الرئيسية | ادهم | الفصل الرابع : غموض

الفصل الرابع : غموض

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفصل الرابع : غموض

" لقد  التقينا فى القرية النوبية المصرية ... اليس كذلك؟!..."..

ابتسم -هانز- ابتسامة عريضة، وهو يلقى هذا السؤال على -قدرى-، فى الطائرة التى تقلهما معا إلى -باريس-، فالتفت إليه -قدرى- فى تساؤل، قبل أن يقول فى حذر:

- كنت تلتقط بعض الصور هناك، حسبما أذكر.

أجابه -هانز-، فى حماس مصطنع:

- بالضبط .

ثم أضاف، وهو يمد يده إليه :

- -هانز جريشن- ... أعمل كمصوَّر محترف، لمجلة -ناشيونال جيوجرافيك- الأمريكية .

صافحه -قدرى-، وهو يجيب بنفس الحذر:

- -قدرى- ... فنان من -مصر-.

واصل -هانز-، بنفس الحماس المصطنع:

- رائع ... إنها المرة الأولى، التى التقى فيها فنانا مصريا ... فى أى مجال تخصصت إذن؟!

أجابه -قدرى- فى اقتضاب، محاولا إنهاء الحديث:

- فن الخط .

حاول -هانز- مواصلة الحديث، وهو يقول:

- أترى أنه فن مناسب لهذا العصر، بعد إبداعات الكمبيوتر فى هذا المجال؟!

أجاب -قدرى- بنفس الاقتضاب، وهو يشيح بوجهه نحو النافذة:

- نعم .

أدرك -هانز- أن -قدرى- لا ينوى مواصلة الحديث، فربت على كتفه، قائلا:

- سعيد بلقائك يا سيد -قدرى-.

ثم اعتدل فى جلسته، مخفيا ابتسامة ظافرة على شفتيه ...

لقد أدّى دوره فى نجاح، وغرس ذلك الدبوس الدقيق فى سترة -قدرى- ...

فعبر ذلك الجهاز الأليكترونى بالغ الدقة فيه، أصبح من الممكن تعَّقب -قدرى-، وسماع كل أحاديثه، فى أى مكان إليه ...

أيا كان ...

* * *

لم يصدَّق رجل المخابرات المصرى ما رأته عيناه، عندما استعاد وعيه، على ذلك الرصيف الهادئ، فى ميناء مارسيليا ...

لقد تلقى ضربتين، فقد على إثرهما وعيه، وكان من الطبيعى أن يسيطر مهاجميه على الموقف كله...

ولكن ما يراه كان يوحى بالعكس تماما ...

ذلك الشيخ الغجرى كان يجلس فى موضعه كما هو، وإن ارتسمت على وجهه علامات دهشة وفزع واضحة ...

وعلى بعد خطوات منه، سقط رجل فاقد الوعى ...

وعلى مسافة ثلاثة أمتار، سقط رجل آخر، فى الوضع نفسه ...

وفى دهشة، نهض رجل المخابرات المصرى، يسأل الشيخ الغجرى:

- ماذا حدث؟!

أجابه الرجل، فى ذهول عجيب:

- إله الغجر .

انعقد حاجبا رجل المخابرات المصرى، مع غرابة الإجابة، وهو يقول فى توتر:

- لا يوجد إله للغجر، وإله لغيرهم يا رجل ... هناك إله واحد للكون كله.

مال الشيخ نحوه، وهو يقول بنفس الذهول:

- ولكننى رأيته ... هبط لينقذك وينقذنى.

سأله رجل المخابرات فى صرامة:

- ماذا حدث بالضبط يا رجل؟!

قلب الشيخ كفيه عدة مرات، قبل أن يشير إلى أحد الرجلين فاقدين الوعى، قائلا:

- كان هذا يصوَّب سلاحه إلىَّ، أما الآخر، فكان يهم بإطلاق النار على رأسك، عندما هبط هو عليهما كصاعقة أنجبتها السماء.

بدت الحيرة على وجه رجل المخابرات المصرى، وهو ينقل بصره بين الرجلين فاقدى الوعى، فى حين تابع الشيخ، وكأنه يصف مشهدا أسطوريا:

- لم تستطع عيناى متابعة ما حدث ... لقد حاولا المقاومة، ولكنه أطاح بهما بسرعة مدهشة، وبقبضتين أشبه بالقنابل، ثم انحنى بعدها يفحصك، قبل أن يبتسم فى وجهى، قائلا: " جوزى ترسل تحياتها..."

عاد رجل المخابرات المصرى يعقد حاجبيه، وهو يغمغم:

- -جوزى-؟!

رفع الشيخ يده إلى أعلى، وهو يقول فى خشوع:

- هى أرسلته ... مازالت ترعانا، كما كانت تفعل وهى بيننا.

قال رجل المخابرات المصرى فى عصبية:

- ماذا تقول يا رجل؟!... لست أفهم شيئا مما تعنيه!

خفض الشيخ بصره إليه، وقال:

- -جوزى- كانت تداوينا دوما، ولا تتردَّد فى الانتقال من مكان إلى آخر، استجابة لمن يطلبها.

سأله رجل المخابرات فى اهتمام:

- كما سافرت إلى -مصر- ؟!..

حدق الشيخ فى وجهه لحظات، قبل أن يلوَّح بيده، قائلا:

- -جوزى- لم نسافر إلى خارج -فرنسا-، حتى آخر يوم فى حياتها.

امتزجت الدهشة بالتوتر، فى ملامح رجل المخابرات المصرى، وهو يقول:

- ما الذى تعنيه بالضبط يا رجل؟!

عاد الشيخ يميل نحوه، وهو يقول:

- -جوزى- لم تعد بيننا ... لقد فاضت روحها، منذ ما يزيد عن العام ...

وتراجع رجل المخابرات المصرى فى حركة حادة ...

فما يقول ذلك الشيخ لم يكن يتفق مع كل ما لديه من معلومات ...

على الإطلاق ...

* * *

" مستحيل !...."

هتف مدير المخابرات المصرية بالكلمة فى ذهول، عندما قرأ عليه نائبه تلك البرقية العاجلة، التى وصلت من -مارسيليا-، والتقطها من يده يطالعها بنفسه مرة أخرى، قبل أن يقول:

- ماذا إذن عما لدينا من معلومات؟!... وماذا عن قوائم الوصول، التى تحمل بيانات جواز سفرها ...

أجابه نائبه فى تردَّد:

- البيانات تحمل اسم -جوزفين نابليون- وصورة إمرأة عجوز، مع مراعاة أن أحدا منا لا يعرف فعليا كيف تبدو ... سيادة العميد وحده رآها، ولم يرها أحد منا .

انعقد حاجبا المدير، وهو يقول:

- وماذاعن قاعدة البيانات الفرنسية؟!

أجابه على الفور، وكأنه كان ينتظر السؤال:

- السفارة الفرنسية تعاونت معنا كثيرا فى هذا الشأن، وعلمنا أنه توجد اثنتى عشرة أمرأة فرنسية، تجاوزت السبعين من عمرها، وتحمل الاسم نفسه، وتلك التى توافقت بياناتها، مع بيانات جواز السفر لدينا، لا تنتمى فعليا لعالم الغجر، بل هى زوجة لتاجر نبيذ قديم فى -ليل-.

تراجع مدير المخابرات فى مقعده، وقد ازداد انعقاد حاجبيه، وراح يفكَّر فيما سمعه فى اهتمام شديد، فى حين أبرز نائبه ورقة أخرى، وهو يقول:

- لم يكن هذا وحده ماوردنا من -مارسيليا-، فرجلنا هناك تعرَّض لهجوم مجهول، والتقرير الذى أرسله، يحوى تفاصيل مثيرة للاهتمام.

وضع الورقة أمام المدير، الذى التهمها بعينيه فى سرعة، ثم اعتدل فى حركة حادة، وهو يقول بكل الانفعال:

- ما الذى يعنيه هذا ؟!

غمغم نائبه فى حذر:

- القتال الذى وصفه ذلك الغجرى الشيخ، يشبه كثيرا أسلوب ..

قاطعه المدير بنفس الافعال، مكملا:

- -1- .

أومأ النائب برأسه إيجابا، مغمغما:

- بالضبط .

التقت نظراتهما، حاملة نفس الدهشة الحائرة، والتى اتفقت على أن ما يحدث هو بالفعل غامض وعجيب ...

للغاية ...

* * *

فجأة، وعلى الرغم من الخطط، التى رسمها فى ذهنه، طوال رحلته، من -القاهرة- إلى -باريس-، شعر -قدرى- بحيرة كبيرة، وهو يقف خارج مطار -أورلى- ...

لقد قاده حماس البحث عن -أدهم- و-منى- إلى هنا ...

فما هى الخطوة التالية ؟!..

وقف مرتبكا، حاملا حقيبة الصغيرة، يتلفَّفت حوله فى حيرة، عندما سمع صوت -هانز- من خلفه يقول:

- سيَّد -قادر- ... هل تحب أن أوصلك إلى أى مكان؟!

انعقد حاجبى -قدرى-، وهو يقول:

- -قدرى- ... اسمى -قدرى-، وأشكرك ... لدى خطط قد لا تتفق مع مسارك.

حجب -هانز- ابتسامة ساخرة فى أعماقه، وهو يلوَّح بيده، قائلا:

- فليكن ... اتعشَّم ان يجمعنا لقاء آخر، أيها الفنان المصرى.

أجابه -قدرى- بإيماءة خفيفة مقتضبة من رأسه، قبل أن يشيح بوجهه، مغمغما:

- والأن ماذا عليك أن تفعل يا -قدرى-؟!... هل تستقل القطار مباشرة إلى -مارسيليا-، أم ...

قاطعه صوت يتحَّدث إليه بالإسبانية، فى حماس شديد، فالتفت إلى رجل خمرى البشرة، كث الحاجبين، كثيف الشعر، راح يلوَّح له بيديه، وهو يواصل حديثه بالإسبانية بنفس الحماس، فانعقد حاجبى -قدرى-، وهو يقول:

- لست أفهم الإسبانية يا رجل .

قالها بالفرنسية، التى يجيدها إلى حد كبير، فارتفع حاجبى الرجل الكثين، وهو يقول:

- عجبا ... لقد بدوت لى اسبانيا يا مسيو ...

أشاح -قدرى- بوجهه، وهو يغمغم:

- كلا ... لست كذلك .

قال الرجل فى مرح:

- ولكنك تجيد الفرنسية، وهذا سيجعل الأمور أيسر.

عاد -قدرى- يلتفت إليه، متسائلا:

- أية أمور؟!

أشار الرجل إلى سيارة من سيارات الأجرة، تقف على مقربة، وهو يقول:

- أنت تبحث عن تاكسى .. اليس كذلك؟!... أنا -ريو- ... ملك سائقى التاكسى فى -باريس- ... أخبرنى فقط أين تريد الذهاب، وستجد الملك رهن إشارتك.

عاد -قدرى- يشيح بوجهه، قائلا:

- لست أظن هذا ... لن أذهب فعليا إلى اى مكان فى -باريس-.

هتف -ريو- فى حماس:

- وماذا فى هذا؟!... الملك سيظل رهن إشارتك ... هل ترغب فى الذهاب إلى -كاليه- ....-ليل-؟!

التفت إليه -قدرى-، يتأمله لحظات، قبل ان يقول فى حذر:

- وماذا عن -نارسيليا-؟!

بدا -ريو- مسرحيا، وهو يلوَّح بيديه، هاتفا:

- -مارسيليا- ... عروس البحر .. كم سيسعدنى أن أقلك إليها يا مسيو.

ثم مال نحوه فجأة، مستدركا فى حذر:

- لو أنك ستتعامل بسخاء بالطبع .

أجابه -قدرى-، وهو يتامله مرة أخرى، فى اهتمام شديد:

- ستحصل على كل ما تبتغيه .

هتف -ريو-، بنفس الاسلوب المسرحى:

- عظيم ... -ريو- سينطلق بك إلى الجنة لو أردت، مادمت بهذا السخاء.

لم ينتبه -قدرى لعبارته الأخيرة، وهو يعاود تأمله بكل الدقة ...

بشرة خمرية ...

حاجبان كثّان ...

شعر كثيف ...

أوقف تفكيره دفعة واحدة، وهو يعتدل فى وقفته، ويقول فى بطء، متابعا -ريو-، وهو يحمل حقيبته الصغيرة إلى السيارة:

- هل سننطلق فورا يا ....-أدهم-؟!

ضغط حروف اسم -أدهم- فى قوة، فتوَّقف -ريو- دفعة واحدة، واستدار إليه فى بطء...

والتقت عيونهما ...

مباشرة ...

* * *

" لن يكون الأمر أبدا بهذه السهولة ..."...

قالتها ذات اليد الناعمة، فى هدوء واثق، جعل -تيا- تعقد حاجبيها، قائلة، فى شئ من الحدة:

- ولن يكون مستحيلا أيضا ... الرجال توصلوَّا إلى شيخ غجرى، يقال أنه كان أقرب صديق لـ -جوزى- هذه، ولكنهم تعرضوَّا لهجوم عنيف، أفقدهم الوعى، وعندما استعادوا وعيهم، لم يجدوا له أدنى أثر.

مطَّت ذات اليد الناعمة شفتيها فى ازدراء مستنكر، وهى تقول:

- أغبياء .

ثم استطردت فى حزم:

- ولكننى كنت واثقة منذ البداية، ان العثور على -أدهم- وزوجته، لن يكون بالأمر السهل؛ لأننا نتعامل مع محترف من طراز متميَّز جدا، يجيد انتحال أية شخصية يريدها، ولديه سعة حيلة، تكاد تكون مذهلة.

قالت -تيا-، فى سخرية عصبية:

- تتحدَّثين عنه، كما لو كان أسطورة.

اجابتها فى حزم:

- إنه كذلك بالفعل.

بدا الغضب على وجه -تيا-، وهى تقول:

- لو أنه كذلك، لما أمكننى الوصول إلى قلب حفل زفافه، و ...

قاطعتها فى صرامة:

- هل سنواصل الحديث عن انتصارك هذا إلى الأبد؟!

أشاحت -تيا- بوجهها فى غضب محنق، تجاهلته ذات اليد الناعمة تماما، وهى تضغط زرا إلى جوارها، قائلة:

- دعينا نستمع اوَّلا إلى إذاعتنا المحلية الخاصة.

مع ضغطة الزر، انبعث صوت -قدرى-، وهو يقول:

- هل سننطلق فورا يا ... -أدهم-؟!

انعقد حاجبا -تيا- فى شدة، فى حين اعتدلت ذات اليد الناعمة فى حركة حادة، هاتفة فى انفعال:

- -أدهم-؟!

غمغمت -تيا-، فى انفعال مماثل:

- إذن فهو حى بالفعل.

مضت لحظات من الصمت، قبل ان ينقل جهاز الاتصال الدقيق، فى سترة -قدرى-، صوت -ريو-، وهو يقول فى حيرة:

- لم أفهم عبارتك جيَّدا يا مسيو .

أجابه -قدرى- فى هدوء، باللغة العربية:

- تنكَّرك لم يخدعنى يا صديقى.

وحيث يجرى هذا الحوار، بدت حيرة أكبر، على وجه -ريو-، وهو يسأل فى تردَّد:

- ألغة عبرية هذه؟!

مال -قدرى- نحوه، وابتسم وهو يهمس بالعربية:

- فليكن ... سنحافظ على سرية هويتك هنا، ولكن عندما نكون وحدنا ...

بتر عبارته دفعة واحدة، مع ذلك المزيج من الدهشة والتوتر والحيرة، والذى بدا طبيعيا تماما، وهو يرتسم على وجه السائق الفرنسى، فحَّدق فيه -قدرى- لحظة، وهو يغمغم متوترا:

- رباه! ... هل ...

مرة اخرى لم يتم عبارته، وهو يمد يده فى حذر، ليجذب شعر -ريو- الكثيف، فتأوَّه هذا الأخير فى ألم، وتراجع هاتفا:

- مسيو ؟!

وتراجع -قدرى- أيضا فى عصبية، عندما بدا له من الواضح ان الشعر طبيعى للغاية، وحدَّق فى حاجبى -ريو- الكثين، وهو يغمغم بالفرنسية:

- معذرة، ولكننى تصوَّرت لحظة أن ...

مرة ثالثة لم يكمل عبارته، فسأله -ريو- فى حذر:

- أن ماذا يا مسيو؟!

واصل -قدرى- التحديق فيه لحظة، قبل أن يلوَّح بيده، قائلا:

- أن هذا الشعر مستعار؛ فأنا خبير فى تصفيف الشعر، ولم أر يوما شعرا بهذه الكثافة.

اعتدل -ريو-، وهو يجذب شعره فى قوة، قائلا فى زهو:

- إنه إرث عائلى يا مسيو ... والدى وجدى مازالا يتمتعان بشعر كثيف، فى هذه المرحلة من العمر.

أشار -قدرى- إلى حاجبيه، متسائلا فى حذر:

- والحاجبان الكَّثان أيضا؟!

مال -ريو- نحوه، وهو يجذب أحد حاجبيه الكثين، قائلا فى افتخار:

- إنها سمات الملوك يا مسيو.

أومأ -قدرى- برأسه فى يأس، مغمغما:

- بالتأكيد .

تطلع إليه -ريو- لحظات فى حيرة، قبل أن يشير إلى السيارة، قائلا:

- هل ننطلق إلى -مارسيليا- مباشرة، أم انك تفضَّل تناول أفضل حساء ضفادع، فى -باريس- أوَّلا.

زفر -قدرى-، وهو يشعر بحالة الإحباط، التى تعقب دوما تصوَّر المرء أنه قد حسم مشكلة كبيرة، ثم تبين له خطأه، وقال فى ضيق:

- إلى -مارسيليا-... الطعام يمكن أن ينتظر .

رفعت ذات اليد الناعمة عينيها إلى -تيا-، عندما بلغ الحوار هذه المرحلة، فقالت هذه الأخيرة فى توتر:

- هل ما سمعناه هو الحقيقة، أم أنهما يعبثان بنا؟!

انعقد حاجبا ذات اليد الناعمة، وهى تقول:

- لا يمكن حسم مثل هذا الأمر، عبر أصواتهما فحسب.

ثم اكتسى صوتها بالصرامة، وهى تضيف:

- فليبحث الرجال، فى قاعدة البيانات الفرنسية، عن سائق من أصول لاتينية، يحمل أسم -ريو-، وله هذه المواصفات.

نهضت -تيا-، قائلة فى حزم:

- سأفعل هذا بنفسى فورا.

أشارت ذات اليد الناعمة بسَّبابتها، قائلة بكل صرامة:

- كَّلا .

التفتت إليه -تيا- فى تساؤل، فأضافت فى حزم:

- الرجال سيفعلون ... أما أنت، فلديك مهمة أخرى، تناسب مواهبك وخبراتك القديمة.

غمغمت -تيا-:

- أية مهمة.

مالت ذات اليد الناعمة نحوها، وهى تجيب بكل الحزم:

- مهمة فرنسية.

وكان هذا يعنى دخول طرف جديد، فى سباق البحث عن بطلنا...

طرف شديد الخطورة...

للغاية ...

* * *

شدَّ رجل المخابرات المصرى فى -مارسيليا- قامته، وهو يقف أمام مدير مكتب المخابرات فى -باريس-، وهذا الأخير يسأله فى اهتمام:

- وكيف توَّصلتم إلى ذلك الشيخ الغجرى بالضبط؟!

أجابه رجل المخابرات المصرى على الفور:

- تحرياتنا حول -جوزى-، لم تسفر إلا عن صداقتها الكبيرة لذلك الشيخ، الذى يستقر دوما على رصيف ذلك الميناء التجارى فى -مارسيليا-، وكان من الطبيعى أن أذهب إليه.

عقد مدير مكتب مخابرات -باريس- حاجبيه، وهو يقول:

- لو أن التحريات لا تقود لسواه، فهذا يفسر لماذا سعى مهاجميك أيضا إليه.

وصمت لحظة، ثم أضاف فى حزم:

- ولكنه لا يفسَّر بحثهم عن -جوزى-، فى هذا التوقيت بالذات !

قال ضابط المخابرات المصرى فى بطء:

- أخشى أن هذا قد يعنى وجود تسَّرب فى المعلومات يا سيدَّى.

عقد مدير المخابرات فى -باريس- حاجبيه أكثر، وهو يقول:

- تسَّرب المعلومات من الجهاز أمر مستبعد للغاية.

هزَّ ضابط المخابرات كتفيه، وقال:

- ليس من الضرورى أن يأتى التسَّرب من الجهاز؛ فالسيد - قدرى- لم يأت إلى -فرنسا-، كما أبلغونا، إلا لو أنه هناك معلومة، تقوده أيضا إلى -جوزى- تلك.

تراجع مدير مكتب -باريس- فى مقعده، وأمسك ذقنه بيده لحظات مفكَّرا، قبل أن يعتدل قائلا:

- وكيف نتيقَّن من أن -جوزى- هذه قد لقيت ربها بالفعل؟!

أجابه فى سرعة:

- أننا نبحث فى سجلات الوفيات، فى ميناء -مارسيليا-، خلال العامين السابقين.

هزَّ مدير المكتب رأسه، قائلا:

- الغجر لا يتقيَّدون بهذه الرسميات ... وفى كثير من الأحوال، يفضلون دفن موتاهم فى نفس المكان الذى يعيشون فيه .

قال رجل المخابرات فى اهتمام:

- لقد وضعنا هذه المعلومة فى الاعتبار يا سيَّدى، وعلمنا أنه توجد ثلاث تجمعَّات للغجر، حول -مارسيليا-، ورجالنا يقومون الآن بالتحرَّى فيها كلها.

عاد مدير المكتب يمسك ذقنه مفكَّرا، وهو يغمغم، وكأنه يحَّدث نفسه :

- الأمر كله عجيب، ويمتلئ بالغموض بالفعل، فلو أن -جوزى-، التى تعامل معها سيادة العميد، والتى داوت جراحه فى -مارسيليا-، قد لقيت حتفها منذ زمن ليس بالقريب بالفعل، فمن تلك التى سافرت إلى -مصر- برعاية مؤسسة -أميجو-؟!

أشار رجل المخابرات بيده، قائلا:

- التقارير الواردة من -مصر- حدَّدت هويتها، وساذهب بنفسى لمقابلتها، ومعرفة ما الذى كانت تفعله فى -مصر- .

أومأ مدير المكتب برأسه، وقال:

- لو انها ليست -جوزى-، التى نبحث عنها، فسيكون لديها تفسير مقنع لكل هذا.

غمغم رجل المخابرات:

- أتعشَّم ذلك.

كان مدير مكتب مخابرات -باريس- يهم بقول شئ آخر، عندما ارتفع فجأة رنين هاتفه الخاص، فالتقطه بسرعة، وهو يقول:

- هل من جديد؟!

انعقد حاجباه لحظة، ثم ارتفعا فى دهشة واضحة ...

كان من الواضح انه يتلَّقى معلومة خطيرة وغير متوَّقعة ...

على الإطلاق.

* * *

 

 

 

 

 

 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (4 منشور)

avatar
فاطمة 04/04/2013 05:25:38
روووووووووعة يا دكتور نبيل

سلمت رواياتك وابداعاتك
avatar
احمد 14/03/2014 09:03:51
انت لا تعلم حقا قدرك فى قلبى يا دكتور لقد تربيت على قيمك ومثلك العليا فى روايات رجل المستحيل وملف المستقبل وفارس الاندلس وغيرها
لقد تمنيت ان التحق بالجيش او الشرطه لاطبقى هذه المثل العليا والبطولات وبالفعل التحقت بالجه الثانيه
ولكن الحقيقه ليست كما جاء برواياتك يا دكتور ولكن ساظل مؤمنا بان كل ما تقوله هو الصواب بغض النظر عن الحقيقه المؤلمه
avatar
محمد عبد التواب مرسي 06/01/2015 09:40:43
راااااااااااااااااااااااائع يا دكتور نبيل ولكن كلما تذكرت ان الشخصية خياليه احزن بشدة ولكنك يا دكتور تنجح دائما في ان تاخذ عقولنا الى دنيا الخيال
avatar
فاتن 19/01/2015 14:06:30
عمري 35 وأم لأربعة وبدأت اقرأ رواياتك وخصوصا رجل المستحيل وانا في الصف الثالث الاعدادي ولا تدري مدي حبي لها ولادهم ومني وقدري وسافرت بعيد ولكن قررت أن أعرف أبنائي علي ادهم واشتري المجموعة كاملة وأصبح ابني وهو في خامسة إبتدائي يحب كل رواياتك وجنون بالك الواقع المؤلم غير ذلك فأنت تأخذنا الي عالم مثالي آخر لك كل الشكر يا دكتور نبيل
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال