الرئيسية | ادهم | الفصل التاسع : علامة استفهام

الفصل التاسع : علامة استفهام

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفصل التاسع : علامة استفهام

 

" توَّصلنا  إلى المعلومات، يا سيادة الوزير...."...
التفت مدير المخابرات المصرية إلى نائبه، الذى نطق العبارة فى اهتمام، وبدا لحظات وكأنه شاردا بأفكاره بعيدا، قبل أن يقول فى بطء:
    -
حقا؟!
تقدَّم نائبه نحوه، ووضع النتائج أمامه، وهو يقول:
    -
سيادة العقيد استخدم مع المقدَّم -منى- جوازى سفر، أعدَّهما السيَّد -قدرى- لهما منذ عامين، كإجراء احترازى، عند الحاجة إليهما، وهما يحملان هوية بولندية، باسم السيَّد والسيَّدة -كازانسخى-، والمفترض أنهما قد تخطيا السبعين من العمر، وهذا سيمنحهما الكثير من التسهيلات، فى معظم مطارات العالم، وسيبرَّر أيضا حالة الضعف، التى لم تكن المقدَّم -منى- قد تجاوزتها بعد، عندما غادرا -مصر-.
سأله المدير فى انتباه، وقد فارقه شروده:
    -
إلى أين؟!
أجابه نائبه فى سرعة:
إلى -المجر- فى البداية، ثم إلى -تركيا-، ولقد فقدنا أثرهما بعدها تماما.
انعقد حاجبا المدير، وهو يقول:
    -
هذه واحدة من سمات -1-... لن يمكنكم العثور عليه، إلا لو قرَّر هو نفسه هذا.
لوَّح نائبه بيده، قائلا:
    -
الواقع أننا جميعا نشعر بالدهشة، من أمر جوازات السفر الزائفة تلك، فكل المطارات الحديثة الآن، تستخدم وسائل اليكترونية دقيقة؛ لكشف صحة جوازات السفر والتأشيرات، فكيف يتجاوز السيَّد -قدرى- هذا؟!
غمغم المدير، وقد استعاد شروده:
    -
ألم أخبرك إن -قدرى- عبقرية، يصعب تعويضها؟!
ثم اعتدل فجأة فى مقعده، وتساءل فى اهتمام:
    -
لقد أجرينا، قبيل اختفاء -1 بعض التحريات غير الرسمية، بشأن ابنه -آدم-، الذى انجبه من -سونيا جراهام-* أليس كذلك؟!
أومأ نائبه برأسه إيجابا، وهو يقول:
    -
بلى يا سيادة الوزير، ومن عجائب القدر، أن نتائج التحريات لم تصل، إلا عقب اختفاء سيادة العميد وزوجته.
مال المدير إلى الأمام، يسأله:
    -
وما الذى أسفرت عنه؟!
أشار النائب بيده، قائلا:
    - -
آدم صبرى- تم إلحاقه بمدرسة داخلية فى -بئر سبع-، تحت اسم -آدم سباسكى-، وباعتباره ابن مهاجر من رومانيا، يتميَّز بالثراء الفاحش، وكل الإجراءات تمت بمعرفة شابة صينية، وصفوها بانها بالغة الحسن.
تراجع المدير فى مقعده، ورفع سبَّابته، وهو يقول فى حزم:
-تيا-.
أشار النائب بيده مرة أخرى، هاتفا:
    -
بالضبط.
هزَّ المدير رأسه، وهو يعود إلى شروده بضع لحظات، قبل أن يقول فى حزم:
    -
اطلب من أحد رجالنا فى -إسرائيل-، أن يبحث أية تطوَّرات، بشأن -آدم صبرى-.
سأله النائب فى اهتمام:
    -
ما الذى تتوَّقعه يا سيادة الوزير؟!..
أجابه مدير المخابرات على الفور:
    -
مادمنا قد نجحنا فى التوَّصل إلى تلك المعلومات، فلن يعدم -1- وسيلة للتوَّصل إليها.
وصمت لحظة، قبل أن يضيف:
    -
واستعادة ابنه.
انعقد حاجبا النائب فى شدة، وكانه يعاتب نفسه، على أنه لم ينتبه إلى هذا، فى حين تابع مدير المخابرات فى حزم:
    -
وهذا يضيف خيطا آخر، فى رحلة البحث عن الرجل ... رجل المستحيل.
وكان على حق فى قوله هذا ...
تماما ...
*            *            *
دوت الرصاصة بصوت مسموع، وتردّد صداها وسط تلك المنطقة كثيفة الأشجار، وانتفض مع دويها جسد -قدرى- فى شدة ...
ولوهلة، توَّقع ان تكون الرصاصة قد اخترقت قلب -ريو-، واسقطته جثة هامدة....
وتوقّع أن تكون الرصاصة التالية من نصيبه هو ...
ولهذا فقد أغلق عينيه فى شدة ...
لحظة واحدة فقط ..
وخلال تلك اللحظة، سمع -تيا- تطلق سبابا باللغة الصينية، وسمع وقع أقدام تعدو، و ...
وفتح عينيه ...
وما أن فعل، حتى اتسعت عيناه عن آخرهما ...
فلقد كان اثنان من رجال -تيا- يتبادلان إطلاق النار، مع هدف يكمن فى نقطة، تصعب على عينه رؤيتها، فى حين كانت -تيا- تعدو مبتعدة، وأحد رجالها يعدو خلفها، ويستدير كل لحظة وأخرى، ليطلق النار نحو جسد قوى، يطاردهما فى استماتة ...
ولدهشته البالغة، كان جسد -ريو- ...
ولم يفهم -قدرى- ما يحدث !!...
لم يفهم أبدا...
فقبل أن يغلق عينيه، كانت الأمور معكوسة تماما ...
كان هو و -ريو- أرضا ...
و-تيا- تصوَّب مسدسها نحوهما ..
ولقد نطقت اسم -ادهم- ...
وضغطت الزناد ...
وأغلق هو عينيه فى قوة ...
فماذا حدث، خلال اللحظة، التى أغلق فيها عينيه؟!...
ماذا؟!...
كل ما استطاع إدراكه، فى هذه اللحظة، هو أن مابدا له كصدى رصاصة -تيا-، لم يكن كذلك ...
لقد كان دوى رصاصة أخرى، أطاحت بمسدسها، فور ضغطها الزناد ...
وربما لهذا لم تصب رصاصتها -ريو- ...
ربما !!..
سقط احد الرجلين، فى تلك اللحظة، برصاص الطرف الآخر، الذى مازال عاجزا عن رصده من مكانه، فاطلق الثانى رصاصتين، ثم انطلق يعدو وسط الأشجار، محاولا الفرار ...
وفى ارتباك مضطرب، حاول -قدرى- ان ينهض، ولكن جسده الضخم جعل هذا أشبه بلعبة رياضية أكروباتية معقدَّة، حتى شعر بيد قوية تمسك يده، وسمع صوتا شابا، يقول بالعربية فى لهفة:
    -
أأنت بخير يا سيَّد -قدرى- ؟!
رفع -قدرى- عينيه إلى -نادر-، ضابط المخابرات المصرى، الذى أضاف فى ارتياح:
    -
من حسن الحظ أننى واصلت مراقبتك .
اعتمد -قدرى- على يده القوية لينهض، ونفض الغبار عن ثيابه، وهو يغمغم:
    -
كان من المفترض أن تغضبنى مطاردتك لى، على الرغم من إراداتى.
 
والتقط نفسا عميقا، قبل أن يضيف:
    -
ولكننى سعيد فى الواقع أنك قد فعلت.
ربَّت -نادر- على كتفه، قائلا:
    -
أنت قيمة أكبر من ان نجازف بها يا سيَّد -قدرى-.
دوى صوت رصاصة من بعيد، فى تلك اللحظة، فالتفت -نادر- إلى مصدرها فى تحَّفز وهو يشهر مسدسه مرة ثانية، فى حين امتقع وجه -قدرى-، وهو يغمغم فى شحوب:
    -
رباه!... -ريو-.
قال -نادر- مستنكرا:
    -
عميل المخابرات السوفيتية؟!
أجابه -قدرى- فى قلق:
    -
لقد جازف بالكثير لحمايتى، كما لو كنت شقيقا له.
القى عليه -نادر- نظرة مستنكرة أخرى، مكررَّا:
    -
ولكنه عميل للمخابرات السوفيتية.
ثم لوَّح بيده، مضيفا:
    -
من ادراك أن كل ما يفعله ليس سوى خدعة، لكى تقوده إلى سيادة العميد؟!
قبل أن يهم -قدرى- بالإجابة، برز -ريو- من بين الأشجار، وهو يلهث، قائلا:
    -
لقد أفلتوا منى .
انعقد حاجبا -نادر-، وهو يتطلَّع إليه بمنتهى الشك، ولكن -ريو- أشار إليه، قائلا:
    -
أأنت السيَّد الذى أنقذ حياتى؟!
واندفع نحو -نادر-، وهو يمد يده إلى الامام، هاتفا:
    -
-ريو- يحمل لك كل الشكر والامتنان.
تجاهل -نادر- اليد الممدودة نحوه، وهو يقول:
    -
لماذا فر هؤلاء الثلاثة أمامك؟!
شد -ريو- قامته، ولم يبد عليه التأثر، من تجاهل -نادر- لمصافحته، وضرب صدره بقبضته، قائلا:
    -
إنهم يفرون أمام -ريو- ... الملك .
قال -نادر- فى صرامة:
    -
رجل أعزل، وثلاثة من المسلحين!!... هل يبدو لك ذلك طبيعيا؟!
ألقى السؤال ظلال الشك، فى نفس -قدرى-، الذى نقل بصره بين الرجلين، فى حين بدت الحيرة على وجه -ريو-، وهو يقول:
    -
ليس طبيعيا بالتأكيد... لماذا فر ثلاثة من المسلحين أمامى فى رأيك؟!
قال -نادر- بكل الصرامة:
    -
أجبنى أنت؟!
مطَّ -ريو- شفتيه، ولوَّح بيده، قائلا:
    -
لست أجد تفسيرا منطقيا .
رمقه -نادر- بنظرة ملئوها الشك، قبل أن يلتفت إلى -قدرى-، ويقول بالعربية فى حزم:
    -
الأفضل أن ترافقنى يا سيَّد -قدرى-؛ فلم أعد أشعر بالاطمئنان، فى وجودك بصحبة رجل، أشبه بحقيبة من الغموض والأسرار.
نقل -قدرى- نظرة بين الرجلين مرة أخرى، قبل أن يغمغم فى خفوت بالعربية:
    -
ولكن -أدهم- أرسله .
انتفض جسد -نادر-؛ لدى سماعه الأسم، وهتف بانفاس مبهورة:
    -
سيادة العميد ؟!
وبكل انفعاله، أمسك يد -قدرى- مضيفا:
    -
هل أبلغك سيادة العميد -أدهم- بهذا؟!... متى وأين وكيف؟!... هل التقيت به؟!... أهو على قيد الحياة؟!
بدت حيرة متوترة على ملامح -ريو-؛ عندما ازاح -قدرى- يد -نادر- فى حدة، وهو يهتف:
    -
إنك تؤلمنى.
افلت -نادر- يده، وهو يقول فى انفعال مرتبك:
    -
معذرة يا سيَّد -قدرى-، ولكن الحديث عن سيادة العميد -أدهم-، أسطورة عالمنا، أصابنى بانفعال، لم يمكننى السيطرة عليه.
غمغم -قدرى-، وهو يختلس نظرة إلى -ريو-:
    -
لقد كان فى انتظارى فور خروجى من مطار -أورلى- فى -باريس-، وكان يحمل صورتى، حتى يمكنه تعرَّفى.
سأله -نادر- فى حذر:
    -
وكيف عرفت أن سيادة العميد من أرسله؟!
أجاب -قدرى- فى سرعة، لم تخل من التوتر:
    -
هو أخبرنى.
تساءل -نادر-، وانفعاله يتصاعد:
    -
سيادة العميد؟!
شعر -قدرى- بقليل من الحرج، وهو يجيب:
    -
بل -ريو- نفسه.
تمتم -ريو- فى عصبية، عند سماع اسمه:
    -
تتحدثان عن -ريو-؟!
رمقه -نادر- بنظرة شك عصبية، قبل أن يسأله فى عدوانية واضحة:
    -
من أرسلك لانتظار السيَّد -قدرى- فى المطار يا هذا؟!
انعقد حاجبا -ريو-، وهو يلتفت إلى -قدرى- بنظرة معاتبة، فغمغم هذا الأخير، وهو يشيح بوجهه:
    -
يمكنك أن تخبره.
تردَّد -ريو- لحظات، قبل أن يجيب فى ضيق:
    -
-لو جراند-.
ساله -نادر- فى دهشة:
    -
من؟!
غمغم -قدرى-:
    -
-لو جراند- ... أى الكبير ... هذا ما يصف به -ادهم-.
انعقد حاجبا -نادر- لحظة، قبل ان يقول فى صرامة:
    -
ومن ادراك؟!
التفت إليه -قدرى- فى دهشة، فتابع بنفس الصرامة:
-
ماذا لو كان مصطلحا، يشار به إلى زعيم منظمة إجرامية، أو ضابط مخابرات لدولة معادية؟!
ارتبك -قدرى-، وبدا له السؤال منطقيا للغاية، فغمغم:
    -
كنت على وشك سماع الوصف الكامل منه، لشخص -لو جراند- هذا، عندما باغتتنا تلك الصينية.
انعقد حاجبا -نادر- لحظات أخرى، قبل ان يلتفت إلى -ريو-، ويساله وهو يتحسَّس مسدسه فى حذر:
    -
صف لى -لو جراند- هذا يا رجل.
هزَّ -ريو- كتفيه، وقال فى بساطة:
    -
إنه طويل القامة نسبيا، عريض المنكبين، ممشوق القوام، لديه ثقة بالغة بنفسه، ولهجة تجبرك على طاعته.
غمغم -قدرى- فى انفعال:
    -
-أدهم-.
واصل -ريو-، وكأنه لم يسمعه:
ولقد تجاوز الستين من العمر بقليل، و ...
قاطعه -قدرى- مبهوتا:
    -
الستين.
قال -ريو- فى ارتباك:
    -
كنت أتصوَّر أنك تعلم هذا.
لوَّح -نادر- بيده، وقال فى صرامة:
    -
دعك من مسألة العمر هذه يا رجل؛ فمن نسألك عنه سيبدو فى أى عمر يريد، ولكن أخبرنى، ماذا طلب منك بالضبط؟!
أشار -ريو- إلى -قدرى-، قائلا:
    -
أن ألتقى بالمسيو، وأكون برفقته طوال الوقت، بأية حجة أشاء، وان أحميه بحياتى، لو أقتضى الأمر، حتى يقرَّر وحده العودة إلى وطنه.
تبادل -قدرى- و-نادر- نظرة صامتة، مفعمة بالانفعالات، قبل أن يغمغم الاوَّل مكرَّرا:
    -
-أدهم- .
التفت -نادر- إلى -ريو- مرة أخرى، وسأله فى اهتمام:
وكيف تلتقى به يا هذا؟!
هزَّ -ريو- رأسه، قائلا:
    -
هو الذى يختار الوسيلة والتوقيت دوما.
مال -نادر- نحوه، يسأله فى لهجة جديدة:
    -
وماذا لو أردت أن تخبره أية تطوَّرات، بشأن السيَّد -قدرى-؟!
بدا وكأن السؤال قد جاء مفاجئا لسائق التاكسى الفرنسى، فقد تراجع مبهوتا، وراح ينقل بصره بين -نادر- و-قدرى- عدة مرات، قبل أن يكررَّ -نادر- سؤاله فى صرامة:
    -
ماذا عليك أن تفعل عندئذ؟!
صمت -ريو- لحظات، ثم قال فى بطء:
    -
سأخبركما ...
وكان ما أخبرهما به عجيبا ومدهشا ...
وللغاية...
*            *            *
للمرة الثالثة، حاولت ذات اليد الناعمة عبثا، الاتصال بمساعدتها الصينية الحسناء -تيا-، إلا أنها لم تنجح فى هذا، فألقت هاتفها على فراشها الوثير فى حدة، وهى تهتف:
    -
ما الذى يعنيه هذا؟!
كان آخر ماوصلها، من -تيا- فى -مارسيليا-، أنها ورجالها يطاردون ذلك السائق الفرنسى، صاحب الأصل اللاتينى، والذى يحمل -قدرى- فى سيَّارته طوال الوقت، باعتبار أن مهارته توحى بأنه -أدهم- الفعلى متنكرا...
ثم انقطع الاتصال، حتى لا تنتقل -تيا- عن المطاردة..
والآن لا يجيب هاتفها ...
أبدا ...
فماذا حدث؟!...
ماذا؟!...
ماذا؟!..
بدأ ذهنها يرسم دائرة الاحتمالات، ويرصَّ المعطيات إلى جوار بعضها البعض؛ فى محاولة لفهم سر عدم استجابة -تيا-...
وكانت احتمالات لا حصر لها، بدءا من احتمال فقدها لهاتفها، وحتى احتمال سقوطها فى قبضة -أدهم- ...
هذا لو أن ذلك السائق، هو بالفعل -أدهم صبرى-..
كانت تشعر بالتوتر، الذى تضاعف عند وصولها إلى هذه النقطة الأخيرة، فعادت تتساءل من منظور جديد ...
أهو بالفعل -أدهم-؟!...
أمن الممكن أن يكون كذلك؟!...
لقد رصده رجالها، عند وصول -قدرى- إلى مطار -أورلى-، وشاهدوا -قدرى- يجذب شعره فى قوة، على نحو يوحى بأن الشكوك نفسها قد راودته، فى المرحلة الأولى ... ولم يفترقا منذ ذلك الحين ..
فكيف يمكن أن يكون هو نفسه -أدهم-؟!...
كيف؟!..
تبَّدل توَّترها إلى غضب، عندما بدت لها هذه الحقيقة، فغمغمت فى حنق:
    -
يالك من لاعب ماهر يا -أدهم-!...
لقد أرسل ذلك السائق بالتحديد، بما له من خبرة فى عالم المخابرات، حتى يصير سلاحا تمويها ممتازا، يصرف عنه الأنظار...
ولكن لو أن هذه هى الحقيقة، فأين هو؟!...
ولماذا يريد صرف الأنظار عنه؟!...
ما الذى يخطَّط له؟!...
تصارعت الأسئلة فى ذهنها طويلا، قبل أن تشعل سيجارتها، وتنفث دخانها فى عصبية، ثم تلتقط هاتفها مرة أخرى، وتطلب رقما جديدا، وما أن سمعت صوت محدَّثها، حتى قالت بكل الصرامة:
    -
-فرانسوا- ... إنه أنا ... اسمعنى جيَّدا، ونفذ ما سآمرك به على الفور، ودون إضاعة لحظة واحدة... لا ... لن تبقى فى -مارسيليا-... اجمع كل رجالنا فى -فرنسا- كلها، واصنع منهم جيشا صغيرا، يتجه كله إلى هدف واحد ...لا ... انس أمر ذلك السائق ...إن كنا لم ننجح فى جذب غريمنا؛ لمحاولة حماية صديقه، فمن المؤكَّد اننا سننجح فى إخراجه من مكمنه؛ للانتقام له ... نعم ... لقد فهمتنى... سينطلق جيشك الصغير، فور تكوينه، نحو هدف واحد... قتل -قدرى- ... وبأية وسيلة ممكنة.
قالتها، ونفثت دخان بكل الانفعال...
وكل الشر ...
بلا حدود...
*            *            *
"
جهاز رصد..."...
هتف -نادر- بالعبارة فى دهشة، وارتفع حاجبا -قدرى- عن آخرهما، وهو يقول فى انفعال:
هل تعنى أنه يتابع كل ما يحدث، منذ وضعت قدمىَّ فى سيارتك؟!
أومأ -ريو- برأسه إيجابا، وهو يقول:
    -
بالتأكيد مسيو ...-لو جراند- يتابع كل شئ، وبأكثر من وسيلة ... لو رفعت مسجَّل السيارة من مكانه، ستجد خلفه جهاز استماع قوى، وفى الحقيبة الخلفية، يوجد جهاز تعقَّب، بالأقمار الصناعية ...
وصمت لحظة، هزَّ خلالها كتفيه، قبل أن يشير إلى السيارة، متابعا:
    -
هذه حتى ليست سيارتى... إنها تحمل نفس الأرقام، ونفس المواصفات، ولكنها سيارة أعدَّها -لو جراند-، وزوَّدها بكل ما يحتاج إليه؛ ليبقى على اتصال بالموقف، فى كل لحظة.
تطلَّع -قدرى- و-نادر- إلى السيارة فى دهشة، ثم غمغم الأوَّل:
    -
لهذا لم تبال كثيرا، عندما أمطروها بالرصاصات!!...
هزَّ -ريو- كتفيه، وابتسم دون أن يجيب، فقال -ريو- فى صرامة:
    -
هل تعنى أنه يسمع حديثنا الآن؟!
تردَّد -ريو- لحظة، ثم قال فى حذر:
    -
يفترض هذا .
اتجه -نادر- نحو السيارة فى حزم، ومال وكأنه يحدَّثها، قائلا بالعربية:
    -
سيادة العميد ... لو أنه أنت، فكلنا نناشدك أن تظهر، وأن تزيل علامة الاستفهام، التى تحيط بمصيرك، ومصير سيادة المقدَّم -منى توفيق-.
صدر صوت أزيز خافت من السيارة، فاعتدل -نادر- فى حركة حادة، وانعقد حاجبا -قدرى- فى شدة، فى حين هتف -ريو-:
    -
-لو جراند- لا يحب أن يتحدّث إليه أحد مباشرة، سوى -ريو-
التفت إليه -نادر- بحركة حادة، وغمغم فى خفوت:
           -
كذب .
شد -ريو- قامته، وهو يقول فى غضب:
           -
-ريو- لا يكذب أبدا.
ابتسم -نادر-، وهو يقول فى ارتياح:
          -
المشكلة أننى نطقتها بالعربية .... ياسيادة العميد.
انعقد حاجبا -ريو- فى شدة، وحدّق فيه -قدرى- ذاهلا، وهو يغمغم:
          -
رباه.
وبكل انفعاله، اندفعت يده تجذب حاجب -ريو- الكث، ثم تراجع وجسده كله يرتجف انفعالا، فى حين لهث -نادر- بأنفاس مبهورة؛ فالمفاجأة كانت عظيمة ...
بحق.
*            *            *

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (1 منشور)

avatar
أبوهاني رضا 06/06/2014 03:49:49
جميل جدا يا دكتور
تثير إعجابي إلى حد مذهل.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال