الفصل الثاني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفصل الثاني

ارتسمت علامات الجدية والصرامة، على وجه رئيس المجلس، وهو يراجع بعض الأوراق فوق المنصة فى صمت، شاركه إياه الجميع، دون أم يطلب منهم هذا، عندما ارتفع صوت النائب النحيل، يشق أستار الصمت بغتة، فى حدة: 

  - هذا تجاوز لنظم المجلس.. ليس من المفترض أن نجلس نحن النوّاب هنا، فى انتظار تحقيقات عبثية، تسعى إليها امرأة مأفونة، لا تتمتع حتى بالحصانة.

رفع رئيس المجلس عينيه إليه فى بطء، وأجابه فى صرامة، بلهجة أستاذ يتحدّث إلى تلميذ مشاغب:

-                           هذه المرأة مؤهَّلة تماماً لما تجريه من أبحاث، يا سيادة النائب، وتحمل من المؤهلات مالايمكن التشكيك فيه، ولقد تحرّى السيد وزير الداخلية شخصياً أمرها، وليست عليها أية مؤاخذات أمنية، وانتظارنا لما يمكن أن تجلبه من نتائج هنا، أفضل من فضّ الجلسة دون حسم الأمر، والكل يحمل التساؤل فى أعماقه، وبذرة الشك فى كيانه.

    قال النحيل فى عصبية:

       - وهل يبدو لك هذا إجراءاً قانونياً؟!..

أجابه صارما:

     - يبدو لى إجراءاً مناسباً؛ لحفظ كرامة المجلس وهيبته.

ثم أدار عينيه فى الحاضرين، بنظرة يحفظونها جميعاً، قبل أن يضيف:

   _ ولدى أوامر باستخدمه، والمضى فيه حتى النهاية .... أياً كانت النتائج.

حسمت عبارته الأخيرة الموقف تماماً، وألجمت كل الألسنة، وأخرستها فى الحلوق، حتى نهض النائب، الذى همس فى أذن (مازن)، وقال فى عصبية حذرة:

- لا توجد لدينا أية تساؤلات.. إننا حتى نرفض مجرد توجيه الاتهام، إلى أحد منا .. كلنا هنا رجال شرفاء، ولا يمكن أنيقدم أحدنا على ارتكاب جريمة قتل.

اندفع ذلك الذى تشاجر مع القتيل، يقول بدوره:

- ثم أن المرحوم (مازن) سقط أمامنا جميعاً، دون أن يقترب منه أحد، فكيف تكون هذه جريمة قتل؟!

أجابهم رئيس المجلس، فى صرامة أكثر:

- الدكتورة (نهير) طلبت ساعة واحدة لإثبات الأمر، لم تتبق منها سوى بضع دقائق، وإن غداً لناظره قريب.

قال النائب النحيل فى حدة:

-                           فليكن.. سننتظر تلك الساعة فقط، ثم سننصرف بعدها، سواء حسمت الأمر أم لا.

رمقه الرئيس بنظرة نارية، وهو يقول:

    -  سيبقى الجميع حتى النهاية، مهما طال الأمر.

مرة أخرى، ألجمت عبارته شديدة الصرامة الألسنه، وايتلع كل منهم لسانه مجبراً، ولكنه لم يكد ينهى عبارته، حتى اندفع أحد رجال الأمن داخل القاعة، بصحبة الدكتورة (نهير)، التى عاودها توترها الشديد، فور دخولها، وراحت تتلفَّت فى عصبية بالغة، وهى تهرول خلفه فى ارتباك، والعيون كلها ترمقها بنظرات نارية ملتهبة، تحمل الكثير من المقت، والغضب، والاستياء، مع لمحة من الفضول المترقب، فأشار إليها رئيس المجلس؛ ليحسم الأمر، قائلاً:

- تفضلى يا دكتورة.

تلفَّتت حولها مرة أخرى، وتضاعفت عصبيتها، وهى تسير وسط القاعة، نحو المنصة، وتعتليها فى صمت، فسألها رئيس المجلس، من المستوى الأعلى:

- هل توصَّلت إلى شئ؟!

شاهد الجميع شفتاها تتحرَّكان، دون أن يصدر عنهما أدنى صوت، فأرهف النواب سمعهم فى انتباه، قبل أن تتنحنح هى، وتقول، وعصبيتها تتضاعف:

- نعم.

ثم أدارت عينين عصبيتين فى الحاضرين، وأضافت:

- لقد عرفت كيف قُتِلَ النائب (مازن).

سرت همهمة غاضبة فى القاعة، فور نطقها العبارة، فارتبكت هى، ورفعت صوتها، فى محاولة للسيطرة على الموقف، وهى تكمل:

- من الواضح أن القتيل اعتاد الانفعال، فى كل مرة يقدِّم فيها استجواباً، ومع انفعاله، ولأنه مصاب بمرض الذبحة الصدرية، كان يصاب دوماً بآلام الصدر مما يدفعه إلى تناول أحد أقراص النترات، التى تعمل على توسيع الأوعية الدموية، وتضخ المزيد من الم لقلبه، فخفِّف آلامه.

اندفع النائب النحيل، يقول محتداً:

- حتى قتلته.. هذا ما أردت قوله.. أليس كذلك؟! ... هل ترين أن زميلنا النائب المحترم قتل نفسه، بجرعة دواء خاطئة؟!

قالت فى حدة:

    - لو أن هذا سبب الوفاة، لما أشرت مجرد إشارة، غلى القتل، من قريب أو بعيد، بل ولما استخدمت المصطلح من أساسه.

ثم صمتت لحظة، واستدركت، فى حذر شديد:

    - ولكن هذا لا ينفى أن الأقراص قتلته.

هتف النائب المتشاجر فى ثورة:

   - هذه المرأة تعبث بنا.

ارتبكت الدكتورة (نهير) أكثر، مع نظرات الاتهام العنيفة، التى يرميها بها الكل، وهى تقف على المنصة السفلى، فقال رئيس المجلس، مستوضحاً فى اهتمام:

- هل قتلته أقراص الدواء؟!

تردَّدت الدكتورة (نهير) لحظة، قبل أن تقول فى خفوت:

- ليس على نحو مباشر.

نهض النائب، الذى همس، قائلاً فى عصبية:

- هل ستظل ترميننا بعبارات غامضة مطاطة، أم هناك أمل فى أن نحصل على جواب صريح ومباشر.

احتقن وجهها، وارتباكها يتضاعف أكثر وأكثر، والنظرات النارية تكاد تحرقها فوق المنصة،فمال رئيس المجلس إلى الأمام، وكأنما يطل عليها، وهو يقول، محاولاً دفعها إلى إلقاء ما لديها على مسامعهم:

- هل استبدل أحدهم أقراص الدواء، بنوع من السموم مثلاً؟!

أجابته فى سرعة متوترة:

- مطلقاً.. لقد قمت بتحليل أقراص الدواء فى العلبة، ووجدتها كلها سليمة، ومن غير المنطقى أن يدس أحدهم قرصاً ساماً، فى علبة دواء، يحملها النائب فى جيبه طوال الوقت، ثم كيف له أن يتوقّع أى قرص سيتناوله منها بالتحدبد؟!...

هتف المتشاجر فى غضب:

- أظننا قد بلغنا مرحلة سخيفة، لا يصح بعدها أن نواصل الاستماع إلى...

قاطعته (نهير) مندفعة، دون أن تراعى قواعد اللياقة:

- لقد قتلته سترات السيلدينافيل.

ظهرت الدهشة على وجوههم جميعاً، وقال رئيس المجلس فى حدة:

- لقد فسرت اللغز بمعضلة.

تابعت، وكأنها لم تسمع التعليق:

- أحدهم سحق عدة أقراص، من سترات السيلدينافيل، وأضافها خفية، إلى علبة المياه الغازية، التى كان يشربها النائب، وعندما تناول قرص النترات، تفاعل مع السترات، فتمدَّدت أوعيته الدموية على نحو فائق، ولقى مصرعه بهبوط حاد فى الدورة الدموية فوراً.

تبادل الكل نظرات متوترة مندهشة، ونهض أحد النواب، يقول فى اعتراض:

- ومن منا عبقرى كيميائى أو دوائى، بحيث يمكنه الحصول على تلك السترات المزعومة؟! ... أم أنك توجهين الاتهام إلى أصحاب المهن الطبية منا ؟!..

أجابته الدكتورة (نهير) فى حسم:

- الحصول علي عدة أقراص، من سترات السيلدينافيل،لا يمثل معضلة على الإطلاق؛ لأنها متوافرةة فى كل الصيدليات تقريباً، بعد إباحة تداولها،ومعروفة باسم..

بترت عبارتها دفعة واحدة، وحملت ملامحها توتراً أكثر، وعيناها تدوران فى كل الوجوه فى عصبية، قبل أن تكمل، مشيحة بوجهها:

- الفياجرا.

دوت الكلمة فى القاعة كقنبلة، تردَّد صداها فى ذهول مستنكر، ارتسم على كل الوجوه، وشعرت معها (نهير) بخجل شديد، وكأن الحاضرين كلهم يربطون بين تلك الأقراص، ذات المفعول الجنسى، وأنوثتها الواضحة المشرقة، وخاصة عندما ساد عقبها صمت رهيب، والعيون كلها تحدق فيها ..

وبكل ارتباكها وتوترها، تابعت فى عصبية:

- أى شخص، يقرأ نشرة الاستخدام، داخل علبة من علب الفياجرا، سيجد تحذيراً واضحاً من عدم تناولها مع أدوية القلب، وبالذات تلك التى تعتمد على النترات، والشخص الذى قتل النائب (مازن)، كان يعلم أنه سينفعل حتماً أثناء الاستجواب، وأن البعض سيسعى لاستفزازه، وإثارة المزيد من توتره وانفعاله، وسيتناول حتماً أحد أقراص النترات كالمعتاد، لذا، فقد دس له أقراص الفياجرا المسحوقة، فى علبة المياة الغازية، وساعدت المادة السكرية، فى المياه الغازية، على سرعة امتصاص المادة الفعَّالة، حيث تفاعلت مع قرص النترات، بعد قليل من تناوله، واشتركت معه فى مضاعفة توسيع الشرايين، لتنهار الدورة الدموية كلها دفعة واحدة.

ساد وجوم شديد فى القاعة، وتطلَّع الكل إلى بعضهم البعض، غير مصدقين ما سمعوه، أو غير مستوعبين للأمر، قبل أن ينهض أحد النواب، قائلاً:

- ولماذا لا تفترضين أن المرحوم (مازن) قد تناول الفياجرا بإرادته، دون أن يدرك تأثيرها على قلبه، أو تفاعلها مع ما يتناوله من أدوية؟!

أجابته فى سرعة:

- لو أنه فعلها، لتناول قرصاً واحدة، أو حتى قرصين؛ ففى مثل عمره، لا يمكن أن يجازف بأكثر من هذا، ولكن الكمية التى بقيت فى علبة المياه الغازية وحدها، تساوى ثلاثة أقراص على الأقل، ومع اتصالى بالطبيب الشرعى، الذى فحص الجثة، علمت أن دمه يحوى مايقرب من ستة أقراص أخرى، ولا يمكنه أن يتناول كل هذه الكمية بإرادته، إلا إذا...

بترت عبارتها دفعة واحدة، فاندفع النائب النحيل، يقول فى عصبية:

  - هل تحاولين الإشارة، إلى أن زميلنا المحترم قد انتحر بإرادته؟!..

قالت فى سرعة:

  - لقد درست هذا الحتمال، ووجدت أنه، لو أراد النتحار، لما احتاج إلى سحق الأقراص، وإحضارها إلى المجلس، فى ورقة خاصة، ولما حاول التخلص من تلك الورقة، ودفعها بقدمه بعيداً، كما اتضح لى من فحصها... كان سيفعل هذا فى منزله وحده، ويترك خلفه رسالة النتحار.. أو لم يكن ليهتم أو ينفعل بشأن استجواب، لن يحيا حتى لمتابعته.

هتف أحدهم:

- ربما كان...

أدرك، قبل أن ينطق عبارته، أنها تتنافى مع المنطق السليم، فتراجع على نحو ملحوظ، وهو يتمتم:

- ومن يرغب فى قتله؟!.. ولماذا؟!

بدت عصبيتها واضحة فى صوتها، وهى تقول:

- لست أدرى لماذا، ولكننى أعرف من كانت لديه الفرصة لدس أقراص الفياجرا المسحوقة فى علبته.

اشرأبت الأعناق كلها نحوها فى تساؤل، حوَّله رئيس المجلس إلى سؤال مباشر:

- من يا دكتورة؟!

تردَّدت طويلاً هذه المرة، وهى تستعيد كلمات مساعدها (عزت)، وحديثه عن السياسة وتعقيداتها، ثم لم تلبث أن أشارت بسبَّابتها إلى المتشاجر، والهامس والنحيل، قائلة:

- هذا، وهذا، وذاك.

انتفض النواب الثلاثة فى غضب، وصاح المتشاجر فى ثورة:

- هذه المرأة تجاوزت حدودها.. نحن نواب تتمتع بالحصانة، وليس من حق أحد اتهامنا، على هذا النحو.

وهتف النحيل فى حدة:

- هذا لم يحدث قط، فى تاريخ المجلس كله.

أجابه رئيس المجلس فى صرامة:

- وموقفنا الحالى لم يحدث أيضاً، فى تاريخ المجلس، منذ إنشائه.

صاح الهامس فى غضب شديد، وهو يشير إلى (نهير) بسبَّابته متوعداً:

- حاكموا هذه المرأة، التى تلقى اتهاماتها جزافا، قبل أن نصبح جميعنا متهمينً.

هتفت (نهير)، مدافعة عن نفسها، وقد بدا لها أن النواب يوشكون على الفتك بها، من شدة غضبهم:

- أقراص الفياجرا المسحوقة لم تكن فى العلبة فقط، وإنما كانت بقاياها فى ورقة، ملقاة أسفل النائب القتيل أيضاً، مما يشير إلى أن أحدهم دسَّها ف علبة النائب، أثناء الجلسة نفسها، ولقد تابعت الموقف طوال الوقت، من الشرفة، ولم أر أحداً يقترب من النائب سوى ثلاثتكم.

تعالت أصوات الغضب والاحتجاج فى القاعة، فنهض رئيس المجلس، وقال فى حزم:

- اصطحبينى إلى مكتبى، يا دكتورة (نهير).

أسرعت تلحق به؛ للفرار من هذا الموقف كله، فى حين استدار هو إلى النواب، قائلاً:

- ولن يغادر أحدكم القاعة، قبل أن ننتهى.

تركهم يتجادلون حول الموقف فى غضب واستنكار، وأحدهم يحاول جمع بعض التوقيعات على عريضة كبيرة؛ لطلب إلغاء ما يحدث، ونقل الأمر كله إلى سلطات التحقيق الرسمية، واصطحب هو (نهير) إلى مكتبه، وهناك واجهها فى صرامة:

- دكتورة (نهير).. لقد أثرت عاصفة من الغضب والتوتر فى القاعة، باتهام هؤلاء النواب الثلاثة، وهذا أمر لم يحدث، فى تاريخ المجلس... ولا حتى فى تاريخ المجالس النيابية كلها.

غمغمت مرتبكة:

- تصوَّرت أننى أقوم بواجبى.

هزَّ رأسه، قائلاً:

- الأمور لا تعالج هنا بهذا الأسلوب.. هناك قواعد ونظم، يتم تطبيقها فى الحياة العامة، وتتضاعف أكثر وأكثر، عندما يتعلَّق الأمر بالمجلس.

سألته منكمشة:

- أكان ينبغى أن أكتم ما لدى إذن؟!

صمت بضع لحظات، وهو يتطلَّع إليها بنظرة صارمة، ثم قال:

- كلا.

نطقها، وعاد خلف مكتبه، واستقر هناك صامتاً بضع لحظات، ليضيف:

- ولكن ينبغى أن تتعلمى، كيف تواجهين الأمر هنا، بأسلوب ديبلوماسى.

أومأت برأسها علامة الفهم، أو محاولة التظاهر بذلك، فتراجع فى مقعده، وشبَّك أصابع كفيه أمام وجهه، قبل أن يسألها فى اهتمام:

- أنت واثقة مما لديك.. أليس كذلك؟!

أومأت برأسها مرة أخرى، وغمغمت:

- لقد قمت بتحليل المادة بنفسى، و...

قاطعها فى حزم:

- أقصد فيما يتعلَّق بفرصة القتل.

ارتبكت مع سؤاله، وقالت فى حذر:

- لم أقصد اتهام شخص بعينه، ولكن...

لم تستطع إتمام عبارتها، فأومأ هو برأسه هذه المرة، وتنهَّد فى عمق، وقال:

- المشكلة أن ثلاثتهم من أعدى أعداء النائب (مازن) بالفعل، وكل منهم لديه سبب منطقى، للقضاء عليه، وإن لم أتخيَّل أن يصل الأمر بهم إلى القتل.

قالت فى حذر أكثر:

- من قتله، لم يكن يتوقَّع انكشاف أمره قط، بل ربما تصوّر أن الأمور ستسير بسرعة أكثر، عندما تحدث الوفاة فى المكتب، وأن الفقيد سيوارى التراب فى سرعة، ودون الدخول فى تعقيدات، أو خوض إجراءات، قد تكشف أمره..

قلب كفه، قائلاً بصوته الفخم:

- ما من قاتل يتوقَّع أن ينكشف أمره أبداً، لقد عملت بالمحاماة فترة كافية، لاستيعاب هذا الأمر تماماً، ولكن الموقف هنا له حساسية خاصة.

تمتمت:

- أعلم هذا.

تنهَّد مرة أخرى، وقال:

- ربما لو فحصنا البصمات على العلبة، فقد..

قاطعته، دون أن تنتبه إلى تعارض هذا، مع أبسط قواعد الذوق واللياقة:

- لقد فعلت.

اعتدل فى انتباه، وانتبهت إلى تجاوزها، فاحتقن وجهها خجلاً، وتابعت:

- لم تكن هناك أية بصمات، مما يوحى بأن أحدهم مسحها فى عناية، أثناء انشغال الكل بمصرع النائب.

سألها رئيس المجلس فى دهشة:

- ولا حتى بصمات (مازن) نفسه؟!

هزَّت رأسها نفياً، وأجابت:

- لم تكن هناك بصمة واحدة.

ثم أضافت فى حسم:

- وهذا دليل آخر، على أنها جريمة قتل متعمَّدة؛ فلو أنه أمر طبيعى، لبقيت بصمات النائب نفسه على الأقل.

أجابها فى صرامة:

- فى حكم القانون، يعتبر هذا قرينة، وليس دليلاًٍ.

هزَّت كتفيها، متمتمة فى عصبية:

- فليكن.

تأمَّلها رئيس المجلس بضع لحظات أخرى، ثم نهض من خلف مكتبه، واتجه إليها، قائلاً:

- تدركين بالطبع مدى حساسية هذا الأمر وخطورته، وتأثيره المباشر على هيبة وكرامة الدولة.

قالت فى دهشة مستنكرة:

- هيبة وكرامة الدولة؟!.. وما صلة هذا بهيبة وكرامة الدولة؟!.. إنها جريمة قتل، أياً كانت هوية القاتل أو الضحية.

هزَّ رأسه نفياً فى حزم، وقال:

- قولك هذا يعنى أنك لا تفقهين شيئاً، بشأن هيبة الدولة وكرامتها.. إننا نتحدَّث عن مجلس نيابى تشريعى، له مكانته واحترامه، وهو أعلى سلطة، فى البلاد كلها، بحكم القانون والدستور، فماذا لو أشيع أن أحد أعضائه ارتكب جريمة قتل.. ألا ينتقص هذا من هيبة المجلس، ومن هيبة الدولة بالتالى؟!

أجابته، وهى تعقد حاجبيها فى توتر:

- ما أعرفه عن هيبة الدولة، هو أنه لو سرقت فاطمة بنت محمد، صلى الله عليه وسلم، لقطعت يدها.. الهيبة هى أن يتساوى الكل أمام القانون، أياً كانت مناصبهم أو هوياتهم.

أشاح بوجهه، قائلاً فى حدة:

- ربما بالنسبة للعامة من أمثالك، وليس بالنسبة لرجال السياسة.

قالت معترضة:

- ولكن فى الدول الديمقراطية...

قاطعها بمنتهى الصرامة:

- لا شأن لنا بغيرنا.

ثم اعتدل يواجهها، وشبَّك كفيه خلف ظهره فى قوة، متابعاً، بلهجة بدت أقرب إلى الوعيد:

- المهم أننا فى موقف خاص جداً، ولدى أوامر عليا، بحله داخل جدران المجلس فقط، وما أطلبه منك الآن هو ألا يتجاوز الأمر هذه القبة.. هل تقسمين على هذا؟!

تردَّدت (نهير)، فاستدرك فى قسوة:

- فوراً.

صمتت (نهير) بضع لحظات، ثم تنهدت فى استسلام، قائلة:

- لن تكون هناك سلطة تفوق مجلسكم.

قال فى غضب:

- لست أتحدَّث عن أية سلطة، بل عن الصحافة والإعلام بالتحديد.

هزَّت رأسها، قائلة:

- لا شأن لى بهما فى المعتاد.

وصمتت لحظة، ثم اضافت فى خفوت:

  - ثم أنهما لم تعد لهما سلطة فعلياً.

التقى حاجباه، وهو يسألها فى صرامة:

   - ماذا تعنين؟!..

أجابته فى سرعة:

   - أقول أننى لن أبغهما.

قال بمنتهى الحزم:

- عظيم.

ثم عاد إلى مكتبه، وهو يتابع:

- فى هذه الحالة، سيظل ما تعرفينه هنا طى الكتمان، مهما بلغت خطورته، وتسرب الأنباء إلى الصحافة، يسعنى تورطك.

تمتمت فى ضيق:

- مفهوم.

جلس خلف مكتبه، والتقط سمَّاعة هاتف داخلى، وقال:

- أريد ملفات ثلاثة من النواب.

ألقى اسم النحيل، والهامس، والمتشاجر ثم أعاد سمَّاعة الهاتف، قائلاً:

- ستجدين فى تلك الملفات، كل ما يتعلَّق بصراعات النواب الثلاثة، مع (مازن) رحمه الله، ربما ساعدك على تقليص الاتهام بدليل مباشر.

غمغمت:

- إنها قرائن فحسب.

لم يحاول التعليق على عبارتها، وإنما نهض مرة أخرى، وقال:

- وأمامك ساعة إضافية، وبعدها..

سألته فى قلق:

- وبعدها ماذا؟!

رمقها بنظرة نارية، وهو يجيب:

- بعدها سأغلق باب المناقشة، فى هذا الأمر كله.

تمتمت فى خفوت هامس:

- أعلم هذا.. موافقون.. موافقة.

مال رئيس المجلس نحوها؛ لأنه لم يسمعها جيداً، فاعتدلت، قائلة فى عصبية:

- سأبذل قصارى جهدى.

أشار بسبَّابته، قائلاً فى صرامة:

- وخلال ساعة واحدة.

قالها، وغادر المكان، ليتركها وحدها فى مكتبه، وقبل حتى أن تتخذ مقعداً، دخل أحد رجال الأمن، حاملاً ملفات النواب الثلاثة، ووضعها أمامه، ثم جذب مقعداً، وجلس عند الباب، يراقبها فى صمت..

وبكل عصبيتها، راحت هى تتصفَّح الملفات، بحثاً عن أية قرينة، تشير إلى القاتل..

ويالهول ما قرأته..

الثلاثة كانوا غارقين فى الفساد حتى النخاع، ومصالحهم كلها تتعارض بشدة، مع مصالح النائب الصريع..

وأكثر ما أدهشها فى الأمر، هو أن ملفاتهم، التى وضعها المجلس أمامها، تفوح برائحة فساد تزكم الأنوف، وعلى الرغم من هذا، فالملفات نفسها تؤكِّد أن أحداً لم يوِّجه إليهم اتهاماً واحداً، فيما عدا (مازن)، الذى قدَّم أكثر من شكوى بشأن ثلاثتهم، للجهاز المركزى للمحاسبات..

كل منهم كان لديه الدفاع القوى، والفرصة لدس أقراص الفياجرا المسحوقة، فى علبة المياه الغازية..

ولكن من منهم فعلها؟!.. من؟!...

أزاحت الملفات جانباً، وراحت تستعيد كل ما حدث، منذ اللحظة الأولى، وهى توقن من أنها ستجد الدليل، فى مسرح الجريمة نفسه، و...

وفجأة، توقَّفت لقطة بعينها فى ذاكرتها، وتألَّقت معها عيناها على نحو واضح، حتى أن رجل الأمن نهض من مقعده، وبدا عليه التوتر والتساؤل والحذر..

ولكنها لم تشعر حتى بوجوده..

فقد انتبهت إلى نقطة غابت عن أذهان الجميع..

نقطة هامة.. للغاية.

 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (9 منشور)

avatar
loaaie 12/11/2012 02:26:41
....وهنا يبدأ التشويق
avatar
آلاء 29/01/2013 12:02:25
قصة رائعة وكالعادة الروعة منك يا دكتور فى انتظار المزيد من النجاح دائما
avatar
menna 04/03/2014 06:55:38
بيطلب منها عدم ابلاغ الاعلام مع ان الاعلام بيصور الاجتماعات في العادة و لو ده مكتوب ايام مبارك فكانت بتتصور برضو حتي لو مشافهاش الناس حتي كانو بيلعبو اتاري في المجلس :D
avatar
Igor 02/08/2014 23:39:06
It's great to find soeomne so on the ball
avatar
Qasim 03/08/2014 09:37:58
Cool! That's a clever way of lonkoig at it!
avatar
Guilherme 04/08/2014 14:07:23
What a joy to find such clear <a href="http://irznrfsy.com">thniknig.</a> Thanks for posting!
avatar
Jayson 04/08/2014 14:22:37
Back in school, I'm doing so much <a href="http://eqhostnue.com">legninra.</a>
avatar
Sevgi 06/08/2014 16:26:35
Could you write about <a href="http://fmflij.com">Phyciss</a> so I can pass Science class?
avatar
Gustavo 06/08/2014 16:42:29
That's a posting full of <a href="http://wphxtniuixf.com">insithg!</a>
المجموع: 9 | عرض: 1 - 9

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال