، إلى حد لا يمكن توًَّقعه ...
أبداً ...
*            *            *

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (15 منشور)

avatar
AMINE MOUSTARI 04/11/2011 10:32:11
أخيرا أتى الفصل الجديد انتظرته طويلا وهو فصل رائع جدا. وافنا بالباقي قريبا وشكرا.
أمين من الجزائر
avatar
وسيم من سورية 04/11/2011 11:15:37
يا الله!
أعتقد أنه يوجد شخص يضع قناع أدهم وهو الذي ظهر في نهاية هذا الفصل..
متى سيأتي يوم الجمعة القادم؟
أرجو أستاذ نبيل أن تضع فصلين أسبوعياً
avatar
سندريلا الجميلة 04/11/2011 23:36:39
فصل رائع
بجد مش قادرة استنى للاسبوع القادم
اظن فعلا ان ما رأه ادهم هو شخص مشابه له
avatar
ابو ريم 05/11/2011 00:19:40
أعدتنا الى الايام الخوالي
أعجبني وجود عقلية مختلفة للبارون في استخدام التكنولجيا
وان كان يكرر اخطاء من سبقوه واهمها الفلسفة الخنفشارية في كيفية قتل ادهم
اتمنى ان اقرأ قصة فادهم مع عدو عربي (خائن طبعا)
الأفكار الجديدة ستكون اكثر تشويقا
 
avatar
عمر قزيحة 06/11/2011 08:43:09
مبدعًا كنتَ وما تزال،
قمة في التشويق والإثارة،
سلمت يداك وجزاك الله كل الخير
avatar
نوة 06/11/2011 16:25:04
dfcxcvdcv cvfbv
avatar
11/11/2011 05:09:39
رائع رائع رائع
ولكن الفصول قصيـــــــــــــــــــــــــرة جدا :`(
في انتظار المزيد
avatar
11/11/2011 11:04:06
اين الفصل الثالث عشر؟؟
avatar
محمد سام 14/11/2011 05:21:46
جميل بدأت القصة تعجبني

عجباني اوي قصة كاتيرن والنزو وخيانتهم للبارون اينعم انها قديمة والافلام الابيش والاسود مليانة بيها بس تعتبر جديدة على رجل المستحيل

معلش نقضي ساعات بيكون لاذع بس بردو معجب ومتابع

وأرجو أن تتقبلوني بصدر رحب
avatar
Adelie 11/01/2012 04:47:57
Gee whiz, and I tghouht this would be hard to find out.
1 2 next المجموع: 15 | عرض: 1 - 10

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال