الرئيسية | الابطال | الفصل الثالث : الإنفجار

الفصل الثالث : الإنفجار

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفصل الثالث : الإنفجار

* أكبر حماقة، يمكن أن يرتكبها محتل، أى محتل، هى أن يتعَّرض بالسوء للرموز الدينية، فى الأرض التى يحتلّها ..
هذا وحده كفيل بإشعال الغضب فى النفوس والقلوب.. والعقول أيضاً، بحيث تلتهب المشاعر، وتتفجَّر البراكين فى العروق، وتمتلئ القلوب بأنهار من الحماس، الذى قد يدفع المرء للقيام بأى شئ..
أى شئ على الإطلاق..
هذا ما يمكن أن يحدث لأى شخص عادى..
فما بالك بأفراد مجموعة (العريش)، الذين رفضت دماؤهم الحرة الساخنة منذ البداية، فكرة الاحتلال البغيض، وأقسمت عقولهم وقلوبهم وأفواههم على مقاومته، حتى آخر رمق..
فمنذ تلك اللحظة، التى رفع فيها الجندى الصهيونى (حسون) يده القذرة، على الشيخ (جاد)، قرَّرت مجموعة العريش أن يكون (حسون) هذا هو هدف العملية القادمة، والدرس الذى يتم تلقينه للعدو الصهيونى، حتى لا يجرؤ على المساس برجال الدين مرة أخرى..
وبمراقبة (حسون)، وجد الرجال أن تحركاته روتينية للغاية، فهو يصل إلى المدينة فى موعد ثابت تقريباً، ويضع سيارته فى مكان بعينه، ثم يغادر فى ساعة محدودة أيضاً..
وفى اليوم المتفق عليه، تحرَّك (فضل) فى هدوء، ناحية سيارة (حسون)، فى نفس اللحظة التى استقر فيها هذا الأخير، ثم، وبسرعة ومهارة، ألقى قنبلة عليها، وأسرع يبتعد، ويمتزج بالمارة..
وفى الليلة نفسها، وعلى الرغم من تحركات العدو وثورته، تم توزيع منشور معد مسبقاً، يؤكِّد أن ما حدث للإسرائيلى (حسون)، كان بسبب اعتدائه على رجل الدين، الشيخ (جاد)..
واستوعب العدو الدرس هذه المرة، وأصدر أوامره إلى كل جنوده، بعدم المساس بأى رجل دين أبداً، مهما كانت الأسباب..
وكان هذا انتصاراً لمجموعة (العريش)..
انتصاراً ساحقاً بحق..
ولكن العدو بدأ يضاعف من نشاطه أيضاً، ومن أطقم حراسته، ووصل طاقم أمنى جديد من (تل أبيب) ؛ ليحاول النجاح فيما فشل فيه الطاقم السابق، الذى لم يكشف أمر مجموعة (العريش)، أو حتى يقترب من هذا..
وعلى الرغم من علم أفراد المجموعة، بوصول ذلك الطاقم الأمنى الجديد، ومن أن هذا سيعنى موجة جديدة من الاعتقالات والاستجوابات، إلا أنهم قرَّوا القيام بعملية جديدة، أكثر قوة وتأثيراً..
وكان الهدف هذه المرة كوبرى للسكك الحديدية، فى شمال شرق مدينة (العريش)، يربط شرق الوادى بغربه، ويستخدمه العدو فى أعماله وتنقلاته العسكرية..
ولأن الهدف هام وخطير ومؤثِّر، راح الرجال يتدارسون الأمر طويلاً، ويراقبون الكوبرى، ويترددون على المنطقة ؛ لتحديد أفضل نقطة لوضع العبوة الناسفة، شديدة الانفجار، بحيث تحدث أكبر قدر ممكن من الأضرار..
وبعد دراسات طويلة، واجتماعات أطول، تم اختيار بداية الكوبرى الشرقية، كنقطة انفجار..
وتحت جنح الظلام، زرع بعض أفراد المجموعة العبوة الناسفة، فى الموضع المتفق عليه، مع مؤقت زمنى، بحيث لا يحدث الانفجار، إلا بعد عودة الجميع إلى منازلهم بالفعل..
وفى الوقت المحدَّد، انفجرت العبوة الناسفة، ونسفت البداية الشرقية للكوبرى، لتتوقَّف الإمدادات التى تمر به تماماً..
وجن جنون العدو أكثر وأكثر، وأدرك طاقم الأمن الإسرائيلى الجديد أنه أمام فريق منظم من الفدائيين، يجد دوماً وسيلة لبلوغ الهدف، مهما أحيط بوسائل التأمين والحراسة..
ومع غضب طاقم الأمن الجديد وثورته، كثف العدو حملاته التفتيشية، وداهم المنازل بلا رحمة، واعتقل عشرات المواطنين، وراح يستجوبهم بمنتهى العنف والشراسة، فى نفس الوقت الذى حاصر فيه المدينة تماماً، ومنع الدخول إليها، أو الخروج منها، حتى ينتهى التفتيش، وتنتهى الاستجوابات الوحشية.
وكان بعض أفراد المجموعة ممن شملتهم الاعتقالات، ولكن التقارير كلها أكدَّت أنه قد تم انتزاعهم من فراشهم، لذا فقد تم الإفراج عنهم، بعد فترة محدودة من الوقت، وعادوا ليجتمعوا برفاقهم، ويخططون معاً لهدف جديد، وخطير..
وأما العدو نفسه، فقد بلغ غضبه وسخطه أوجه وذروته، إذ أصبحت إمداداته تنتهى عند محطة قبل الكوبرى، لم تكن مجهَّزة كمحطة (العريش) بمدرجات إنزال للدبابات والمعدات الثقيلة، ولا بوسائل لشحنها فى الاتجاه المضاد، مما أعاق تحركاته لفترة طويلة، استغرقها لإصلاح الكوبرى، وإعادة تشغيله، قبل أن يحيطه بحراسة مكثفة، ويغمره بأضواء كاشفة قوية، ويمنع الاقتراب منه تماماً..
وتوتر الموقف، كما لم يتوتر من قبل، وتحوَّل طاقم الأمن الإسرائيلى الجديد إلى مجموعة من الوحوش، الذين اشتعلوا بغضب الفشل، ونيران العجز عن كشف المسئولين عما يحدث، والإيقاع بهم فى قبضتهم..
وكان من الضرورى، والحال هكذا، أن يهدأ أفراد المجموعة قليلاً، حتى تنزاح الغمة، وتقل ثورة غضب العدو..
وكلمة يهدأوا هذه نسبية تماماً؛ فصحيح أنهم قد توقَّفوا بعض الوقت، عن القيام بعمليات مباشرة، إلا أنهم قد استغلّوا ذلك الوقت كله، فى التخطيط لعملية جديدة، كفيلة بأن يبلغ غضب وجنون العدو مداه، وأن تبلغ خسارته ذروتها..
واستقر الرأى بالإجماع، فى هذه المرة، على كافتيريا بعينها، كانت نقطة التقاء للقوات الإسرائيلية، القادمة من (إسرائيل)، فى طريقها إلى الجبهة، والعائدة من الجبهة إلى (إسرائيل)..
تلك الكافتيريا كانت تقع على الطريق الشمالى، المؤدى إلى جبهة القتال، بالقرب من محطة السكك الحديدية فى (العريش)..
ولأن الهدف خطير، تطلَّب الأمر دراسة وافية ودقيقة؛ لمعرفة ساعات الذروة، والأيام المناسبة، التى يتجمَّع فيها أكبر عدد من ضباط وجنود القوات الإسرائيلية، فى الكافتيريا..
ولقد استمرت تلك المراقبة أياماً وأيام، وتناوب أفراد المجموعة على موقع مواجه للكافتيريا، لرصد ما يحدث، وتحديد أفضل مكان لوضع العبوة الناسفة..
ولقد اجتمعت الآراء، على أن أنسب موضع هو سلة من سلال القمامة، التى توجد داخل صالة المطعم الزجاجية، والتى أثبتت المراقبة أنه يتم إفراغها يومياً، فى تمام الثانية عشرة ظهراً بالضبط..
أما عن أفضل الأيام، فكان يوم الخميس، وبالتحديد فى الفترة بين الواحدة والثانية ظهراً، عندما يتدفَّق الجنود الإسرائيليون على المكان، قادمين من الجبهة، ومتجهين لقضاء أجازتهم الميدانية..
وتم إعداد العبوة الناسفة، وتزويدها بمؤقِّت زمنى، لتنفجر فى تمام الواحدة والنصف ظهراً، وتوجّه بها (عادل الفار)، و(فضل عبد الله) إلى الكافتيريا، فاتخذ (فضل) مكاناً يجاور سلة القمامة المختارة، وانتظر حتى تم إفراغها، ثم جاء (عادل)، الذى اعتاد التردُّد على المكان، بحكم قراءته لعدادات الكهرباء هناك، وتظاهر برؤيته (فضل) مصادفة، فذهب لتحيته، وألقى ورقة قديمة من يده، داخل صندوق القمامة، وبعد حوار قصير، برئ المظهر، سمعه الكل فى وضوح، غادر الاثنان المكان، وعادا إلى منزليهما..
وفى تمام الواحدة وانصف، انفجرت القنبلة المختفية داخل تلك الورقة القديمة، والتى تم حشوها بقطع من الزجاج ومسامير الصلب، لتنسف السلة، وتدمر القاعة الزجاجية، وتقتل وتصيب العديدين من أفراد جيش العدو، من جنود وضباط..
وعلى الرغم من أن شهود العيان قد أكَّدوا مصرع خمسة من الجنود الإسرائيليين، ومجندة واحدة، بالإضافة إلى إصابة العشرات غيرهم، إلا أن البيان الرسمى للعدو لم يعترف إلا بإصابة ثلاثة من جنوده فحسب..
الطريف يومها أن أحد الشهود من الإسرائيليين، قد أكَّد أن سيارة حمراء، من طراز (مرسيدس)، توقَّفت بالقرب من المكان، وألقى قائدها قنبلة على المكان، قبل أن تنطلق به السيارة بأقصى سرعتها مبتعدة..
وبناءً على هذه الشهادة الزائفة، كثّف الإسرائيليون بحثهم عن تلك المرسيدس الحمراء المزعومة، ومنحوا أوصافها لكل نقاط التفتيش فى الطريق، وانشغلوا بها عن البحث عن أفراد المجموعة، الذين عادوا إلى منازلهم آمنين، وقد انتشت عروقهم بنشوة نصر، لا تفوقها أية نشوة أخرى فى الوجود..
ولأوَّل مرة، منذ بدأت عملياتهم العسكرية، جمعهم شوق عجيب للقاء والاجتماع، والاحتفال بنجاح عملية القاعة الزجاجية هذه..
فمع مقتل كل هذا العدد من الإسرائيليين، أدرك الكل أنهم قد تفوَّقوا بالفعل على العدو، وصاروا أقوى منه، وأكثر قدرة على تكبيده الخسائر، وتحطيمه بضربات متتالية، يجهل مصدرها ومنبعها ومنفذيها..
ولقد امتزج كل هذا بقناعة جديدة، بأن العدو الإسرائيلى ليس سوى أسطورة كاذبة، وأنه لو كان جيشهم قد وجد فرصة عادلة للمواجهة والقتال، فى يونيو 1967م، لما كانت الهزيمة، ولما كان هذا الاحتلال، الذى يجثم على نفوسهم، لسنوات طوال..
وليلتها حلموا جميعاً بالتحرُّر والحرية، وبانتهاء سنوات الاحتلال، وارتفاع العلم المصرى على أرص (سيناء) كلها، وليس على (العريش) وحدها..
كان الحماس قد تطوَّر، وتفجَّر فى القلوب والنفوس، بألف ألف ضعف لما كان عليه، عندما بدأ كل هذا..
ومع الحماس الزائد، وشعور النصر اللذيذ، الذى يملأ الخلايا، ويجرى فى العروق مجرى الدم، حتى يتحوَّل إلى نوع من الإدمان الإيجابى، الذى يبث فى أعماقك روح التفوّق أكثر وأكثر، قرَّر الرجال أن يكون الهدف التالى أكثر تأثيراً..
فى ذلك الوقت، كانت إحدى المنظمات الفلسطينية قد أعلنت مسئوليتها عن الحادث، لما سببه من أضرار جسيمة، ولما حظى به من شهرة وانتشار، مما خفَّف الضغط الأمنى داخل (العريش)، وسمح لأفراد المجموعة بالاجتماع مرة أخرى، فى منزل قائدهم (عبد الحميد الخليلى)، لدراسة الهدف التالى وتحديده..
وكما يحدث فى كل اجتماع، تم طرح الأهداف المقترحة للضربة القادمة، والتى لابد وأن يكون الهدف منها هو الرد على تصعيدات العدو، وممارساته الإرهابية القمعية، التى يوجهها دوماً نحو المواطنين الأبرياء، ويسعى بها للسيطرة على مشاعرهم، وبث روح الخوف والهلع فى أعماقهم، حتى لا يجرءوا على مواجهته، أو السعى لتحديه أبداً..
ولأن الممارسات القمعية قد بلغت ذروتها، بعد عملية (القاعة الزجاجية)، وما نجم عنها، فكرَّت المجموعة فى حتمية مواجهة كل هذا بضربة قاصمة، فى موقع يستحيل أن يتخيله العدو، أو يخطر على باله لحظة واحدة..
ومع ربط هذا بالفريق الأمنى الإسرائيلى الجديد، وممارساته الوحشية، بدا من الواضح أن المصدر الرئيسى لكل هذه العمليات القمعية، هو جهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلية، الذى يحتل موقعاً متميِّزاً فى (العريش)، يعرف الآن باسم (نزل الشباب)..
وهنا أصبح الهدف واضحاً..
مبنى المخابرات الإسرائيلية نفسه..
وانحبست الأنفاس بضع لحظات، عندما تم تحديد الهدف، على الرغم من أن أذهانهم جميعاً كانت قد انتخبته، واختارته بدقة، قبل حتى أن تفصح عنه ألسنتهم..
فالهدف كان خطيراً بالفعل، ويستحيل توقَّعه..
على كل المستويات..
ولأن الرجال اعتادوا ألا يتوقفوا طويلاً، أمام كلمة (المستحيل) هذه، فقد انتقلوا على الفور، من مرحلة التحديد، إلى مناقشة خطوات الإعداد والتنفيذ..
وكما يحدث فى كل مرة، بدأت عملية دراسة الموقع، وكشف السبل الآمنة للوصول إليه، والمسارات المناسبة لبلوغ نقطة زرع القنبلة فيه..
ولأن الهدف عسير وخطير، تم إعداد عبوة ناسفة موقوتة، تتناسب مع طبيعته، والخسائر المنتظر إصابته بها، كما تقرَّر أن يقوم ثلاثة من أفراد المجموعة بتنفيذ العملية، بحيث يقوم أحدهم بالتسلُّل إلى الهدف، من الناحية البحرية، فى حين يتولَّى الآخران عملية التأمين والمراقبة، وإعداد وسيلة الخروج والابتعاد..
أما بالنسبة للوقت المناسب للقيام بالعملية، فكان منتصف الليل تقريباً، لكى يتم التسلُّل تحت حجب الظلام..
ولأن العملية تحتاج إلى النشاط وسرعة الحركة، وقع الاختيار لتنفيذها على (فضل عبد الله)، و(محمد حجاج)، و(عادل الفار)، باعتبارهم أصغر الأفراد سناً..
وفى هذه المرة، ولحساسية العملية، تم تدريب الأفراد الثلاثة على القيام بها، ويقول (فضل عبد الله): "درسنا كل شئ، وخططنا لكل خطوة، وعملنا حسابات كل احتمال، بحيث لا تشرق شمس اليوم التالى، إلا وقد نسفنا المبنى، مع الغطرسة الإسرائيلية، وأحلام طاقم الأمن الإسرائيلى الجديد كلها.."..
وعلى الرغم من أن كل شئ قد تم اتباعه كالمعتاد، إلا أن (عبد الحميد) أصرّ على أن يعيد الأفراد الثلاثة دراسة الهدف ليلاً ونهاراً، قبل إتمام العملية فعلياً..
وقام الثلاثة بهذا بالفعل..
درسوا الهدف، وراقبوه، وحفظوه عن ظهر قلب، ثم أعلنوا قائدهم بأنهم مستعدون للتنفيذ..
وحدَّد (عبد الحميد) اليوم المناسب للتنفيذ، وسلَّم العبوة الناسفة للشبان الثلاثة، فى مساء اليوم نفسه..
ويروى (فضل محمد) ذكريات ذلك اليوم، قائلاً: "اتفقنا نحن الثلاثة، (عادل) و(حجاج) وأنا، على أن نجتمع فى منزل (عادل)، قبل أن نتجه لتنفيذ العملية، وكان الحماس يملأ نفوسنا بشدة، وكل خلية فينا تتلهَّف للقيام بالمهمة.. والتقينا فى منزل (عادل الفار) بالفعل، وراجعنا الخطة للمرة الأخيرة، ثم بدأ (عادل) فى عملية تمويه العبوة الناسفة، تمهيداً للخروج بها للتنفيذ، و...
وفجأة، دوى الانفجار..
دوى بمنتهى العنف..
فى وجوهنا مباشرة.
*     *     *

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (5 منشور)

avatar
Iki 22/08/2013 05:35:24
Thank God! Sonomee with brains speaks!
avatar
Egy 24/08/2013 04:16:32
Posts like this bregithn up my day. Thanks for taking the time.
avatar
Pelangi 24/08/2013 21:28:11
Heck of a job there, it <a href="http://diomibiiwzf.com">absoeutlly</a> helps me out.
avatar
Gaochi 28/08/2013 07:36:36
Well done to think of <a href="http://urmihkocz.com">sontihemg</a> like that
avatar
Jeramy 28/08/2013 15:26:21
Now that's <a href="http://rjambv.com">sulbte!</a> Great to hear from you.
المجموع: 5 | عرض: 1 - 5

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال