الرئيسية | الابطال | الفصل الأول : الشدائد و الرجال

الفصل الأول : الشدائد و الرجال

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفصل الأول : الشدائد و الرجال

 

* "عند الشدائد، يظهر الرجال.."..

تلك الحكمة القديمة، كانت أوَّل ما قفز إلى ذهنى، وأنا أقرأ، منذ ما يقرب من ربع قرن من الزمان، أحد الكتب العديدة، التى ظهرت بعد انتصار أكتوبر 1973م، وكان يحوى بين غلافيه ملخصاً موجزاً، لعدد من العمليات المخابراتية، التى مهَّدت أو ساهمت فى تحقيق الانتصار..

أيامها بدأ شغفى بعالم الجاسوسية والمخابرات، ورحت ألتهم فى نهم محتويات الكتاب، وأنتقل من عملية إلى أخرى، والحماس يسرى فى كيانى، ويخفق مع قلبى، وينتقل منه ليغزو كل خلية فى جسدى..

ثم توقَّفت طويلاً أمام عملية بعينها..

عملية، وجدت نفسى أقرأها بعناية أكثر، واهتمام أشد، وأعيد قراءتها مرة.. ومرة.. ومرات..

وفى كل مرة أعيد قراءتها، كان شغفى يتضاعف، وانبهارى يتزايد، وحماسى يبلغ الذروة، ويكاد يخترق قمتها، لينطلق منها إلى عالم بلا حدود..

هذا لأن تلك العملية بالذات، كانت تختلف كثيراً، عن كل ما يحويه الكتاب من عمليات، بذل خلالها رجال المخابرات المصرية، الحربية والعامة ، كل جهدهم، وطاقاتهم، بل وأرواحهم أيضاً ؛ فى سبيل تحقيق النصر، وبلوغ الهدف، الذى تصوَّر الكل أنه من رابع المستحيلات..

كانت تختلف؛ لأن الذين قاموا بها ليسوا من المحترفين أو المدربين، وإنما هم أفراد من الشعب..

أفراد مثلى ومثلك، عاشوا أحلك شعور فى الوجود..

 شعور الاحتلال، والقاهر ، والسقوط فى قبضة عدو غادر لا يرحم ..

عاشوه دون أن ينهاروا، أو يتحكطّوا، أو يستسلموا، بل ثبتوا، وتماسكوا، وقرَّروا أن يقاوموا ويقاتلوا، حتى آخر ذرة فى أجسادهم، وآخر قطرة دم فى عروقهم، وآخر نفس يتردَّد فى صدورهم..

انبهرت بالعملية، وحفظت أسماء أبطالها عن ظهر قلب، قبل أن تمر سنوات وسنوات، وتختفى القصة فى أعماقى، تحت أطنان من عمليات الجاسوسية، وكتب فن وتقنية المخابرات، التى احتشد بها رأسى، وتغلغلت فى أعماقى ووجدانى، و...

ومنذ عام واحد تقريباً، وفى برنامج تليفزيونى شهير، يقدِّمه الزميل (إبراهيم عيسى)، كنا نتحدَّث عن عالم المخابرات، وحرب أكتوبر، عندما صعدت تفاصيل تلك العملية من أعماقى، وتصاعدت إلى رأسى، حاملة معها كل الانبهار والحماس القديم، فانطلق لسانى يصف الموقف، والمشاعر، والبطولة، وحاملاً معلوماتى المحدودة عن العملية نفسها، فى حدود ما كنت أعرفه عنها أيامها فحسب..

وكانت هذه هى البداية الفعلية..

ففى اليوم التالى مباشرة، تلقيت اتصالاً من الأستاذ (فضل عبد الله)، الذى أبلغنى أنه أحد أفراد العملية، الذين تابعوا ما قلته عنهم، على شاشة التليفزيون، وقرَّروا أن يمنحونى قصتهم، لتجد طريقها إلى النشر، على نحو مناسب، بعد ثلاثين عاماً من انتصار أكتوبر 1973م..

وزارنى الأستاذ (فضل) فى مكتبى، بصحبة ابنه (أحمد) ؛ ليعطينى ملخصاً للعملية كلها، كتبه أفراد المجموعة بأنفسهم، كدليل يقودنى إلى التفاصيل الفعلية، دون الدخول فى التفاصيل الدقيقة ، الخاصة بعلاقة المجموعة بالمخابرات الحربية فيما بعد، عندما انتقلت العملية إلى الإطار الرسمى، فى مراحلها الأخيرة..

يومها تحدّثنا كثيراً، ووضعنا بعض النقاط على الحروف، ثم اتفقنا فى النهاية على أن أسافر إليهم فى مدينة (العريش)، فى شمال (سيناء) ؛ لألتقى بأفراد المجموعة؛ وأسمع منهم شخصياً القصة كلها..

وسافرت بالفعل إلى (العريش)، ورحت أعيد قراءة أوراقهم طوال الطريق، من (القاهرة) إلى هناك، ليطرح عقلى ألف تساؤل وتساؤل..

وفى (العريش)، كان اللقاء..

اللقاء مع (عبد الحميد الخليلى)، و(أسعد عبد الحميد محمود)، و(فضل محمد عبد الله).. آخر من تبقّى من مجموعة (العريش)، بعد رحلة كفاح، ومقاومة، وانتصار طويلة..

وداخل حجرة بسيطة أنيقة، ومع أكواب الشاى الساخن، دار جهاز التسجيل، وبدأت المجموعة تروى..

تروى قصة أروع مقاومة شعبية، ضد الاحتلال الصهيونى، فى قلب (سيناء) المحتلّة..

على الإطلاق ...

*     *     *

"كانت البداية عقب احتلال (العريش) مباشرة، فى يونيو 1967م.."

هكذا بدأ الحاج (عبد الحميد الخليلى) حديثه، وهو يصف كيف كانت المفاجأة عنيفة قاسية، بعد أن راحت القيادة السياسية، لأسابيع عديدة، تصول وتجول، وتهدِّد العدو الصهيونى، وتتوعَّد بإلقاء (إسرائيل) فى البحر، وتطالب بسحب قوات الطوارئ الدولية، وتعلن أنها قادرة على دخول (تل أبيب)، خلال أيام قليلة من القتال..

ومع الخطب الحماسية، والكلمات الفخمة الرنَّانة، تفجَّر حماس الجماهير، واشتعلوا، وباتوا ينتظرون بدء الحرب؛ لتحطيم العدو، الذى يحتل (فلسطين) ويشرِّد أبناءها، ويهدد استقرار المنطقة كلها، منذ سنوات طوال..

ثم جاء صباح الخامس من يونيو 1967م، ووقعت الضربة العسكرية، ولكن فى عكس الاتجاه، الذى انتظره وتمناه الكل..

وفى أيام قليلة، اجتاح الجيش الإسرائيلى (سيناء)، قبل حتى أن يجد جيشنا الفرصة للقتال، والتصدِّى للعدو، فى ظلّ تخبّط القيادة، وضعف خبرتها ودراستها..

وكانت أسود لحظات العمر، كما يصفها (عبد الحميد الخليجى)، مؤسِّس المجموعة، وقائدها، وعقلها المفكِّر، عندما شاهد الجنود الإسرائيليين، وهم يقتحمون (العريش) ويقتلون كل من يعترض طريقهم، دون أدنى رحمة أو شفقة، حتى الأسرى من الجنود والضباط المصريين، الذين ألقوا أسلحتهم، بعد مقاومة عنيفة..

حتى هؤلاء، قتلهم جنود العدو بلا رحمة، وبلا أدنى احترام للمعاهدات والمواثيق الدولية..

وجرت الدماء الطاهرة أنهاراً، فى شوارع (العريش)، فى نفس الوقت الذى راح فيه جنود العدو يتجولون فى كل مكان، فى زهو ظافر منتصر، وهم يحملون أسلحتهم، التى يتصاعد الموت من فوهاتها، وقد أيقنوا من أنهم قد وضعوا أقدامهم الدنسة على أرض مصرية، ولن يغادروها بعد هذا قط..

وتفجَّر الغضب كالحمم، فى عروق (عبد الحميد)، ووجد نفسه يقسم فى أعماقه، على ألا يمنح جنود العدو الفرصة، للسير بهدوء واطمئنان فى شوارع مدينته، ما دام فى جسده عرق ينبض..

فى تلك الأيام العصيبة، كان بعض الجنود والضباط المصريين قد حوصروا فى مدينة (العريش)، بعد أن أصيبوا إصابات جسيمة، منعتهم من الانسحاب مع أقرانهم، ولما كان العدو يقيم مجزرة بشعة للأسرى، فقد قام بعض المواطنين بنزع الثياب العسكرية للضباط والجنود المصابين، ومنحوهم بدلاً منها ثياباً مدنية، ونقلوهم إلى المستشفى لتلقِّى العلاج، فى واحدة من أروع صور التعاون والتضامن، بين الجيش والشعب، فى أحلك الظروف والمواقف..

ومن وجهة نظر (عبد الحميد)، لم يكن هذا الإجراء كافياً، على المدى الطويل، إذ سرعان ما يستقر العدو فى المدينة، ويبدأ فى مراجعة أوراق المصابين، وفحص هوياتهم، وعندئذ ينكشف أمر الجنود والضباط المصابين، والله (سبحانه وتعالى) وحده يعلم، ما الذى يمكن أن يفعله بهم الإسرائيليون عندئذ..

وهنا كانت البداية..

ومن موقعه، كموظف ببلدية (العريش)، استطاع (عبد الحميد) الاستيلاء على بعض أوراق البطاقات الشخصية الرسمية، وختمها بخاتم النسر، ثم راح يصنع بطاقات زائفة لضباط وجنود الجيش المصابين، توحى بأنهم من الموظفين المدنيين، الذين كان أغلبهم - حينذاك - من خارج المدينة..

ويقول (سعد محمود) إنه، فى تلك الفترة، ذهب لزيارة صديق وزميل عمره (عبد الحميد)، فى منزله الكائن فى ذلك الشارع، الذى يحمل اسم شقيقه الشهيد (محمد عبد الله الخليلى)، ودار الحديث بينهما عما حدث، وعن مفاجأة الاحتلال، ثم طلب منه (عبد الحميد) بعدها أن يصحبه إلى مستشفى (العريش) الأميرى؛ لزيارة بعض المرضى..

وزار (سعد) المستشفى مع (عبد الحميد)..

زارها مرة.. ومرة.. ومرات عديدة، ليلاحظ أن الهدف الحقيقى، من تلك الزيارات، كان تقديم العون للضباط والجنود المصابين، وتزويدهم بالمال، والأزياء المدنية، والبطاقات الشخصية، التى أتاحت لهم مغادرة (العريش)، لاستكمال علاجهم فى (القاهرة)، عن طريق الصليب الأحمر، باعتبارهم من المدنيين..

وصارح (سعد) صديق عمره بما لاحظه، فأبلغه (عبد الحميد) صراحة أنه يرغب فى تعاونه معه، للتصدِّى للاحتلال، بكل الوسائل والسبل المتاحة..

فى تلك الليلة، سهر (عبد الحميد) و(سعد) معاً حتى الصباح، فى منزل الأوَّل، ودار بينهما حديث طويل، ومناقشات مستفيضة؛ لدراسة ما يمكنهما عمله، ولوضع الأسس الأوَّلية لخطة الكفاح، التى ستستمر بعد هذا لسنوات وسنوات..

فى البداية، لم يكن أمامهما سوى كتابة وتوزيع المنشورات، التى تدعو المواطنين إلى الصمود، وتحثَّهم على التصدِّى للعدو، ومقاومته فى كل ما يسعى إليه، حتى لا يستقر به المقام فى (العريش)، ولا يهنأ له العيش فى (سيناء) أبداً..

ولأنه لم يكن لديهما ما يكفى ، من التمويل والإمكانيات، راح الصديقان يكتبان المنشورات بخط اليد، وينسخانها بأوراق الكربون العادية، بأعداد محدودة للغاية، حاولا التغلُّب على محدوديتها بنظام توزيع دقيق ومدروس، بحيث تؤدّى الغرض منها تماماً، لذا فقد راحا يضعانها فى الأماكن المزدحمة، والتى يقصدها الناس عادة، كالمساجد والأسواق والمقاهى، ويدسّونها فى منازل أولئك، الذين اشتهروا بالثرثرة، وبعدم القدرة على كتمان أية أسرار..

كان هذا يتطلَّب متابعة منتظمة لمشكلات المواطنين، فى ظلّ الاحتلال، والطرق على كل ما يمكن أن يثير اهتمامهم، ويستثير حماستهم فى الوقت ذاته..

وكانت النتائج مدهشة..

المنشورات جذبت اهتمام الكل بشدة، واعتبرها الجميع شعاع أمل، وسط ظلمة الاحتلال، فشغفوا بتداولها وترديدها، بل ونسخها وإعادة توزيعها أيضاً، مما أصاب العدو بهستيريا الغضب، فانطلق فى حملات مسعورة للتفتيش والاعتقالات ؛ بحثاً عن أصحاب المنشورات ، الذين اختاروا لأنفسهم اسم (لجنة أبناء "سيناء" الأحرار)..

اختيار الاسم نفسه كان دقيقاً للغاية، فقد ابتكره قائد التنظيم، وعقله المفكِّر، (عبد الحميد الخليلى)، باعتبار أنه من الضرورى أن يكون العمل أكبر من الاسم، وليس العكس..

ولأن الأمر كان أكبر وأصعب من أن يتولاَّه رجلين فحسب، فقد قرَّر (عبد الحميد) و(سعد) ضم عناصر أخرى للمجموعة، بشرط التأكُّد من أنها عناصر وطنية، نشيطة، قادرة على العمل فى صمت، من أجل الوطن..

وبينما يبحث الاثنان فيما حولهما، فوجئ (عبد الحميد) بزميل عمله (عادل محمد الفار)، ينفرد به فى مكتبه، ثم يعطيه بعض الأوراق، التى تحوى أبياتاً من الشعر الوطنى، الذى يهاجم العدو، ويطالبه بنسخها على الآلة الكاتبة، التى يعمل بها، لتوزيعها فى (العريش)، أسوة بأولئك الشباب الأحرار، الذين يثيرون جنون العدو بمنشوراتهم..

وعلى الرغم من أن (عبد الحميد) لم يتدرَّب قط على أساليب عمل المخابرات، ومن أن خبرته لا تتعدى كونه مجنداً سابقاً، إلا أن فطرته وذكاءه جعلاه يتعامل مع (عادل الفار) بمنتهى الحذر، ويسأله عن السر فى اختياره للقيام بعملية نسخ أبيات الشعر بالذات، فأجابه (عادل) بأنه يشعر فى أعماقه أنه وطنى مثله، وأنه لن يتردَّد أبداً فى العمل من أجل وطنه، إذا ما اقتضت الحاجة..

ورويداً رويداً، راح (عبد الحميد) يدرس شخصية (عادل)، وتعمّد أن يحذَّره ، من نشر وتوزيع تلك الأبيات، التى يمكن أن تثير غضب العدو، وتدفعه إلى الانتقام، ولكن (عادل) أصرّ على الموقف، وأكَّد له أن الموت فى سبيل الوطن شرف وواجب..

وهنا، صارحه (عبد الحميد) بالأمر، ولكنه لم يبلغه أن يرأس المجموعة، وإنما حدَّد له موعداً للقاءً فى منزله، فى الليلة نفسها..

وفى المساء، عرف (عادل الفار) الحقيقة، وطار قلبه من الحماس، وأقسم على الإخلاص والعمل، من أجل الوطن، وقرَّر مع (عبد الحميد) و(سعد) السعى لجذب عناصر وطنية أخرى للمجموعة..

والواقع أنه كان هناك آخرون، يعملون فى نشاط المقاومة نفسه، بسبل بسيطة ومتواضعة، وكان (عادل) على معرفة بهم، لذا فقد قرَّر أن يضمهم إلى المجموعة، ليصبح العمل جماعياً نشطاً..

وخطوة خطوة، وبذلك التروّى الحكيم، الذى اشتهر به (عبد الحميد) بدأت عملية دراسة للمرشحين، ثم تم اللقاء بهم واحداً بعد الآخر، لينضم إلى المجموعة (رشاد خليل حجاب)، و(فضل عبد الله حسين المغازى)، و(محمد حجاج مصطفى)..

وفى الليلة التى اجتمعت فيها المجموعة كاملة، لأوَّل مرة، أقسم الجميع على المصحف، بالحفاظ على أسرار التنظيم، وأسماء أعضائه، وعدم الإعلان عن طبيعته وأعماله، أو عن أية تنظيمات أخرى تتعاون معه، حتى بعد أن يتم التحرير، باعتباره عملاً خالصاً، لله والوطن..

وهكذا، اكتمل التنظيم، وتحدَّدت أهدافه، وتوسَّعت عملياته أيضاً..

وكبداية لهذا التوسُّع، أدرك الكل أن الاستمرار فى كتابة المنشورات، ونسخها بالكربون، لا يكفى لتحقيق الأهداف المطلوبة، لذا فقد قرَّرت المجموعة الحصول على ماكينة طباعة (استنسل)، وهى الوسيلة الوحيدة، التى كانت متاحة حينذاك..

ومع بعض الجهد، علموا بوجود ماكينة (استنسل)، فى إحدى المصالح الحكومية المتحفَّظ عليها، فأعدوا خطة للاستيلاء عليها ليلاً..

وفى المساء، استدرج بعض أفراد المجموعة غفير الحراسة بعيداً، فى حين استخدم الباقون مفتاحاً مصطنعاً، دخلوا به إلى المكان، وحملوا ماكينة الطباعة فى جوال قديم، لا يمكن أن يثير الشبهات، وأعادوا إغلاق المبنى، ثم أسرعوا إلى المكان الذى أعدوه لطباعة المنشورات، فى منزل (سعد عبد الحميد)، فى الشارع الرئيسى لمدينة (العريش)..

وبدقة مدهشة، تم وضع نظام دقيق للاجتماعات، التى تتم فى منزل (عبد الحميد)، بحيث يصل أفراد المجموعة وينصرفون، دون أن يشعر بهم أحد، فى نفس الوقت الذى تم فيه تجهيز مكان الطباعة، وتزويده بمخزن سرى، يمكن أن تختفى فيه الماكينة، ومستلزمات الطباعة، بحيث يصعب أن يعثر عليها العدو..

وبعقلية (عبد الحميد) المنظَّمة، تم تقسيم المدينة إلى ستة أقسام، بحيث يتولَّى كل منهم قسماً بعينه، يقوم بتوزيع نصيبه فيه من المنشورات، التى تضاعفت أعدادها عشرات المرات، مع وجود ماكينة طباعة (الاستنسل)..

وبعد كل مرة، كان أفراد المجموعة، يتفرّقون، ولا يلتقون ببعضهم البعض، حتى تنتهى هستيريا العدو، وتخف إجراءات أمنه العنيفة، ثم يجتمعون بعدها لمناقشة وتقييم ما حدث..

وكان العدو نفسه يمنحهم تقييماً واضحاً لما فعلوه؛ إذ كلما كانت لمنشوراتهم تأثيرات أقوى، كانت سلطات الاحتلال تتصرَّف بعنف أكثر، وشراسة أكبر، فتقوم بتمشيط المدينة، والسعى لاستعادة المنشورات من أيدى المواطنين بأى ثمن..

وفى واحدة من حملات الاعتقال، ثم إلقاء القبض على أحد أفراد المجموعة..

على (رشاد حجاب)..

واجتمع أفراد المجموعة على نحو عاجل، وناقشوا عملية اعتقال (رشاد)، دون أن تراودهم ذرة واحدة من الشك، فى أنه لن يشى بهم، مهما فعل الإسرائيليون معه أو به، وقرَّروا تكثيف حملاتهم ومنشوراتهم، طوال فترة اعتقاله، حتى تبتعد عنه الشبهات..

كانت فترة تضاعف خلالها الجهد، والنشاط.. والخطر أيضاً، ولكنها أثمرت نجاحاً منقطع النظير، عندما تم الإفراج عن (رشاد)، دون أن توجَّه إليه أية اتهامات..

وبعد الإفراج عن (رشاد) بفترة معقولة، دعا (عبد الحميد الخليلى) المجموعة إلى الاجتماع، لمناقشة ما ينبغى فعله، فى المرحلة التالية..

كان الجميع متحمسين للانتقال إلى مرحلة جديدة، ولكنهم رأوا أن أوَّل ما ينبغى فعله، هو السعى للاتصال بالقيادة السياسية فى (القاهرة)؛ لإبلاغها بمجهوداتهم، وتلقِّى أوامرها، فيما ينبغى فعله، فى المرحلة التالية من المقاومة..

ومن خلال وسائل شتى، ومساعدات وطنية صادقة، تم إرسال بعض الرسائل، التى وصلت إلى المسئولين، وإلى لجنة (سيناء) فى الاتحاد الاشتراكى، والتى قام أمينها - آنذاك - الأستاذ (عواد خليل أبو سلمة) بالرد عليها، وإرسال توجيهات بما ينبغى نقله إلى المواطنين، عبر منشورات مجموعة (العريش)..

ثم حدث أفضل اتصال، بالنسبة للمجموعة كلها..

اتصال مع إذاعة صوت العرب مباشرة، من خلال ابن (سيناء)، الأستاذ (حلمى البلك)، الذى أولى الأمر اهتماماً كبيراً، وبذل من أجله مجهوداً جباراً، خاصة وأنه كان يقدِّم فى تلك الفترة برنامجاً إذاعياً شهيراً، يحمل اسم (الشعب فى سيناء)، وكان يذيع منشورات وخطابات المجموعة فى برنامجه، الذى كانت تستمع إليه (سيناء) كلها، باعتبارها بيانات صادرة عن (لجنة أبناء سيناء الأحرار)..

ولا أحد يتصوَّر كم كان لهذا من أثر طيب وقوى، فى نفوس المجموعة كلها، حتى أنهم ما زالوا يحملون كل التقدير والاحترام إلى الأستاذ (حلمى البلك)، حتى هذه اللحظة..

وهناك أمر آخر، ولفتة كريمة أخرى، خفقت لها قلوبهم جميعاً، فى لك الفترة حالكة السواد..

ففى تلك الفترة، كان الزعيم الراحل (جمال عبد الناصر) يوجِّه دائماً فى خطبه السياسية تحية لأبناء الأرض العربية المحتلّة، فى (القدس) والضفة الغربية و(غزة)، دون أن يذكر أبناء (العريش)..

وفى رسالة منهم إلى (القاهرة)، أرسلت المجموعة عتاباً إلى الرئيس، وطالبته بإرسال تحياته إلى أبناء (العريش) أيضاً..

وفى أوَّل خطبه للرئيس (جمال)، أرسل التحية بالفعل إلى أبناء (العريش)؛ ليؤكِّد للأبطال أنه لم ينسهم، ولم تنسهم (مصر) أبداً..

تلك الخطوة أثلجت قلوب الرجال، وجعلتهم يتخذون قراراً، طال شوقهم وانتظارهم إليه..

قرار الانتقال بالعملية إلى مرحلة جديدة..

مرحلة الكفاح المباشر..

والمسلَّح.

*     *     *


إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (6 منشور)

avatar
ASHRAF MOSTAFA 02/02/2012 12:11:44
اجمل ايام التعاون والاخوة بين المصريين والهدف كان واحد ومفيش تضارب فى الاتجاهات ولا الانتماءات....اللهم جمع كل العرب المشتتين فكريا على راية الجهاد فى سبيلك وسبيل الدين والوطن
avatar
منار 18/06/2013 11:58:04
بالفعل فى أوقات الشدائد يظهر الرجال ..

تحية حب واحترام لكل مصرى شريف كافح ومازال يكافح من أجل وطنه ..
فهؤلاء هم الأبطال بحق
avatar
Konstantin 21/08/2013 16:04:33
Keep these arietlcs coming as they've opened many new doors for me.
avatar
EllMent 24/01/2019 14:13:09
Web Store For Cialis <a href=http://bpdrugs.com>cheap cialis online</a> Viagra Generic Wemon Cialis Effet Jeune Acheter Cialis Fiable Vendita Viagra Generico In Italia <a href=http://oc-35.com>buy propecia online uk</a> 40mg Levitra Macrobid Tablets Medication Cash Delivery Online Amoxicillin And Abnormal Menstual Cycles Viagra Without Prescription 400 Mg <a href=http://cure-rx.com>cialis without prescription</a> Where Can I Buy A Z Pack Online Compounding Amoxicillin Suspension Buy Orlistat Over The Counter
avatar
Lescere 16/02/2019 22:56:20
Nolvadex 20mg Amoxicillin Urinary Tract Levitra 20mg Best Price <a href=http://ilfrc.com>vender viagra</a> Zithromax Special Instructions Acquisto Levitra Originale Italia
avatar
Lescere 02/03/2019 06:03:22
Buy Prevacid Otc <a href=http://clanar.com>viagra</a> Cialis Generico Costo Mexico
المجموع: 6 | عرض: 1 - 6

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال