الفصل الأول

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفصل الأول

انطلقت زفرة عصبية ملتهبة، من أعمق أعماق صدر الدكتورة (نهير)، وهى تعبر مع زميلها (عزت)، تلك البوَّابة المعدنية الكبيرة لمجلس الشعب، وراحت تتلفَّت حولها فى توتر بلغ منتهاه، حتى أن (عزت) أطلق ضحكة مرحة، وهو يقول: 

- اهدأى دكتورة.. آلاف يتمنون عبور هذه البوَّابة، ويحلمون بدخول المجلس، ولو لحظة واحدة.

أجابته فى عصبية، وهى تقدِّم أوراقها لموظف الأمن:

- يتمنون الحصول على الحصانة، أو الاحتماء من القانون، تحت القبة، وليس الحضور للاستجواب مثلنا.

ارتفع حاجباه فى دهشة، وهو يقول فى خفوت، خشية أن يسمعه أحد رجال الأمن:

- لسنا هنا لحضور استجواب يا دكتورة.. إنها مجرد جلسة استماع.

غمغمت محنقة:

- لست أدرى حتى ما الفارق.

انتقلت إليه عدوى التلفت حوله، وهو يهمس:

- فارق كبير جداً.. سنجلس فى الشرفة معظم الوقت، حتى تحين لحظة مناقشة القصور، فى الإجراءات الجنائية الطبية، لنلقى ما لدينا، وننصرف فى سلام.

هزَّت كتفيها، متمتمة فى سخط:

- لست أظن الدخول هنا كالخروج.

حاول أن يبتسم، وهو يهمس فى عصبية:

- هذا ليس حماماً.

مطت شفتيها، قائلة بصوت مرتفع نسبياً، وكأنما لا تخشى أن يسمعها أحد:

- ربما بالنسبة إليك.

تمنى لحظتها أن تنشق الأرض وتبتلعه، ولكنه لاذ بالصمت التام، ورجل الأمن يصبحهما إلى الشرفة، ويجلسهما وسط رجال الصحافة، وما أن ابتعد، حتى همس (عزت):

- سيحين دورنا، بعد الاستجواب المقدَّم ضد وزير الثقافة مباشرة.

سألته هامسة:

- من قدَّمه.

أشار إلى رجل بدين، يجلس فى الصف الثالث، من منتصف القاعة، وهمس بدوره:

- النائب مازن مسعود.. صاحب أكبر عدد من الاستجوابات دوماً.

مطَّت شفتيها، وهى تقول، فى شئ من الامتعاض:

- نصف استجواباته بلا قيمة.. كل ما يعنيه هو أن يشير إليها الإعلام، ويذكر اسمه فى كل منها.

وافقها على قولها، وأضاف:

- ويقدم كل استجواب فى انفعال شديد.

غمغمت:

- هذا جزء من اللعبة.

كان يرغب فى مواصلة حديثه معها، لولا أن بدأت الجلسة، وتحدَّث رئيس المجلس على نحو موجز، ثم فتح الباب للاستجوابات المقدَّمة، ضد عدد من الوزراء..

وكما توقَّعت (نهير) تماماً، اندفع النائب (مازن) يتحدَّث فى انفعال شديد مبالغ، حول ما وصفه بأنه تجاوز أخلاقى شديد، حدث فى واحدة من مسرحيات القطاع الخاص، ونهض وزير الثقافة يدافع عن الموقف، ويحاول تبريره، والتستر على كل الأخطاء كالمعتاد، فانفعال (مازن) أكثر، وارتفع صوته كثيراً، وراح يلوِّح بذراعيه فى عنف، فمال (عزت) على أذن (نهير)، هامساً:

- هل ترين ذلك النائب النحيل، الذى يجلس إلى جوار (مازن) مباشرة؟!.. أراهنك أنه سيعترض على موقفه الآن، ويتخذ جانب وزارة الثقافة.

سألته فى دهشة:

- ولماذا توقعت هذا؟!

أجابها فى همس أكثر خفوتاً:

- إنه خصم لدود لمازن، ويهوى استفزازه فى كل جلسة.

غمغمت مندهشة:

- حقاً.

جذب هذا الأمر انتباهها بشدة، فراحت تراقب الموقف فى إمعان، وعقلها يدرس كل خطوة، بطبيعته التحليلية، التى طالما أرهقتها..

كان (مازن) شديد الانفعال، فى حين جلس جاره النحيل هادئاً، ينظر إليه بين لحظة وأخرى، فى اهتمام واضح، ثم لا يلبث أن يشيح بوجهه عنه، وكأنما لا يرتاح لرؤيته..

ووسط الجالسين، سار عامل بسيط، يقدِّم لكل نائب علبة من علب المياه الغازية، وتحرَّك نائب آخر، فهمس فى أذن (مازن)، ثم تراجع إلى مقعده، وراح يتبادل حديثاً خافتاً مع جاره، بدا من الواضح معه أنهما يسخران من الرجل، الذى تضاعف انفعاله، وراح يلوِّح بذراعيه فى حدة أكثر، فنهض نائب آخر، وربَّت على كتفه، ولكن (مازن) دفعه بحركة حادة، وارتفع صوته، وهو يصيح به:

- لست أسمح لك حتى بإبداء رأيك.. أنت نائب فاسد، ورائحة فسادك تزكم الأنوف.

احتقن وجه ذلك النائب، وصاح به:

- ليس من حقك توجيه اتهامات عشوائية.. اعط دليلاً واحداً على ما تقول، وإلا فضع لسانك داخل فمك.

هتف به (مازن) متحدياً:

- وماذا لو لم أفعل؟!

صرخ فيه النائب، وهو ينقض عليه:

- سأقطعه.

كاد الاثنان يشتبكان، وكلاهما يوِّجه عبارات جارحة للآخر، فاندفع بعض النوّاب، يحولون بينهما، واتسعت عينا (نهير) عن آخرهما فى الشرفة، وهى تقول:

- رباه!.. أمن الممكن أن يحدث هذا هنا!.. فى مجلس الشعب؟!

أجابها (عزت) فى عصبية:

- إنه تجاوز غير معتاد، ولكنهم سينهون الموقف بسرعة حتماً.

كان النوّاب قد فصلوا الرجلين عن بعضهما البعض بالكاد، وعاد كل منهما إلى مقعده، دون أن تهدأ ثورتهما، وبكل انفعاله، أخرج (مازن) علبة دواء من جيبه، التقط منها قرصاً، وألقاه فى فمه، ورئيس المجلس يوجِّه اللوم للنائبين، على ما بدر منهما من تجاوز، ويؤكِّد أن هذا لا يتفق مع طبيعة النواب الوقورة، ولا طبيعة المجلس نفسه، وأنه لن يسمح بمثل هذا التجاوز مرة أخرى، و...

وفجأة، نهض (مازن) واقفاً، وبدا وجهه شديد الاحتقان، واتسعت عيناه عن آخرهما، وانطلقت من حلقه حشرجة عجيبة، جعلت (نهير) تهب من مقعدها، فى نفس اللحظة التى حاول فيها النائب النحيل أن يسنده، وهو يهتف:

- إسعاف.. سيارة إسعاف بسرعة.

وقبل حتى أن يكتمل هتافه، سقط (مازن) بين ذراعيه، فعجز عن تحمُّل ثقله، وتهاوى الاثنان أرضاً..

وبكل توتر الدنيا، هتفت (نهير):

- أنا طبيبة.. أفسحوا لى المجال.. أنا طبيبة.

كانت هناك حالة من الهرج والمرج فى المجلس، ورجال الأمن يتحركون فى عصبية واضحة، فضاع صوتها وسط كل هذا، وجذبها (عزت) فى عصبية، قائلاً:

- اجلسى.. المجلس به طاقم إسعاف طبى خاص به.. لا شأن لنا بما يحدث هنا.

تملَّصت منه، وهى تندفع نحو الباب، هاتفة:

- ولكنه واجبنا.

اعترض أحد رجال الأمن طريقها بحركة حادة، وهو يقول فى غلظة وخشونة:

- عودى إلى مقعدك.

أبرزت التصريح، الذى يحمل اسمها ومهنتها، وهى تهتف:

- أنا طبيبة.

كرَّر فى خشونة أكثر:

- عودى إلى مقعدك.

تضاعفت عصبيتها، وهى تحاول إيجاد وسيلة منطقية، للتفاهم مع رجل أمن، لا مجال لديه للنقاش أو المنطق، وقبل أن تتوصَّل إلى وسيلة ما، سمعت من يهتف فى ذعر، من قاعة المجلس:

- لقد.. لقد مات.

اتسعت عيناها عن آخرهما، وتجمَّد الموقف كله دفعة واحدة، حتى بدا أشبه بلوحة صامتة، تعبِّر عن مأساة جماعية مباغتة، مع ملامح الذعر والذهول على الوجوه، قبل أن يقطعها صوت رئيس المجلس، وهو يقول فى عصبية:

- أين طاقم الإسعاف؟!

وهنا صاحت (نهير) من الشرفة:

- أنا طبيبة.

بدت صيحتها شديدة الوضوح، وسط الصمت الوجوم، الذى ساد المكان، فهتف رئيس المجلس فى حدة:

- أحضروا هذه الطبيبة.

لم يكد هتافه يبلغ مسامعها، حتى تحرَّكت الأمور فى سرعة مدهشة، ففى الوقت الذى انكمش فيه (عزت) فى مقعده، وجدت هى من يدفعها أمامه فى غلظة، لتصل إلى القاعة، ويضعونها أمام النائب الذى لقى ربه مباشرة..

وعلى الرغم من ثقتهم فى أنه قد مات بالفعل، تعلَّقت العيون كلها بها فى أمل وهى تفحصه فى سرعة..

هى أيضاً كانت تعلم أنه قد مات، إلا أن هذا لم يكن الشئ الوحيد الذى تفحصه، فقد فتشت جيوبه فى سرعة، وأخرجت بطرفى سبَّابتها وإبهامها علبة الدواء، التى تناول منها قرصاً، قبل مصرعه مباشرة، وألقت نظرة سريعة عليها، ثم تلفَّت حولها فى توتر، قبل أن يسألها رئيس المجلس:

- أهناك أمل؟!.. أم أنه..

أجابته فى سرعة:

- لقد مات.

غمغم النائب النحيل فى حدة:

- وماذا أضفت من جديد؟!

رفعت عينيها إليه، وقالت فى حزم، لا يتناسب مع أنوثتها:

- ليست ميتة عادية.

حدَّق الكل فيها، فى تساؤل مندهش، فشدَّت قامتها، فى محاولة للتماسك أمامهم، وهى تضيف:

- لقد قُتِلَ.

وانفجرت عبارتها كقنبلة وسط قاعة المجلس..

قنبلة من الذهول..

كل الذهول..

*     *     *

عقد رئيس مجلس الشعب كفيه خلف ظهره، وهو يتحرَّك فى فراغ مكتبه، فى عصبية شديدة، قبل أن يتوقَّف فجأة، ويرمق الدكتورة (نهير) بنظرة قاسية غاضبة، قائلاً:

- هل تدركين ماذا فعلت الآن؟!

أجابته متوترة:

- وماذا فعلت؟!

هتف ثائراً:

- أثرت بلبلة عنيفة، فى المجلس كله، وأمام جموع الصحفيين، دون أدنى إحساس بالمسئولية.. حتى اللفظ المستخدم، ليس مناسباً على الإطلاق.. كل ما يحق لك قوله، هو أنه ربما تكون هناك شبهة جنائية فى الموقف، لا أن تعلنى، بكل الثقة والوضوح، أنها جريمة قتل.

أجابته فى حزم:

- ولكنها كذلك؟!

صاح بها:

- ليس من حقك الجزم بهذا.. هناك إجراءات، ونظم، وخطوات قانونية وحتمية، قبل إعلان هذه النتيجة.

كان يتوقَّع منها تراجعاً مذعوراً، إلا أنه فوجئ بها تجيب بنفس الحزم الواثق:

-                           ربما يستخدم رجل الأمن، أو الطبيب الأوَّلى، عبارة الشبهة الجنائية يا سيِّدى، ولكننى طبيبة شرعية رسمية، وخبيرة بوزارة العدل، وحاصلة من الولايات المتحدة الأمريكية على شهادة الدكتوراه، فى فحص مسرح الجريمة، ومن إنجلترا على دكتوراه ثانية، فى الطب الشرعى والسموم، أضف إلى هذا أننى أحمل شهادتى بكالوريوس واحدة من كلية العلوم، وأخرى من كلية الطب، ثم أننى أستطيع إثبات ما قلت فوراً.

 وصمتت بحظة، ثم استدركت فى عصبية:

        - وبأسلوب علمى محض. 

تطلَّع إليها رئيس المجلس فى دهشة، وهو يقول:

- حصلت على كل هذا، فى هذه السن؟!

قالت، وقد تسلَّل التوتر إليها لأوَّل مرة:

- كنت دوماً طالبة متفوِّقة.

رمقها رئيس المجلس بنظرة طويلة، ثم عاد يتحرَّك فى فراغ حجرته، قبل أن يسألها فى حزم:

- تقولين: إنك تستطيعين إثبات كل هذا.

كرَّرت، مستعيدة حزمها:

- وفوراً.

أضاف فى خشونة:

  - وبأدلة علمية مقنعة؟!.

أشارت برأسها إيجاباً، وغمغمغمت فى حذر:

  - وسأوقع شهادة رسمية بها أيضاً.

أومأ برأسه لحظات، ثم التقط سمَّاعة هاتفه، وقال فى صرامة:

- أخرجوا كل الصحفيين من القاعة، وليبق النوَّاب فى المكان، حتى ينحسم هذا الأمر.

وأعاد سمَّاعة الهاتف، مستطرداً، وهو يرفع عينيه إليها، بنظرة وعيد صارمة:

- فليكن.. سنحسم الأمر الآن.

مرة أخرى، وجدتهم يقودونها إلى القاعة، بعد أن أخلوا الشرفة من جميع الإعلاميين والصحفيين، الذين اجتمع بهم رئيس المجلس، ومسئول الأمن، وحذراهم من نشر كلمة واحدة عن الأمر، ودفعوها إلى حيث ما زالت ترقد جثة النائب (مازن)، وقال رئيس المجلس فى غلظة:

- هيا.. هاتى ما لديك.

التقطت (نهير) نفساً عميقاً، وقالت:

- سيادة النائب مات بهبوط حاد فى الدورة الدموية، على الرغم من تناوله قرصاً من مادة النترات، التى تعالج ذبحة صدرية يعانى منها، وتبدو واضحة فى شكل قفصه الصدرى، وحمله هذا الدواء طوال الوقت.

غمغم النائب، الذى تشاجر مع (مازن):

- هذا لا يثبت حدوث جريمة قتل.

أومأت برأسها إيجاباً، وقالت:

- ربما يثبتها هذا.

أشارت إلى ورقة ملقاة أرضاً، وعليها بقايا مسحوق أزرق اللون، فتطلَّع إليها رئيس المجلس فى دهشة، وهو يقول فى عصبية:

- وما هذا بالضبط؟!

أجابته فى سرعة:

- لا يمكننى معرفة ماهيته، دون فحص وتحليل كامل، ولكن يمكننى مقارنته بتلك الذرات، الملتصقة بطرف علبة المياه الغازية، والتى تشير إلى أن أحدهم قد دس ذلك المسحوق، فى علبة النائب (مازن)، الذى شرب المياه الغازية، دون أن يلاحظ هذا، فلقى مصرعه.

هتف رئيس المجلس:

- إذن فهذا سم؟!

هزَّت رأسها، قائلة:

- لم أفحصه بعد.

تبادل النوَّاب كلهم نظرة متوترة، ونهض النائب، الذى همس فى أذن (مازن):

- لن نقبل هذه الاتهامات دون دليل.

اندفعت تقول فى صرامة:

- يمكننى حسم الدليل خلال ساعة واحدة، لو قمت بفحص علبة المياه الغازية، وذلك المسحوق.

قال رئيس المجلس فى انفعال:

- وسيتم هذا فوراً.. ستحصلين على كل الإمكانيات اللازمة، وستوضع كل إمكانيات المعمل الجنائى تحت تصرفك.

ثم التفت إلى النواب، مضيفاً بكل صرامة:

- ولن يغادر أحد هذه القاعة، حتى ينحسم الأمر.

هتف النائب النحيل فى حدة:

- أبلغوا الشرطة، ولكن لا تحبسونا هنا، حتى...

قاطعه رئيس المجلس، بزمجرة صارمة:

- سيبقى الكل..

ثم عاد يلتفت إلى (نهير)، قائلاً:

- المعمل الجنائى على بُعد أمتار من هنا.. وأمامك ساعة واحدة، إما أن تثبتى حدوث القتل، أو...

لم يحاول إتمام تهديده، ولم تحاول هى حتى أن تسمعه، فقط حملت علبة المياه الغازية فى كيس من النايلون، وتلك الورقة، مع المسحوق الأزرق فى كيس آخر، وحملتها سيارة من سيارات المجلس، إلى مبنى المعمل الجنائى، ومعها مساعدها الدكتور (عزت)..

كان مكتب الطبيب الشرعى ينقل جثة النائب القتيل، والكل فى المجلس يشعر بتوتر بالغ، أما هى ومساعدها، فقد استقبلهما رجال المعمل الجنائى ببرود مستفز، وأبدوا عدم ارتياحهم وتعاونهم من اللحظة الأولى، ولولا الأمر الذى تلقوه من وزير الداخلية شخصياً، لما سمحوا لها حتى باستخدام أجهزتهم، التى بدت لها متأخرة بجيلين على الأقل، عن الأجهزة الحديثة، التى كانت تعمل عليها، أثناء فترة الدراسة لنيل شهادة الدكتوراة ..

أما مساعدها (عزت) فلم يكد ينفرد بها، وهى تجرى اختباراتها على المسحوق، حتى همس فى عصبية، وهو يتلفَّت حوله، على نحو مبالغ:

- ماذا فعلت يا دكتورة؟!.. لماذا ورطتنا فى هذا الأمر؟!

أجابته، دون أن تلتفت إليه:

- لولا ما فعلت؛ لمرَّ الأمر، دون أن ينتبه إليه أحد.

هتف محنقاً، وهو يواصل الحفاظ على انخفاض صوته:

- وما لنا نحن بهذا الأمر؟!.. لسنا حتى أعضاءً فى المجلس.. إننا مجرد مدعوين إلى جلسة استماع، أم أنك قد نسيت هذا.

لم يبد أنها قد سمعته، وهى منهمكة فى إفراغ بقايا المسحوق الأزرق، فى أنبوب اختبار، حملته فى حرص، إلى جهاز الطرد المركزى، فواصل هو فى حدة، وحنق متضاعف:

-                           لقد دسست أنفك فى شئون سياسية، دون أى مبرِّر.. هل تتصوَّرين أنهم سيكافئونك، لو كشفت حقيقة الأمر؟!.. لو أن هذا ما يدور بخلدك، فأنت ساذجة واهمة، ولا تفهمين شيئاً مما يدور فى بلدنا هذه الأيام... الحكومة لا تكافئ أبداً... إنها تعاقب فقط.. ليس لديها أدنى إحساس بأنه ينبغى عليها أن تكافئ مواطناً واحداً، حتى لو أفنى حياته كلها من أجلها... إنها تشعر دوماً شعور السادة تجاه العبيد ... العبد من الطبيعى أن يخدم السيد، وألا ينتظر أى مقابل لهذا ... إنه مجرد عبد... وسترين إنهما لن يسمحوا قط بكشف أخطاء المجلس.. بل ربما يتسترون على الأمر كله، لو ثبت أن القاتل هو أحد نواب الحكومة.. إننا لسنا فى أوروبا أو أمريكا .. الأمور هنا تسير على نحو مختلف.

قالت فى توتر:

-                           إنها وجهة نظرك.

 أطلق ضحكة عصبية خافتة، وهتف:

       _ يبدو أنك أنت تعيشين فى عام يختلف عن الذى نعيش فيه نحن.. أفيقى يادكتورة .. أفيقى وانظرى إلى العالم الحقيقى ... العالم الذى تملكه دوماً أقلية حاكمة، ترى أنها الأحق بكل شئ، وأى شئ؛ بحجة أنها الساهرة على أمن البلد وأمانه... أقلية تستبح لنفسها كل شئ، وتحرم شعوبها من أدنى شئ... أقلية تعايرك طوال الوقت بما أنجزته، من أموالك زجهدك وعرقك ... أقلية تجعلك تشعرين فى بلدك، وكأنك مواطن غريب متسلل، لا يحمل تأشيرة إقامة، وليست له سفارة تحمية.. أقلية جعلتك تخشين رجال الشرطة وأقسامهم، المفترض منها حمايتك؛ لأنها أشبه بمنظمات إجرامية، بارعة فى مخالفة كل قانون.

قالت فى سخرية عصبية:

-                           لا تنس أننا هنا، وسط تلك الأقلية.

امتقع وجهه، وانكمش على نفسه، على نحو يثير الشفقة، وتلفّت حوله فى هلع، وكأنما يخشى أن يتقض عليه رجال الشرطة فجأة، من كل صوب، فأطلقت ضحكة باهتة، وتمتمت، منشغلة بعملها:

-                           اطمئن ... ليس لديهم وقت لنا، نحن أبناء الشعب العاديين ... إنهم منشغلون طوال الوقت، بحماية الكبار.

واستدركت فى سخرية:

-                           القلة.

مط شفتيه فى غضب، وقال وهو يعاونها:

-                           على أية حال، لا تنكرى يوماً أننى قد حذرتك.

هزّت كتفيها، قائلة:

-                           إنك تحذرنى طوال الوقت.

 قال فى حدة:

-                           وأنت لا تستمعين إلىّ قط.

عادت تهز كتفيها، قائلة:

-                           ليس هذا ممكناً .... إننا نختلف فى طبيعتنا تمام الاختلاف؛ فأنت شخصية حذرة، تميل للسير إلى جوار الحائط، وتجنب المتاعب والمشكلات، وأنا على العكس تماماً.

بدا غاضباً، على الرغم من محاولته كتمان هذا، وهو يقول:

-                           وسيلتى هى المثلى؛ للعيش فى هذا البلد ...... إما أن تقبلى بما يحدث فيه، وتسيرين صامتة مستسلمة، إلى جوار الحائط، أو ترفضين مايحدث، وستجدين ألف حائط؛ لتضربى رأسك فيهم.

رمقته فى دهشة مستنكرة:

-                           ياله من رأى متخاذل.

أجاب فى حدة:

   _ أو شديد الحكمة.

غمغمت فى صرامة، وهى تدير جهاز الطرد المركزى:

- على أى الأحوال، هذا ليس شأناً سياسياً.. إنه شأن جنائى بحت.

أطلق ضحكة ساخرة قصيرة، وقال فى حدة أكثر:

- هراء .. ما دام الأمر يدور تحت قبة المجلس، فلا فارق بين الحالتين .. أتتصوَّرين أن فساد أى وزير مثلاً، هو أمر جنائى بحت، من اختصاص النائب العام وحده؟!.. ياللسذاجة، فى بلدنا يعتبر كل ما يمس السادة أمراً سياسيا، حتى فسادهم، وانحرافاتهم، وأخطائهم الفادحة، التى ربما يذهب ضحيتها المئات .... صدقينى، لو أفنى مسئول كبير قرية كاملة، أو حتى نشر وباءاً فانياً، وحتى لو باع الهرم ذاته، سيعتبرون هذا شأناً سياسياًً.

غمغمت فى صوت شارد:

- خطأ.

قال فى عصبية:

- ربما فى مجتمعات أخرى، أما هنا، فكل شئ مرهون بإرادة الكبار.. مجتمع الخمسة فى المائة، الذى قامت الثورة للقضاء عليه، عاد مبرزاً أنيابه ومخالبه، والتهم كل ما فعلته الثورة، فى عقدين من الزمان، بل وربما تحوَّل إلى نصف فى المائة أيضاً.. على الأقل، كانت هناك صحافة قادرة على كشف الفساد قبل الثورة، ورأى عام يتفاعل معها، وحكومات تمتلك ذرات من حياء، لم يعدله وجود فى زمننا هذا، و...

قاطعته فى صرامة:

- كفى.. لم أكن أشير إلى كل هذا، عندما تحدثت عن الخطأ.

سألها مبهوتاً:

- أى خطأ تقصدين إذن؟!

أشارت (نهير) إلى مقياس الطيف أمامها، وهى تجيب فى حزم:

- هذا.

حدَّق فى المقياس، دون أن يفهم ما تعنيه، فاعتدلت هى، وأضافت بكل حسم:

- لقد عرفت كيف قتلوا النائب (مازن).

وارتفع حاجبا (عزت) فى دهشة..

بلا حدود.

 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (12 منشور)

avatar
أسامة عمر 22/09/2012 08:42:06
ألف مبروك افتااح الموقع أخيرا و تمنياتنا للمبدع د.نبيل فاروق بكل خير ..

ونشكر الدكتور على جهده لكل ما هو إسعاد لقرائه عبر أعوام طويلة صارت كتاباته و اسمه جزئاً لا يتجزا من حياتهم من المحيط إلى المحيط ..

نتمنى أن نرى فصلا واحدا من سلسلة الدكتور نبيل الجديدة حتى نتذوق متعة التشويق كما زمان

و نتمنى أن نرى الجديد دائما على صفحات الموقع بشكل لا ينقطع ..

و نتمنى الكثير و خصوصا لو يرجعنا الدكتور لأيام ادهم و نور عبر سلسلة الأعداد الخاصة .. الأيام القديمة جدا .. نتذوق عبيرها ..

لقد مر بنا الزمن و العمر و نشتاق خصوصا نحن قراء الدكتور من أكثر من 25 عاما ويزيد نتمنى عليه أن يهدينا هذه الأماني

و كل الشكر و التحية لدكتورنا الحبيب ..
avatar
dondonVangel 25/09/2012 03:16:30
أخيرًا الموقع فتح تاني ... مبروك يا دكتور نبيل
avatar
مصطفى المصري 18/10/2012 04:59:48
انت الاروع يا دكتور نبيل فاروق
انت اروع كاتب قرأت له
avatar
ابو خاطر 24/10/2012 21:02:15
هههههههههههههه ........ رواية جريمة فى مجلس الشعب وبعدها ستصدر رواية جريمة فى مجلس الشورى وبعدها رواية جريمة فى مجلس الوزراء وبعدها رواية جريمة فى المجالس القومية المتخصصة !!!!!!!
يبدو ان الدكتور لم يعد يجد شيئا يكتبه .................
رد راضي غير راضي
-5
Report as inappropriate
avatar
menna 05/03/2014 00:20:01
اه و الله عندك حق و التطويل الزايد جدا ده اكبر دليل علي كدة و لما تقرا ال3 فصول هتعرف ان مفيش اي احداث انا ممكن اختصرهم في 3 كلمات بالظبط و مفيش اثارة حتي بصراحة و اصلا مفيش رواية من 3 فصول كدة هوا فعلا مش لاقي حاجة يكتبها
رد راضي غير راضي
-1
Report as inappropriate
avatar
واحد 07/09/2014 07:09:45
لا هو مش مش لاقي حاجة يكتبها هو كان قاصد يكتبها ويطولها بالشكل دة عشان يوصل رسالة معينة, لو حطينا توقيت الرواية وتاريخها وانتمائات الكاتب هنعرف بكل بساطة انه كان بينتقد الاخوان برئاستها وحكومتها ومجلس شعبها الي حصلت في الكل بالاغلبية الساحقة الي الشعب الي هو بيكتبله اختارهم بارادته - حتى اقرأ الفقرة دي كان بيتكلم على ثورة يناير وثورة 52 بيقولك عقدين من الزمن " مجتمع الخمسة فى المائة، الذى قامت الثورة للقضاء عليه، عاد مبرزاً أنيابه ومخالبه، والتهم كل ما فعلته الثورة، فى عقدين من الزمان، بل وربما تحوَّل إلى نصف فى المائة أيضا...

المهم في النهاية اهو لبس السيسي ومسمعناش صوته هو بيحب مبارك والسيسي ومخابرتهم وجيشهم طول حياته وبيحاول يصنع وعي الشباب على كدة زي زمان ايام رجل المستحيل
لكن هو مش واخد باله زي كتير جدا من جيله ان شباب دلوقتي الي بيشوفوا القتل في كل مكنا عاشوا حياة صعبة جدا وشافوا 3 سنين حرية او شبه حرية خلاص مبقاش زي جيل رجل المستحيل

الحرية جية غصب عن اي حد والظلم هيرحل ولو طال الزمن

على فكرة قبل ما العيال المهاطيل الي بتدخل تشتم في اي حد يعارض وتتهمه بالارهاب بيقولهم انا مش اخوان يا ارهابيين
رد راضي غير راضي
-1
Report as inappropriate
avatar
منار 19/03/2013 14:33:51
رواية ممتازة جدا .. وفكرتها غريبة كمان ربما لو حدثت فى الواقع قد تثير بلبلة عنيفة :)
avatar
ميرا حسن 04/11/2013 08:25:29
القصه جميله ومشوقه جدا اتمنى المزيد من القصص على القريب العاجل
avatar
menna 04/03/2014 06:42:37
بصراحة في تطويل زايد كل الكلام ده رغي و خلاص و مالوش اي قيمة في القصة و بتبالغ جدا حتي انهم لو عايزين يمنعوها كانو منعو من الاول و لو لا يبقي مالوش لوم كل الكلام و نهير دي جايبها مش خايفة خالص علي عكس التاني الي هيموت من الرعب الطبيعي انو لو خايف كان سابها محدش اجبرو يعني
و اهم حاجة حد يختار اسم نهير؟؟؟ملقيتش غيرو؟دا انا اول مرة اسمعه اساسا
avatar
واحد 07/09/2014 07:13:59
المقصود من الواية باختصار شديد

لو حطينا توقيت الرواية وتاريخها وانتمائات الكاتب هنعرف بكل بساطة انه كان بينتقد الاخوان برئاستها وحكومتها ومجلس شعبها الي حصلت في الكل بالاغلبية الساحقة الي الشعب الي هو بيكتبله اختارهم بارادته - حتى اقرأ الفقرة دي كان بيتكلم على ثورة يناير وثورة 52 بيقولك عقدين من الزمن " مجتمع الخمسة فى المائة، الذى قامت الثورة للقضاء عليه، عاد مبرزاً أنيابه ومخالبه، والتهم كل ما فعلته الثورة، فى عقدين من الزمان، بل وربما تحوَّل إلى نصف فى المائة أيضا...

المهم في النهاية اهو لبس السيسي ومسمعناش صوته هو بيحب مبارك والسيسي ومخابرتهم وجيشهم طول حياته وبيحاول يصنع وعي الشباب على كدة زي زمان ايام رجل المستحيل
لكن هو مش واخد باله زي كتير جدا من جيله ان شباب دلوقتي الي بيشوفوا القتل في كل مكنا عاشوا حياة صعبة جدا وشافوا 3 سنين حرية او شبه حرية خلاص مبقاش زي جيل رجل المستحيل

الحرية جية غصب عن اي حد والظلم هيرحل ولو طال الزمن

على فكرة قبل ما العيال المهاطيل الي بتدخل تشتم في اي حد يعارض وتتهمه بالارهاب بيقولهم انا مش اخوان يا ارهابيين
رد راضي غير راضي
-1
Report as inappropriate
avatar
عبدالرحمن محمد عبدالله 18/05/2016 17:51:09
كتاباتك كلها رائعة يا دكتور .....صحيح أختلف معك فى بعض الأفكار.....لكن فعلا أنت رائع....دمت بصحة وعافية
avatar
عبدالرحمن محمد عبدالله 18/05/2016 17:53:25
القصة رائعة وجميلة ... كباقى مؤلفاتك ....
المجموع: 10 | عرض: 1 - 10

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال