الرئيسية | الشمس الباردة | الفصل الثامن .. الضربة

الفصل الثامن .. الضربة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفصل الثامن .. الضربة

لم يشعر (نور) ورفاقه بذرة من الارتياح، مع تلك الابتسامة الواثقة، التى علت شفتى الجنرال الرفيعتين، وهو يراقب ذلك الهجوم الشامل على مكمنه ...
الحفاًَّرات العملاقة بدأت فى حفر صخور (المقطم)، بوساطة اسطوانات حفر دوًَّارة قوية، تسعى للوصول إلى عمق المكان ...
قوات المشاة انقضت على مدخل النفق ...
المدرعات الحديثة، اتخذت مواقعها؛ لصد أى هجوم محتمل ...
أسراب المقاتلات اتخذت تشكيلات قتالية؛ للتدخل فوراً، إذا ما استلزم الامر ...
والجنرال يراقب كل هذا فى هدوء عجيب، وكأنه واثق من عدم جدواه ...
وبكل توتره، غمغم (رمزى) :
    - لديهم خطة ما يا (نور) .
غمغم (نور)، وهو يراقب الشاشة الثلجية فى قلق:
    - بكل تأكيد .
تمتمت (سلوى)، مضطربة:
كيف يمكنهم صد هجوم كهذا، والمكان هنا لا يحوى ما يوحى بأنه أسلحة هجومية أو دفاعية .
 أجابتها (نشوى)، فى صوت هامس منفعل :
    - أسلحتهم فى الخارج حتماً، وليست هنا .
هتفت (سلوى):
أين ؟!... لقد فحصنا المنطقة كلها تقريباً !!
غمغم (نور)، وهو ينقل بصره إلى العالمين المصريين، اللذين حمل وجهاهما علامات عذاب شديد، والكابلان الممتدان من خوذيتهما، يتألقان على نحو عجيب، وآلاف الرموز العجيبة ترتسم، على تلك الشاشة الكبيرة فوق الجهاز، الذى قيدوهما داخله :
    - من يدرى؟!
ثم شدًَّ قامته، وهو يضيف فى حزم :
    - ولكننا لا نستطيع ان نقف ساكنين .
قالها، ثم تحرًَّك فجأة، على نحو باغت الجميع، وانقض على (أيسول)، هاتفاً:
    - أياً كان الثمن .
كانت انقضاضته مباغتة، بكل ما فى الكلمة من معان، حتى انها ادهشت كل من داخل ذلك الكهف الثلجى المخيف، وأفقدت (أيسول) توازنه، فسقط مع (نور) أرضاً، وهو يطلق صيحة غاضبة، بلغته غير الأرضية ...
وتحًَّرك (رمزى) بنفس السرعة، محاولاً الانقضاض على أقرب الغزاة إليه ...
أما (سلوى) و(نشوى)، فقد تراجعتا فى توتر شديد، عندما صوًَّب آخرون أسلحتهم إليهما فى تحفًَّز...
ومع كل ما يملك من قوة، حاول (نور) أن ينتزع سلاح (أيسول)، وهو يهتف :
    - لن تستسلم الأرض بهذه البساطة يا هذا .
  ولكن قبضة (أيسول) بدت أشبه بكًَّلابة فولاذية، وهى تتشبث بسلاحه، وهو نفسه يواصل إطلاق صيحاته الغاضبة، فى نفس الوقت الذى تلقى فيه (رمزى) لكمة قوية من خصمه، ألقته أرضاً فى عنف، وعندما حاول النهوض، كانت فوهات أسلحة الغزاة مصوًَّبة إلى رأسه، وعيونهم الشبيهة بكرات الثلج، تحمل شراسة كبيرة، توحى بأنهم لن يتردًَّدوا لحظة فى سحقة سحقاً؛ لو حاول معاودة الهجوم ...
أما الجنرال، فقد التفت إلى قتال (نور) مع (ايسول) فى لا مبالاة واضحة، وكانما يراقب موقفاً اعتيادياً، يعلم كيف سينتهى ...
ويبدو انه كان محقاً فى هذا ...
ففى قوة مدهشة، دفع (أيسول) ركبته فى معدة (نور)، الذى شعر بآلام رهيبة، قبل أن يرفع (أيسول) قدمه كلها، ويلقى به خلفه فى عنف ...
وبكل إرادته، حاول (نور) ان ينهض، ولكنه تلقى ضربة أكثر عنفاً، أعادته أرضاً، قبل أن ينتزع (أيسول) سلاحه منه، ويقفز واقفاً على قدميه، ويصوًَّب السلاح إلى رأسه، والغضب يتفجًَّر من كل ملامحه ...
ومع ضغطة سبًَّابة (أيسول) على سلاحه، أدرك (نور) أن محاولته قد باءت بالفشل ...
وأنه فى هذه اللحظة، يشهد لحظاته الاخيرة ...
دون أدنى شك ...
*            *            *
" أمر عجيب للغاية !!..."..
نطقها قائد القوات فى توتر، وهو يراقب شاشات الرصد الكبيرة، فى حجرة اجتماعات المخابرات العلمية، قبل ان يشير إلى باقى القادة، قائلاً :
    - كنت أتوقع، ولو قدراً ضئيلاً من المقاومة .
غمغم القائد الأعلى، وهو يشعر بالحيرة نفسها:
    - ربما يحاولون تحاشى المواجهة المباشرة .
شد أركان الحرب قامته، وهو يقول :
    - أو ربما لديهم خطة ما .
أشار إليه قائد القوات، قائلاً:
    - هذا هو الأرجح .
عادوا يراقبون عمل الحًَّفارت العملاقة، ومحاولات قوات المشاة والقوات الخاصة، العثور على مدخل واضح، فى قلب الممر، قبل أن يعاود قائد القوات حديثه، قائلاً:
    - على الرجال استخدام أجهزتهم الحديثة؛ للبحث عن أى فراغ خلف جدران ذلك النفق، ونسف موقعه؛ فمن الموكًَّد أنه سيكون المدخل السرى لمكمن الغزاة .
قال القائد الاعلى، وهو يشير إلى إحدى الشاشات :
    - ليس الآن ... الحفارات العملاقة ستصنع عدة فجوات فى السطح أولاً، ثم تضع فيها آلاتنا، التى تبث حرارة هائلة، ستجبر أولئك الغزاة على الصعود إلى السطح، وفقاً لطبيعتهم، التى اعتادت البرودة القارصة .
تساءل أركان الحرب:
    - هل سنستخدم قاذفات اللهب المتطوًَّرة ؟!
 هزًَّ القائد الأعلى رأسه نفياً، وقال:
    - بل سنستخدم أجهزة أكثر تطوًَّراً، ابتكرتها عقول مراكز ابحاثنا الخاصة، وهى ترفع درجة حرارة الصخور إلى درجة الانصهار، كما لو أنها فى قلب بركان هائل، مما سيحوًَّل الصخور، التى تعلو ذلك المكمن، إلى حمم ملتهبة، تتعادل معها درجات البرودة داخل المكمن، إلى درجة يعجز الغزاة عن احتمالها .
سأله قائد القوات :
    - وهل تتوًَّقع منهم الاستسلام عندئذ؟!
صمت القائد الأعلى لحظات، ثم لوًَّح بيده، مجيباً:
    - لا أحد يمكنه أن يتوًَّقع شيئاً، مع غزاة من عالم آخر، نجهل الكثير عن طبيعتهم، وكيفية تفكيرهم .
ساد الصمت لحظة فى حجرة الاجتماعات، قبل ان يتساءل أحد القادة فى خفوت:
    - وماذا عن فريقكم ؟!
بدا الأسى على وجه القائد الأعلى، وتبادل نظرة مريرة مع الدكتور (فريد)، قبل أن يتمتم هذا الاخير، فى صوت أقرب إلى البكاء:
    - فليتغمدهم الله سبحانه وتعالى برعايته ورحمته.
أطلقت العبارة موجة من الحزن والأسى فى المكان، قبل أن يقطع أحد القادة صمت الحالة، وهو يشير إلى الشاشات، هاتفاً فى انزعاج:
    - يا إلهى!... انظروا ماذا يحدث!!
التفت الجميع إلى الشاشات بحركة سريعة...
ثم اتسعت العيون كلها عن أخرها ...
فما تراه عيونهم كان رهيباً...
للغاية!!...
*            *            *
جزء من الثانية، كان يكفى ليضغط (أيسول) زناد سلاحه، ويطلق واحدة من فقًَّاعاته المتفجرة، على رأس (نور) مباشرة ...
جزء من الثانية، جعل (سلوى) تطلق صرخة رعب، ودفع (نشوى) إلى أن تتراجع، وتلتصق بالجدار الثلجى فى ذعر، وعيناها تتسعان عن آخرهما، وشفتاها تغمغمان باسم والدها، فى حين هتف (رمزى):
    - لا ... ليس (نور) .
ولكن الجنرال نطق كلمة ما ...
نطقها فى صرامة مخيفة، وهو يعقد كفيه خلف ظهره، وعيناه تحملان نظرة قاسيةعجيبة ...
وإثر كلمته، تراجع (أيسول)، وأبعد سبًَّابته عن زناد سلاحه، وتمتم بكلمات غاضبة، بتلك اللغة التى لا يفهمها سوى الغزاة ...
وفى هدوء، تقدًَّم الجنرال من (نور)، الذى مازال (أيسول) يصوًَّب إليه سلاحه، وقال فى صرامة :
    - خطأ أيها المقدًَّم ... كان ينبغى أن تدرك أن قتالاً يدوياً لن يجدى معنا .
ثم وضع يده على كتف (أيسول)، مضيفاً:
    - الحياة فى عالم كعالمنا، تستلزم صلابة كبيرة، لا تتمتًَّع بها أجسادكم أيها البشر .
نهض (نور) فى بطء، وهو يقول:
    - والحياة فى عالم كعالمنا تستلزم إرادة قوية، لا تتمتعون بها أيها الغزاة .
بدا شبح ابتسامة، على وجه الجنرال، وهو يقول :
    - من أدراك ؟!
اعتدل (نور) فى وقفتة، على الرغم من الآلام الرهيبة، التى يشعر بها فى معدته، والتى يؤذى بها البرد القارص جسده وعضلاته، وقال فى حزم :
    - الذى أدرانى هو أولئك الغزاة، الذين انتحلوا شخصية بعض العاملين، فى أماكن شديدة الحساسية فى الدولة، والذين تم كشفهم، بوساطة الفحص الحرارى، عقب علمنا بطبيعة أجسامكم، وبذلك الرداء البشرى الزائف، المزوًَّد بأجهزة تبريد دقيقة قوية، تجعل باستطاعتكم العيش فى طقسنا لبعض الوقت .
بدا الغضب على وجه الجنرال، وهو يقول:
    - هل تحاول خداعى؛ لكسب بعض الوقت ؟!
أشار (نور) بيده، قائلاً:
    - ولماذا الخداع؟!... حاول أن تجرى اتصالك بأى من جواسيسك، وستدرك أنهم قد سقطوا جميعاً فى قبضتنا.
التفت الجنرال إلى لوحة ثلجية كبيرة، بها عدد من النقاط المضيئة، وقال متحدياً:
    - تلك الإشارات تشير إلى أن كل منهم مازال يحتفظ بموقعه .
ابتسم (نور) ساخراً، وهو يقول:
    - الإشارات تبثها أرديتهم الواقية فحسب، وكلها فى مواضعها بالفعل، أما الجواسيس أنفسهم، فنحن نحتفظ بهم فى برًَّاد كبير، تمهيداً لاستجوابهم، و...
قاطعه الجنرال فى صرامة شرسة:
    - كاذب .
ثم استعاد سيطرته على أعصابه، وهو يضيف:
    - الزى الواقى لا يبث إشاراته، إلا لو كان صاحبه يرتديه فعلياً، ولو أنك نزعته عنه، سيتوًَّقف بث الإشارة على الفور.
صمت (نور) لحظات، غمغم (رمزى) خلالها:
    - الخدعة لم تنطل عليه.
تمتمت (نشوى):
    - ولكن أبى حصل على معلومة جديدة.
التفتت إليها (سلوى)، مغمغمة فى مرارة:
    - وهل تعتقدين أننا سنجد الوقت الكافى؛ للإفادة منها؟!
لم تحر (نشوى) جواباً، وهى تخفض عينيها فى ياس، فى حين بدا (نور) صلباً، وهو يقول:
    - إنها مسألة وقت فى كل الاحوال، فما لم تدركوه عن البشر، هو أنهم يستحيل أن يستسلموا فى سهولة، عندما يتعرًَّض كوكبهم كله إلى خطر الفناء.
بدا الجنرال صارماً ساخراً، وهو يقول:
- لست أدرى أينا أكثر معرفة بعالمك أيها البشرى، ولكن مراقبتنا لكم، جعلتنا ندرك أن المصالح الشخصية تفوق المصالح العامة، فى منظور الغالبية العظمى منكم ... وعندما نطلق ضرباتنا القادمة، نحو سطح شمسكم، ستنخفض الحرارة فى عالمكم بمقدار كبير، لن تحتمله تلك الغالبية العظمى منكم.
اندفعت (نشوى) تقول فى توتر:
    - ذلك الانخفاض سيكون مؤقتاً، مهما فعلتم، وسرعان ما سيعيد قلب الشمس الحرارة الطبيعية إلى سطحها، ويستعيد الطقس طبيعته، و ...
قاطعها الجنرال فى تحد :
    - هذا لو أننا أطلقنا سلاحكم نحو سطحها مرة واحدة .
تراجعت فى توتر، فاضاف، وهو يعيد بصره إلى (نور):
    - ولكن ماذا لو اطلقنا الطاقة السلبية نحو سطح شمسكم، على نحو منتظم، يضمن انخفاض الحرارة الدائم؟!
لم يجب (نور) عبارته، فتابع فى شئ من الزهو:
    - الضعفاء منكم سيلقون حتفهم، مع الضربة القادمة، وعلماؤنا يقدرون عددهم بأكثر من ستين فى المائة من سكان الأرض ... اما الباقون، فسينشدون الدفء بأى ثمن .
ثم مال نحو (نور) بشدة، وعادت أنفاسه الثلجية تضرب وجه هذا الاخير، مع إضافته:
    - وأكرًَّر ... بأى ثمن.
 سأله (نور) فى اهتمام، حاول أن يضفى عليه شيئاً من الصرامة:
    - وما هو الثمن ؟!
اعتدل الجنرال بحركة واحدة، مجيباً فى صرامة:
    - العبودية.
صدمت الكلمة مشاعر (نور) ورفاقه الثلاثة، فى حين تابع الجنرال، فى شئ من الزهو والثقة:
    - كثيرون سيقبلون بالعبودية لنا، والتفانى فى خدمة شعبنا، مقابل معسكرات دافئة، يمكنهم العيش فيها، والبقاء على قيد الحياة فى ربوعها .
قال (نور) فى بطء:
    - ستكون هناك مقاومة شرسة.
أشار الجنرال بيده، قائلاً:
    - من قلة محدودة، عليها أن تحيا وتقاتل، فى مناخ قارص البرودة، بمقاييس عالمكم .
وتألقت عيناه، وهو يضيف:
    - وبعد جيل أو جيلين، ستنهار تلك المقاومة، بفعل الانتخاب الطبيعى .
غمغم (نور) :
    - يالها من خطة استعمارية قميئة !
تألقت عينا الجنرال مرة أخرى، وهو يرفع سبًَّابته، قائلاً:
    - وناجحة .
هتفت (سلوى) فى غضب:
    - يبدو أنك قد نسيت أن المقاومة قد بدأت بالفعل، وأن قواتنا تشن هجوماً شاملاً على مكمنكم .
اتسعت ابتسامة الجنرال الواثقة، وهو يقول:
    - آه ... بالنسبة لذلك الهجوم الشامل .
ثم التفت إلى الشاشة الثلجية الكبيرة، ليتم عبارته:
    - فلقد كنا ننتظره بالفعل.
استدارت عيونهم إلى تلك الشاشة الثلجية الكبيرة، و ...
واتسعت كل العيون ...
كلها ....
بلا استثناء ...
*            *            *
كانت الحفارت العملاقة تواصل عملها، وقوات المشاة مع القوات الخاصة، تبدأ فى تشغيل أجهزة فحص جدران النفق، و ...
وفجأة، بدأ الهجوم المضاد ...
الصخور المحيطة بالمنطقة كلها تألقت فجأة بضوء أزرق، كما لو أنها مصابيح هائلة ...
ثم انطلقت منها فقاقيع كبيرة هائلة، من اللون نفسه ...
فقاقيع زرقاء، فى حجم كرات قدم كبيرة، انطلقت فجأة، لتضرب الحفارات العملاقة ...
والمدرعات الحديثة ...
وحتى الأفراد، الذين يحاصرون المكان ...
ثم انفجرت كلها، فى آن واحد تقريباً ...
ومع انفجارها، حدثت ظاهرة عجيبة، أصابت جميع القادة، الذين يتابعون ما يحدث، بموجة من الذهول والذعر ...
فمع انفجار تلك الفقاعات الكبيرة، انتشر جليد عجيب، فى المنطقة كلها ...
وعلى نحو مباغت، شديد السرعة ...
ومع انتشاره، تجمًَّد كل شئ ...
البشر ...
والحفارات العملاقة ...
والمدرعات الحديثة ...
كل شئ، فيما عدا اسراب المقاتلات فى السماء ...
وداخل النفق، الذى يقود إلى المكمن، حدثت الظاهرة نفسها ...
جدران النفق كلها تألقت بذلك الضوء الأزرق ...
ثم انطلقت منها الفقاعات الزرقاء، تجمًَّد كل من داخل النفق ...
وما داخل النفق ...
قوات المشاة ...
والقوات الخاصة ...
والاجهزة ...
كل شئ ...
وفى حجرة اجتماعات المخابرات العلمية، سادت حالة من الهرج والمرج، وصاح أركان الحرب، فى انزعاج كامل :
    - رباه !... لقد قضوا على قوة الهجوم بالكامل، بضربة واحدة، لم نتوًَّقعها قط .
هتف قائد الطيران :
    - فلنشن هجوماً جوياً فوراً .
صاح الدكتور (فريد) فى ذعر:
    - حذار ... أى عنف الآن، سيؤدى إلى ...
 بتر عبارته بغتة، واتسعت عيناه عن آخرهما، وهو يحدًَّق فيما يحدث على الشاشة ...
فعقب تجمًَّد كل شئ، تألقت الصخور مرة أخرى ...
وفى هذه المرة، بضوء أحمر قوى ...
ثم انطلقت منها فقاعات صغيرة، شبيهة بتلك التى تنطلق من أسلحة الغزاة ...
وراحت تنفجر فى كل مكان ...
ومع انفجار كل فقاعة، كانت الاجسام من حولها تتفجًَّر، كما لو أنها مصنوعة من زجاج هش ...
وامام العيون الذاهلة، والقلوب المرتجفة، تحطًَّم كل شئ فى لحظات ...
البشر ...
والأسلحة ...
والمعدًَّات ...
والاجهزة ...
كل شئ ...
وفى ذهول، هتف أركان الحرب :
    - مستحيل !... كل شئ تحطًَّم، كما لو انه ...
قاطعه الدكتور (فريد)، وهو يكمل فى صزت أقرب إلى البكاء:
مصنوع من زجاج .
التفتت العيون إليه، فأكمل فى مرارة بلا حدود:
    - إنها البرودة الشديدة، التى تفقد كل شئ صلابته وتماسكه ...1 فقاعاتهم الكبيرة الأولى، أطلقت ما يشبه النيتروجين السائل، الذى جمد كل شئ، وجعله قابلاً للكسر، مع أى انفجار، أو حتى ضربة قوية .
ملئت المرارة صوت وملامح قائد القوات، وهو يقول:
    - ولكن هذا لم يحدث، فى تاريخ الحروب كله ... لقد خسرنا مائة فى المائة، من قوة الهجوم الاولى، مع أوًَّل ضربة مضادة .
قال قائد الطيران، بنفس المرارة :
    - بقيت لدينا المقاتلات .
هتف القائد الأعلى فى حزم:
    - وعليك أن تأمر بسحبها من الساحة فوراً .
قال قائد الطيران فى غضب :
    - مقاتلاتنا لم تعتد الانسحاب من ساحة المعركة.
قال القائد الأعلى:
    - ولكنها ستفعل هذه المرة؛ لأننا نواجه خصماً، من الواضح أننا نجهل الكثير عن قدراته واستعداداته .
هتف أحد القادة الآخرين مستنكراً:
    - هل تعنى أن ننسحب، ونتخلًَّى عن الدفاع عن عالمنا كله ؟!
أجابه القائد الأعلى بمنتهى الحزم:
    - ليس انسحاباً تاماً .
ثم انخفض صوته، وهويضيف:
    - مازال لدينا (نور) وفريقه .
بدا صوت الدكتور (فريد) مرتجفاً، مفعماً بالمرارة واليأس، وهو يقول:
    - لقد صاروا الآن أمل الأرض ...
وفى أسى بلا حدود، أضاف :
الأخير ...
ولم ينبس أحد الحاضرين ببنت شفة ...
على الإطلاق ...
*            *            *
" إنها مذبحة بشعة ..."..
هتفت (نشوى) بالعبارة، وهى تبكى فى مرارة، لما شهدته على الشاشة الثلجية الكبيرة، فى حين انسالت دموع (سلوى) فى صمت، وغمغم (رمزى) فى مقت:
    - لم أتخيًَّل حتى وجود وحشية كهذه، فى أى مكان فى الكون .
قال الجنرال فى برود، يفوق برودة المكان:
    - أنتم بدأتم الهجوم .
قال (نور) فى غضب:
    - وماذا كنت تنتظر؟!...أن نسلمك مفاتيح كوكبنا مستسلمين؟!
أجابه بنفس البرود:
    - كان هذا سيحقن الكثير من الدماء .
قالها، وهو يتطلعًَّ إلى ذلك الجهاز، الذى يمتص معلومات العالمين المصريين، اللذين تلاشت مقاومتهما تماماً، وبديا وكأنهما قد تحوًَّلا إلى تمثالين من الشمع، وقد جمدت نظراتهما، فى حين تواصلت تلك الرموز العجيبة، على الشاشة الثلجية الكبيرة، التى تعلو الجهاز، فغمغمت (نشوى)، وهى تواصل بكاءها :
    - ياللبشاعة .
مع قولها، تألقت الشاشة الثلجية فوق الجهاز، بضوء يميل إلى الزرقة، وتوًَّقف تواصل الرموز العجيبة عليها، فظهرت علامات الظفر على وجه (أيسول)، وهتف بعبارة ما، حملت الكثير من الحماس، وجعلت عينا الجنرال تتألقان ، وهو يقول:
    - يمكنكم أن تقولوا إننا قد انتصرنا على عالمكما بالفعل .
ثم أشار إلى فريقه، فبدأ عدد منهم يعمل على أجهزتهم فى حماس، فى حين غمغم (نور) بمنتهى المقت :
    - لم تنتصروا بعد .
كانت عينا (نشوى) تتفحصان المكان، على الرغم من دموعها، فى محاولة فهم واستيعاب الكثير عنه، عندما توًَّفقت عند جهاز صغير الحجم نسبياً، ملصق بسقفه، وغمغمت فى خفوت شديد:
    - أيمكن أن ...
لم تكتمل غمغمتها، وهى تدير عينيها فى المكان مرة أخرى، فى حين ابتسم الجنرال ابتسامة ساخرة، وهو يجيب تعليق (نور):
    - المعلومات التى تم انتزاعها من عقلى عالميكما، ستتم تنقيتها تلقائياً، بوساطة أجهزتنا، والتى ستستخلص منها كل ما يخص جهازكم هذا، وسيقوم فريقنا بنقلها إلى الجهاز مباشرة، حتى يتم تطويره، وتزويده بالطاقة السلبية الكافية، لإطلاق ضربتنا الكبرى ...
ثم عاد يميل نحو (نور)، مضيفاً :
    - وعندئذ سيكون أمامكم الخيار ... إما الموت فى عالم من الجليد، او ...
صمت لحظة، ثم استطرد فى صرامة:
    - أو العبودية لنا .
أجابه (نور) بلا تردًَّد:
    - أظننا سنختار الموت .
هتفت (سلوى) فى حزم:
    - وهذا خيارنا جميعاً .
رفع (أيسول) سلاحه، فور عبارتها، ليصوًَّبه إلى رأس (نور) فى تحًَّفز، فى حين اعتدل الجنرال، وقال فى مزيج من السخرية والصرامة:
    - أخبرنى إذن عن سبب واحد، يمنعنى من قتلكم الآن .
ارتفع فجأة صوت صارم، من ركن الكهف، يهتف:
    - لدى سبب قوى .
التفت الجميع إلى (أكرم)، الذى برز مصوباً مسدسه إلى الجنرال، وهو يكمل بنفس الصرامة:
    - أنا.
وبسرعة مدهشة، التفت إليه (أيسول) ...
وأطلق فقاعاته المتفجًَّرة ...
واشتعل الموقف ...
بشدة.
*            *            *

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (155 منشور)

avatar
KARIM EL KAWAS 13/01/2012 18:08:46
فصل رائع جدا يا دكتور نبيل الرواية مشوقة جدا
avatar
عهد محمد 13/01/2012 18:27:48
السلام عليكم

فصل راااااااااااااائع دكتور ... بشاعة لا تصدق من الغزاة
وظهور درامي لأكرم

الله يستر منتظرة الفصل القادم بأحر من الجمر
avatar
AMINE MOUSTARI 14/01/2012 05:52:27
رائع جدا أحداث مشوقة فصل مشتعل في انتظار الباقي وانا أعلم أن نهاية القصة ستكون رائعة دوما شكرا دكتور عبى هذا الابداع
avatar
جهاد جميل 14/01/2012 10:20:55
رواية رائعة كالمعتاد

و مازلنا بإنتظار الصفحة السابعة من أسئلة القراء اللتي تأخرت كثيرا
avatar
AHMED MOUSA 16/01/2012 04:12:43
روعة .... روعة .... روعة
بانتظار الفصل القادم على أحر من الجمر
avatar
amir 21/01/2012 08:24:41
انت رائع دكتور

لقد كبرت على كتاباتك منذ كان عمري 10 سنوات وأنا لم انقطع عن قراءة ما تكتب واجزم أني أحفظ منها ما لم تحفظ أنت، دمت بخير وصحة جيدة
avatar
سها 31/03/2014 03:31:42
سلام عليكم ارجووووووك لا توقف اصدارات سلسلة ملف المستقبل ..انا بدور عليها فى المكتبات ومش لاقياها وعلمت انك لم تصدر منها اعداد جديدو ...وانا قريت السلسلة كلها ولازم لازم تصدرلنا اعداد جديدة ....انا مقدرش استوعب فكرة توقف السلسلة ووصولها للنهاية ابدا
avatar
Christi 03/08/2014 02:34:15
So true. Honesty and everything reidngczeo.
avatar
Fly 06/08/2014 16:29:38
An <a href="http://nbyihuvsupt.com">ineigleltnt</a> point of view, well expressed! Thanks!
avatar
Marlee 15/08/2016 22:33:18
What a plersuae to meet someone who thinks so clearly
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 next المجموع: 155 | عرض: 1 - 10

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال