الفصل الثالث

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفصل الثالث

على عكس المتوقَّع، خيَّم صمت عجيب على قاعة مجلس الشعب، والكل يترقَّب عودة رئيس المجلس والدكتورة (نهير)؛ لحسم ذلك الأمر، الذى لم يحدث مثله قط، ربما فى تاريخ المجالس النيابية كلها.. 

كان كل نائب - تقريباً - يفكِّر فى تداعيات الموقف، وتأثيره على الحياة النيابية، وما يمكن أن يؤدى إليه من تطورات، أمنية وسياسية، يمكن أن تربك كل خططه المستقبلية، أو الأدهى، إلىمنح الرئيس مبرراً مناسباً؛ لحل المجلس، وإجراء انتخابات جديدة، تتفادى خلالها الحكومة، ما أسفر فى السابقة، من زيادة نسبة التيارات المعارضة، أكثر مما ينبغى، أوأكثر مما يحتمل الحزب الحاكم.. 

نائب واحد فقط، كان يفكِّر فى الموقف كله، على نحو مختلف .. 

نائب واحد، كان يعيد دراسة الأمر بأكمله  منذ البداية .. 

لقد كان شديد الحرص، فى تنفيذ خطته الدقيقة .. 

راقب النائب (مازن) طويلاً، عبر عدد من الجلسات، ودرس نمطه، وأسلوبه، ولاحظ الأقراص التى يتناولها، كلما اكتنفه انفعال ما، أثناء الاستجوابات، بل ونجح فى سرقة أحد تلك الأقراص، واختبر تأثير مزجه بقرص من الفياجرا، على أحد كلابه، وشاهد الكلب ينهار، ويسقط صريعاً أمامه، وأيقن من نجاح الخطة.. 

ووسط الهرج والمرج، لم يكن من العسير عليه أن يدس حبوب الفياجرا المسحوقة، فى علبة المياه الغازية... 

وبكل الشغف، شاهد (مازن) يتناولها.. 

ويسقط.. 

ويموت..

وكان من الممكن أن يمضى الأمر، دون أن ينتبه إليه أحد، أو يشك فى أمره شخص واحد، وأن تعتبر الوفاة عرضية، وتتم الإجراءآت فى سرعة ويسر، ودون الكثير من التدقيق؛ احتراماً لمكانة النائب ..

لولا وجود (نهير)..

أحنقه كثيراً أن تذكَّرها، واستعاد ما فعلته، وكيف كشفت خطته كلها فى ساعة واحدة، وراجع كل الاحتياطات التى اتخذها جيداً، عندما دسَّ المسحوق فى علبته هو، ثم استبدلها بعلبة (مازن)، أثناء انشغال الكل بالشجار، وكيف استعادها بعد سقوط هذا الأخير، ومسح ما عليها من بصمات، وهو يمسكها بمنديله، الذى أخفاه فى راحة يده، وأعادها فى سرعة، دون أن ينتبه إليه أحد..

لقد نفذ خطته بمهارة فائقة، وارتكب جريمته بكل الدقة، ولكن تلك الطبيبة كانت له بالمرصاد..

ولكن هذا لا يعنى أن أمره سينكشف، وهو ما يثق فيه تماماً..

فى نفس الوقت، الذى دارت فيه كل هذه الأفكار فى رأسه، كان رئيس المجلس يواجه (نهير) فى مكتبه، قائلاً فى صرامة:

- ما تطلبينه يتجاوز كل منطق يا دكتورة، وكل الأعراف والتقاليد، والنظم القانونية أيضاً.

قالت (نهير) فى اهتمام مشوب بالانفعال:

- ولكنها الوسيلة الوحيدة يا سيادة الرئيس.. القاتل اتخذ كل الاحتياطات، ولكنه لم ينتبه حتماً إلى هذه النقطة.

قال فى حدة:

- ولكننى لا أستطيع أن أطلب من النواب هذا.

قالت منفعلة:

- ولماذا يرفضون؟!.. القاتل وحده سيجد هذا تجاوزاً؛ لأنه قد يكشف أمره.

ضرب رئيس المجلس سطح مكتبه براحته، قائلاً فى حسم:

- لن أناقش هذا الأمر.. قلت: إننى لا أستطيع مطالبة النواب المحترمين بهذا.. ابحثى عن وسيلة أخرى.

هتفت معترضة:

- ولكن هذا سيحسم الـ....

قاطعها بمنتهى الصرامة، مكرراً:

- ابحثى عن وسيلة أخرى.

نطقها، واندفع مرة أخرى خارج مكتبه، تاركاً إياها خلفه، بصحبة رجل الأمن الذى عاد يراقبها بنظرة حذرة، تحمل مزيجاً من التحفز والشك، فشعرت بكثير من اليأس والإحباط، وجلست تتصفَّح ذهنها، بحثاً عن وسيلة أخرى، بخلاف تلك التى رفضها رئيس المجلس فى إصرار..

وبحكم مهنتها، راحت تفكِّر فى وسيلة علمية، بعد أن أيقنت من أن القاتل قد محا البصمات تماماً، ومحا معها كل أثر لحامضه النووى..

وبحكم مهنتها أيضاً، كانت تدرك أن الجريمة الكاملة أمر مستحيل!..

أى قاتل، مهما بلغت براعته ودقته، يرتكب حتماً ولو خطأ واحد..

خطأ يوقعه حتماً، فى قبضة العدالة..

إنها حكمة الله - عزَّ وجلَّ - ألا يفلت أى مجرم من العقاب، مهما طال به الزمن، ومهما ارتفع به المقام فى الدنيا..

ولكن السؤال هو: أين ذلك الخطأ؟!..

أين الثغرة، التى لم ينتبه إليها القاتل، والتى ستكشف أمره حتماً، لو انتبهت هى إليها؟!.. أين؟!.. أين؟!..

فى غمرة توترها ويأسها، استعاد ذهنها نفس المشهد، الذى أثار انتباهها منذ البداية..

مشهد النواب، وهم يتزاحمون حول جثة النائب (مازن)، فور سقوطه..

كلهم كانوا يتحركون فى توتر وانفعال..

فيما عدا واحد..

واحد فقط، كان يبدو عليه الترُّقب، بأكثر مما يبدو عليه القلق..

ووحده كان ثابتاً فى مكانه، وعيناه تنظران إلى أسفل، وليس إلى الأمام كما يفترض..

لم يلق نظرة واحدة على جثة زميله النائب، بقدر ما كان يتابع شيئاً ما، على الأرض..

ولأنها فحصت جيداً تلك الورقة، التى كانت تحوى بقايا أقراص الفياجرا المسحوقة، فهى تعلم أنه كان يزيحها بقدمه، فى تلك اللحظة..

وهذا يعنى أنها ستعثر على ذرة أو ذرتين، من سترات السيلدينافيل، فى جانب حذائه أو طرفه..

ولكن رئيس المجلس يرفض تماماً أن يخلع النواب أحذيتهم، أياً كان السبب. إنه يرى، من وجهة نظره، أن فى هذا إهانة للنواب، على الرغم من أنها تتصوَّر، أن الإهانة الحقيقية، هى ألا تتحقَّق العدالة فى مجلسهم، لأية اعتبارات كانت!!..

وربما هذه وجهة نظرها؛ لأنها ليست من العاملين فى السياسة، أو لأن السياسة فى بلدنا (الديمقراطى)، لا تسير على النهج نفسه، الذى تسير به فى البلاد الأخرى، التى تبحث عن العدالة، حتى لو طالت الجريمة أكبر رموزها..

السياسة لدينا لها محاذير، ومعايير، وتحفظات، وأنياب ومخالب شرسة، حادة، قاسية، لا تعرف الشفقة أو الرحمة..

جلست على أقرب مقعد إليها، ودفنت وجهها بين كفيها، وقاومت بشدة رغبتها فى البكاء، من شدة إحساسها بالقهر واليأس، واستعادت فى ذهنا كلمات مساعدها (عزت)، وهو يؤكِّد أنها قد ورَّطت نفسها فى أمر يفوق قدراتها..

لم تكن تدرك - عندئذ - كم هى معقَّدة ومرهقة دهاليز السياسة..

لم تكن تعلم أن الأمر يفوق قدراتها بالفعل..

ألف مرة..

تراقصت دمعة فى مقلتيها، وقاومت للفرار من عينيها، فازدردت لعابها، عبر حلقها الجاف فى صعوبة، فى محاولة لمنعها، إلا أنها هزمتها، وانسالت على وجنتيها، فأسرعت تمسحها، وهى تقول لرجل الأمن، الذى لم يرفع عينيه عنها، فى عصبية واضحة:

- ألديك حل ما؟!

ظلَّت ملامحه جامدة قاسية، وإن أطلّ تساؤل حائر من عينيه لحظة، تحوَّل بعدها إلى صرامة غاضبة، وهو يرفع يده بحركة آلية، ليضغط سمَّاعة الاتصال الصغيرة فى أذنه، وكأنما يرهف سمعه؛ ليفهم معنى ما قالته، فلوَّحت بيدها، قائلة:

- لا بأس.. إنها مشكلتى أنا.

فى نفس اللحظة، التى نطقت فيها عبارتها، كان النائب الهامس يقدِّم عريضة كبيرة، متخمة بالتوقيعات لرئيس المجلس، وهو يقول، فى حدة لم يستطع كتمانها فى أعماقه:

- أغلبية الأعضاء يطلبون إنهاء هذه المهزلة، التى تجاوزت كل حدودها.

انعقد حاجبا رئيس المجلس فى صرامة، وقال فى قوة:

- ما يحدث ليس مهزلة، يا سيادة النائب المحترم.. إنها جريمة قتل، والرئيس نفسه لن يرضى بمرورها دون تحقيق حاسم وحازم.

قال النائب، فى عصبية واضحة:

- حرصاً على هيبة المجلس، كان ينبغى أن تتولى التحقيق هيئة قضائية، على أرفع..

قاطعه رئيس المجلس، فى صرامة بالغة:

- وهل درس النواب المحترمون، تداعيات مطلبهم هذا؟!.. هل حسبوا احتمالات تسرب الخبر، إلى الصحافة والإعلام، مع وجود هيئة تحقيق كاملة؟!.. هل فكَّروا فى أثر نشر هذا، على نظرة فخامة الرئيس للمجلس، وثقته فيه؟!

امتقع وجه النائب الهامس، وهو يقول فى صوت منخفض، وكأنما يخشى أن يتسرًّب صوته إلى الرئيس نفسه:

- هل.. هل تشير سيادتك إلى حل المجلس؟!

أومأ رئيس المجلس برأسه إيجاباً، دون أن تختفى انعقادة حاجبيه الصارمة، فاعتدل النائب، وتضاعف امتقاع وجهه، وهو يتمتم:

- أنت على حق.. شكراً سيادة الرئيس.. شكراً.

تمتم بالكلمات، وهو يسرع عائداً إلى مقعده، ويطوى العريضة، ويدسها فى جيبه، مدركاً أن حل المجلس قد يؤدى إلى انعدام فرصته فى دخوله مرة ثانية، أو إلى اضطراره خوض انتخابات مبكرة، قبل أن تبرد نيران ما أنفقه فى السابقة، أما رئيس المجلس فواصل متابعة الموقف بنظرته الصارمة بضع لحظات، قبل أن يستدير، عائداً إلى مكتبه، واندفع داخله بحركة حادة، قائلاً بكل صرامة:

- هل توصلت إلى أمر ما؟!

انتفضت الدكتورة (نهير) فى عنف مع المفاجأة، وهتفت بصوت مرتفع، أكثر مما ينبغى، من فرط انفعالها:

- ليس.. ليس بعد.

رمقها رئيس المجلس بنظرة أكثر صرامة، وقال فى حدة:

- فى هذه الحالة، ليس أمامى سوى حسم الأمر تماماً، مهما كانت النتائج.

هتفت فى ارتياع:

- هل تعنى ما أخشاه؟!

تجاهل سؤالها تماماً، وهو يتابع بنفس الحدة:

- سأختم الجلسة، وأسمح للنواب بالانصراف.

شحب وجهها، وهى تقول مذعورة:

- هذا يعنى أن القاتل سيفلت بجريمته.

قال رئيس المجلس فى غضب:

- لا تنسى أنك تتحدثين عن نواب محترمين.

تلاشى شحوبها، وهى تهتف:

- وأحدهم قاتل.

لوَّح بذراعه كله فى حدة، وهو يقول:

- ما زال نائباً.

تراجعت محتقنة الوجه، ومتمتمة:

- لم أتصوَّر أن الأمور تسير على هذا النحو.

أجابها فى صرامة قاسية، أشبه بالزمجرة:

- أمور عديدة لا تتصوَّرينها.

هزَّت رأسها، وقلبت كفيها فى يأس، وهى تقول:

- فى هذه الحالة، لا أملك أى حل.

بدت نظرته شديدة الغضب والحدة، وهو يتجه إلى مكتبه، ويجلس خلفه، قائلاً:

- إذن فقد أضعت وقت المجلس دون طائل.

هتفت معترضة:

- كان لدى حل منطقى، ولكنك..

قاطعها فى خشونة عنيفة:

- هل ستكررين هذا طوال الوقت؟!

تراجعت فى عصبية، وزفرت على نحو ملتهب، قبل أن تقول، وهى تشيح بوجهها:

- وهل ينبغى أن أعتذر مثلاً؟!

مع إشاحتها بوجهها، ارتطم بصرها بوجه حارس الأمن الجاف، وملامحه التى لا تحمل أى انفعال، ولاحظت أنه يغلق كل أزرار سترته فى إحكام، على عكس المعتاد، وتساءلت عما إذا كان هذا بسبب برودة جو الحجرة، مع جهاز التكييف القوى، أم..

"ولِمَ لا؟!.."..

قطع رئيس المجلس أفكارها، بعبارته الصارمة، فالتفتت إليه بوجه شاحب، ليتابع فى غلظة:

- الاعتذار أمر واجب، فى مثل هذه الظروف؛ ما دمت قد أهدرت وقت المجلس، دون التوصُّل إلى القاتل، أو...

جاء دورها لتقاطعه، وهى تقول فى انفعال:

-                           لو أن الاعتذار أمر واجب عند الخطأ، فلماذا لم نسمع مسئولاً واحداً يعتذر للشعب، مخما كانت فداحة الخطأ، الذى ارتكبه فى حقه ؟!..

اتسعت عينا رئيس مجلس الشعب، وهو يكاد يلتهمها بنظرة غاضبة مستنكرة، مستهجنة، فأضافت فى عصية أكثر.

-                           مشكلة السادة والعبيد مرة أخرى.

رأته يعقد حاجبيه، فى غضب هادر هذه المرة، فاستدركت فى سرعة؛ لتدير حافة الحديث، نحو وجهة أخرى:

  -المشكلة أننى توصَّلت إليه.

ارتفع حاجبا رئيس المجلس فى دهشة، على الرغم منه، وندت من حارس الأمن حركة متوترة، قبل أن يهتف الأوَّل:

- توصَّلت إليه؟!

أجابته (نهير)، وهى تشعر بالاختناق، من فرط الإحساس بالعجز، واليأس والقهر:

- نعم.. توصَّلت إليه، ولكننى لا أملك الدليل على إدانته.

صمتت لحظة، ثم استدركت، فى حنق واضح:

- الدليل العلمى.

بدا صوت رئيس المجلس خافتاً، وكأنما يحمل بواطن رغبته، فى سؤالها عن هوية القاتل، وهو يقول:

- لن تطلبى منى أن أخلع حذائه مرة أخرى.

أجابته فى حنق أكثر:

- لو أننى فى مكانك لفعلت.

ندت حركة متوترة أخرى من رجل الأمن، فالتفتت إليه بحركة حادة، ونظرت بحركة آلية إلى سترته، التى بدأ يحل أزرارها فى عصبية، وكأنما يتأهَّب لسحب سلاحه، و...

وفجأة، تداعت عدة أمور مترابطة فى ذهنها..

ثم توقَّفت عند أمر واحد..

سترته..

وبنظرة حادة قوية، حدَّقت فى سترة رجل الأمن، الذى تضاعف توتره، وسحب مسدسه بالفعل، ورئيس المجلس يفقد قدرته على التماسك، ويسألها فى لهفة، غلفها بإطار صارم:

- من ارتكب هذه الجريمة؟!.. من ؟!.

استدارت إليه بحركة حادة، مجيبة فى انفعال:

- السترة.

سألها فى دهشة حذرة:

- أية سترة؟!

أجابته، وقد بلغ انفعالها مبلغه:

- سترة القاتل..

لم تمض دقائق خمس على عبارتها، حتى كانت تدلف مرة أخرى، مع رئيس المجلس إلى القاعة، وتتطلَّع بتوترها المعهود إلى كل من بها، وهى تؤكِّد فى أعماق نفسها، أنها لن تعتاد هذا المشهد قط، مع طبيعتها المتحفظة، المائلة إلى العزلة، ولقد تضاعف توترها عدة مرات، عندما أشار إليها الرئيس باعتلاء المنصة السفلية، واستقر هو على العليا، وجال ببصره فى النواب بنظرة صارمة، ألجمت ألسنتهم جميعاً، فران على المكان صمت مهيب، قطعه هو بقوله:

- حانت لحظة حسم الأمر ..

لثانية أو ثانيتين، تواصل ذلك الصمت المهيب فى القاعة، والعيون كلها تتطلَّع إليه، وإلى الدكتورة (نهير)، التى تنحنحت فى عصبية، وحاولت عبثاً أن تشيح بوجهها، بعيداً عن العيون المتربصة، التى بدت وكأنها تملأ كل ركن من القاعة، فيما عدا السقف، الذى رفعت عينيها إليه، فى نفس اللحظة التى تفجَّرت فيها موجة من الهمهمة فى القاعة، على نحو عنيف..

كان الكل يتحدَّثون فى آن واحد تقريباً، فيما عدا واحد ..

القاتل الحقيقى..

وحده تراجع فى مقعده، فى مزيج من العصبية والتوتر والترقُّب والحذر، وعيناه مثبتتان على وجه الدكتورة (نهير)، وعقله منطلق، يستعيد مرة أخرى كل التفاصيل، ويتساءل عما إذا كان قد ارتكب خطأ ما ..

وفى صرامة، أخفت لمحة انفعال، أشار رئيس المجلس إلى (نهير)، قائلاً:

- أخبريهم بالأمر.

لم يعد هناك من مفر إذن!...

إنها مضطرة لأن تخفض بصرها، وتواجه هذا الجمع الكبير، من مختلف المشارب، والذى يمثل أغلبية (دائمة)، من أعضاء الحزب الحاكم، الذين يربحون كل جولة انتخابية (إجبارياً)، وعدد متناثر من المستقلين، والإسلاميين، والمنتمين إلى أحزاب أخرى، ما زالت تحلم (عبثاً) بتبادل الأدوار، وما زالت تصدٌِّق (سذاجة)، وعود الحزب الحاكم وحكومته، بديمقراطية نزيهة زاهية ..

وفى بطء، اعتدلت تواجه الجميع، حكومة ومعارضة، قبل أن تتنحنح فى قوة، وتقول بصوت مبحوح:

- لقد كشفنا القاتل.

تعالت الهمهمة مرة أخرى، ومعظم الموجودين يتساءل عما قالته، فكرَّرت عبارتها بصوت أقوى، أرادته واثقاً، إلا أنه خرج، على الرغم منها، مرتجفاً متوتراً، وهى تقول:

- كشفنا النائب القاتل.

ثم غاص عنقها بين كتفيها، واختلست نظرة إلى رئيس المجلس، متمتمة:

- سيادة النائب القاتل.

خفتت الهمهمات لسبب ما، وتعلَّقت بها كل العيون، وغلب التساؤل والفضول الجميع، فران عليهم تدريجياً صمت عميق، جعلها تتنحنح مرة أخرى، وتقول متابعة فى حذر:

- كنت أعلم منذ البداية، أن الحل كله يكمن فى تلك الأقراص المسحوقة، وكنت أتصوَّر أننى سأعثر على الدليل، فى حذاء القاتل، عندما تخلَّص من الورقة، التى وضع بها المسحوق، وأزاحها بقدمه بعيداً عنه، ثم نبهنى شئ ما إلى حقيقة أخرى.

تألَّقت عيناها، وشملها حماس، جعلها ترفع صوتها دون أن تدرى، وهى تتابع:

- فالقاتل أحضر المسحوق إلى هنا فى جيبه حتماً، وفى جيب سترته بالتحديد؛ لأنه لن يضعه فى حقيبته، خشية أن يلاحظه أحد، وهو يفتحها ويلتقطه، ولن يضعه فى جيب سرواله؛ لأن هذا يستلزم منه النهوض قليلاً، أو الاعتدال على نحو ملحوظ، وهو يخرجه، وسينبه الجالس إلى جواره إلى الأمر على الأقل، أما لو وضعه فى جيب سترته، فسيتيح له هذا التقاطه، ودسَّه فى علبة المياه الغازية الخاصة به خفية، ثم لن يكون عليه بعدها، سوى أن يستبدل علبته بعلبة النائب (مازن)، وينتظر حتى يشرب مسحوق سترات السيلدينافيل، ويدفعه إلى الانفعال، حتى يتناول قرص النترات، ويحدث التفاعل المطلوب، و...

لم تحاول إتمام عبارتها، ولكن النظرة التى ارتسمت فى كل العيون، أنبأتها بما دار فى الأذهان، مما شجَّعها على أن تواصل، قائلة، فى حماس أكثر:

- لهذا مسح القاتل كل البصمات عن العلبة، بعد سقوط القتيل؛ لأنه كان يعلم أن بصماته ستملأ كل مكان منها.

قال النائب المتشاجر فى توتر:

- ما هذا بالضبط؟!.. أهى جلسة من جلسات المجلس، أم واحدة من حلقات شيرلوك هولمز البوليسية؟!.. لسنا هنا لنسمع استنتاجات امرأة مأ...

قاطعته (نهير) فى حزم:

- ليست استنتاجات يا سيادة النائب، ولكنها  حقيقة علمية، مع فحص جيب سترة القاتل، الذى سيحوى حتماً ذرات من مسحوق الفياجرا؛ فمع ازدحام النواب حول النائب الصريع، قد نجد الذرات فى أكثر من حذاء، ولكنها فى جيب واحد فقط.

تراجع المتشاجر فى توتر، عندما أدارت عينيها فى وجوه الجميع، ثم بلغ حماسها وانفعالها ذروته، وهى تهتف، مشيرة إلى أحدهم:

- أنت يا سيِّدى.

اتسعت عينا النائب النحيل، وانتفض على مقعده، وهو يهتف:

- أنا.

أجابته فى حزم، وكأنما زالت كل توتراتها ومخاوفها من المكان دفعة واحدة:

- نعم.. أنت.. وحدك كنت تجلس إلى جوار النائب (مازن)، وتملك الفرصة لتنفيذ الجريمة، بالأسلوب الذى وصفته، وأنت من اعتاد معارضته واستفزازه فى كل استجواب، كما سيتفق معى الكل، ولو سلمتنا سترتك الآن، ستثبت ذرات المسحوق فى جيبها ما أقول.

استدارت الوجوه كلها إلى النائب النحيل، فى ذهول مستنكر، جعله ينكمش فى مقعده على نحو مثير للشفقة، ثم لم يلبث أن ضمّ سترته إليه فى شحوب شديد، وهو يتمتم بصوت منخفض مرتجف، وعصبية أشبه باعتراف صريح:

- إننى.. إننى أمتلك حصانة.

وران بعدها صمت آخر على القاعة..

صمت ثقيل كالجبال.. أو أكثر ثقلاً..

ولم تنس (نهير) عبارته هذه أبداً..

لم تنسها، وهى تتابع الصحف يومياً فى شغف، بحثاً عن خبر ولو صغير، دون أن تجد إشارة واحدة للتجربة الرهيبة، التى عاشتها  بنفسها هناك ... فى مجلس الشعب..

فقط، حملت الصحف نبأ وفاة النائب المحترم (مازن)، بسكتة قلبية، أثناء حضور واحدة من الجلسات الهامة، فى قاعة المجلس، وتعازى الكل لأسرته، والتى احتلت صفحة وفيلت كاملة ..

أما النائب النحيل، فقد غادر البلاد فى اليوم التالى، لحضور مؤتمر وهمى، وتم اتهامه بفساد مالى، وأعلنت التهمة بعد ساعين، من وصول طائرته إلى دولة أوروبية، لم توقع اتفاقية تبادل مجرمين مع مصر، وما زال طلب رفع الحصانة عنه مقدماً، من أحد نواب المعارضة، ولم يتم حسمه بعد،  داخل المجلس ... أو خارجه..

لم تنس (نهير) عبارته أبداً؛ لأنها جعلتها تتلقى أخيراً درساً كبيراً وخطيراً..

فى السياسة.

(تمت بحمد الله)

 

*     *     *

 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (4 منشور)

avatar
Loaaie 12/11/2012 08:57:19
هــــكـــذا بـــلادى !!
avatar
Loaaie 12/11/2012 08:58:15
من فضلك يا دكتور تنزل رواية أخرى ^__^
avatar
منار 19/03/2013 14:57:52
لكن هل لو ده حصل فى الواقع ممكن النائب يحتمى بالحصانة حتى لو كان مرتكب جريمة ؟؟
قصة جميلة
avatar
menna 04/03/2014 07:25:42
اتفق مع الراي الي بيقول انك معدتش لاقي حاجة تكتبها فبتكتب اي حاجة
مفيش اي اثارة في الموضوع و قاعد بتطول في ذكر القاتل كاننا عارفينهم مع ان ده مش هيفرق مع القارئ فمفيش اي اثارة
من رايي الرواية الحلوة او بلاش احسن
و حضرتك كنت بتطول و تزيد في معظم رواياتك بس المرادي زادت اوي

و لو العبرة فاصلا طالما رئيس المجلس فاسد كان يمنعها من البحث في القضية احسن و يهددها متتكلمش و خلص الموضوع و لا كانها اكتشفت اي حاجة و محدش هيلاحظ
كل الي حصل انها اكتشفت الموضوع و ارادت تفتش الحذية و بعدين قررت تفتش الجواكت و خلص الموضوع
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال