الرئيسية | ادهم | الفصل الثالث: جوزى

الفصل الثالث: جوزى

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفصل الثالث:  جوزى

4 - جوزى

" مستحيل!!..."..

هتف -قدرى- بالكلمة، وهو يحدَّق ذاهلا، فى وجه الرجل الذى امامه، والذى قال فى حيرة:

- ما المستحيل يا أستاذ؟!

هتف -قدرى-، وهو يلوَّح بذراعيه فى انفعال:

- لقد تركتك خلفى فى الفندق، فكيف سبقتنى إلى هنا، واستبدلت ثيابك بهذه السرعة ؟!...

حمل وجه الرجل كل دهشة الدنيا، وهو يقول:

- فندق؟!... ولكننى لم اغادر القرية منذ أسبوع تقريبا.

هتف -قدرى-:

- مستحيل!... لقد كنا نتحَّدث هناك، منذ أقل من ساعة يا أستاذ -سالم-.

حدَّق الرجل فى وجهه لحظة، ثم لم يلبث أن انفجر ضاحكا فجأة، وهو يقول:

- آه ... -سالم- .... لقد فهمت .

ثم مال نحو -قدرى-، مستطردا بابتسامة ودود:

- صحيح أنه أمر نادر بين النوبيين، ولكن -سالم- هو شقيقى التوأم.

تراجع -قدرى- فى دهشة، مغمغما:

- توأم ؟! ...

وضع -حامد- يده على كتف -قدرى- فى مودَّة، وهو يقول بنفسى الابتسامة:

- ولو أنك صديق لشقيقى وتوأمى -سالم-، فأنت صديق لى أيضا يا سيَّد .

نظر إلى -قدرى- فى تساؤل، فغمغم فى توتر:

- -قدرى- ... اسمى -قدرى- ... ولقد كنت أبحث عنك فى الواقع .

قال الرجل فى ترحاب:

- هل أرسلك -سالم- إلىَّ ؟!

أجابه -قدرى- فى سرعة ولهفة:

- بل أردت سؤالك عن -أدهم- و-منى-.

بدت دهشة حائرة فى عينى -حامد-، فتابع -قدرى- بكل اللهفة:

- لا عليك من الأسماء ... منذ أربعة أشهر تقريبا، جاء رجل وسيم إلى هنا، وهو يحمل زوجته المصابة، واستأجرا أحد منازلك.

قال -حامد-:

- بالطبع ... إنك تقصد السيَّد -إدموند- وزوجته.

غمغم -قدرى- فى حذر:

- -إدموند- ؟!

أشار -حامد- بيده فى حماس، وهو يقول:

- نعم ... السيد -إدموند صروَّف- ... تاجر لبنانى، جاء مع زوجته -مارى توماس-؛ لقضاء مرحلة الاستشفاء هنا ... إننى أذكر هذا جيَّدا.

وخفق قلب -قدرى- فى قوة ...

-إدموند صروَّف- و-مارى توماس- ...

.ص- و-م.ت- ...

-ادهم صبرى- و-منى توفيق- ...

رباه!... إنهما -ادهم- و-منى- ولا شك....

الأحرف الاولى من اسميهما، كعادة -أدهم- ...

وبكل لهفته وانفعاله، امسك -قدرى- ذراع -حامد-، قائلا:

- ما رأيك لو تدعونى إلى منزلك يا سيَّد -حامد-؟!

هتف -حامد- فى ترحاب:

- على الرحب والسعة .... أصدقاء شقيقى هم أصحاب الدار، وليسوا ضيوفا ... اهلا بك ومرحبا.

سار -قدرى- إلى جواره، وهو يقول فى لهفة:

- أظن أنه سيدور بيننا حديث طويل ... طويل للغاية.

التقطت آلة -هانز- هذا الحوار من بعيد، وسجَّلته بكل تفاصيله، وعلى الرغم من قلة درايته بالعربية، فقد غمغم فى اهتمام:

- لا شك فى أن الزعيمة ستحب الإطلاع على هذا فورا، ودون إبطاء .

" إنه على حق..."...

قالتها ذات اليد الناعمة فى حزم، وهى تستلقى فى حوض الاستحمام الخاص بها، تطالع ما ارسله إليها -هانز-، عبر شبكة الانترنت، فتساءلت -تيا-، التى تجلس على مسافة مترين منها:

- أتظنين أنه طرف خيط؟!

قالت ذات اليد الناعمة فى حزم:

- ليس لدى شك فى هذا .

والتقطت نفسا عميقا من سيجارتها، قبل ان تضيف:

- لو أنك تعرفين -أدهم صبرى- كما اعرفه، لأدركت أنه ليس منيعا تماما، كما يتصوَّر بعض خصومه .

ابتسمت -تيا- فى ظفر ساخر، وهى تغمغم:

- أدرك هذا جيَّدا ... لقد وصلت إليه، وأفسدت حفل زفافه .

انعقد حاجبا ذات اليد الناعمة، على الرغم من تظاهرها بأنها لم تسمع تعليق الصينية الحسناء، وقالت مواصلة حديثها:

- إنه يمتلك نقاط ضعف عديدة، وبعض العادات النمطية، التى تجعل كشف أمره أحيانا ليس بالمستحيل.

اعتدلت -تيا-، تستمع إليها فى انتباه، فتابعت وهى تنفث دخان سيجارتها:

- إنه شديد الضعف تجاه أصدقائه، يمتلئ بالكثير من المشاعر الرقيقة، على الرغم من حياة الخطر التى اعتادها، ولكن نقطة ضعفه الأكبر، هى أنه يصرَّ دوما على استخدام الحرفين الأوَّلين من اسمه، مع كل شخصية ينتحلها .... .ص- .

التقطت نفسا آخر من سيجارتها، ونفثت الدخان فى قوة، قبل أن تلفت إلى -تيا-، وتبتسم، قائلة:

- أليس هذا أمرا طريفا؟!

هزَّت -تيا- رأسها، دون أن تجيب، فاستعادت ذات اليد الناعمة صرامتها، وهى تقول:

- أخبرى -هانز- ان ذلك اللقاء، فى القرية النوبية، يهمنى بشدة، واريد أن اعرف كل حرف ينطقان به ... كل حرف .

وأومأت -تيا- برأسها، وأيضا دون أن تجيب، ولكنها علمت أنه عليها أن تنقل الاوامر إلى -هانز- فورا ...

وإلا ...

 

 

* * *

 

 

ارتشف -حامد إبراهيم- رشفة، من كوب الشاى الساخن، وأغمض عينيه لحظة فى استمتاع، ثم عاد يفتحهما، قائلا:

- السيَّد -إدموند- كان مصابا، ولكن إصابته لم تكن بعمق إصابات زوجته ... ثم أن بنيته القوية كانت قادرة على الاحتمال، وتجاوز الإصابات ... أما هى ...

بتر عبارته، وهو يهز رأسه فى أسف، جعل قلب -قدرى- يرتجف، وهو يسأل :

- ماذا عنها؟!

هزَّ -حامد- رأسه مرة أخرى، وقال:

- كانت قد تلقَّت بعض الإسعافات الطبية، التى ربما ساعدت فى أن تبقى على قيد الحياة، ولكن التلف الذى أصاب جسدها كان كبيرا ... حتى شيوخ القرية، ممن لهم خبرة طويلة فى شفاء الإصابات، قالوا: إن نجاتها ستكون اشبه بالمعجزة .

ارتشف رشفة اخرى من الشاى، جعلت -قدرى- يتمنى لو يحطَّم كوب الشاى، حتى يدفعه إلى الاسترسال، ولكن -حامد- اغلق عينيه لحظة كعادته، ثم تابع:

- ثم وصلت تلك الفرنسية إلى القرية، وذهب السيَّد -إدموند- بنفسه للقائها، وذهب معها مباشرة، إلى المنزل الذى استقرت فيه زوجته.

تساءل -قدرى- فى حيرة:

- ومن تلك الفرنسية؟!

هزَّ -حامد- راسه نفيا، وقال:

-لست ادرى بالتحديد، ولكن السيد -إدموند- كان يعاملها باحترام شديد، ويخاطبها طوال الوقت بإسم -جوزى- .

انتفض جسد -قدرى- فى قوة، وهو يهتف:

- -جوزى-؟!... أهى غجرية عجوز، قصيرة القامة، ذات عينين توحيان بأنها كانت فانتة فى شبابها، وتبتسم طوال الوقت؟!

رفع -حامد- حاجبيه، وابتسم قائلا:

- من الواضح أنك تعرفها.

هتف -قدرى- بكل اللهفة:

- أراهن أنها عالجت -منى- ... أعنى -مارى-.

بدا مزيج من الحيرة والاحترام على وجه -حامد-، وهو يقول:

- لم ندر ابدا كيف فعلت هذا؛ فهى لم تطلب أية عقاقير طبية، أو حتى أى عشب، مما نستخدمه هنا للتداوى ... فقط قضت ليلتين مع السيَّد -إدموند- وزوجته، وبعدها رأينا السيَّدة -مارى- تخرج على قدميها لأوَّل مرة، ولاحظ الكل انها بدأت تتماثل للشفاء، وكان السيّد -إدموند- شديد الرقة، فى التعامل مع المرأتين، قبل أن ترحل -جوزى-، وتخبرهما أنها ستنتظرهما فى الديار.

هبَّ -قدرى- من مكانه، متسائلا فى لهفة وانفعال:

- ستنتظرهما أين؟!

أجابه -حامد- فى دهشة:

- فى الديار ... هذا كل ما قالته.

كان ما قالته -جوزى- قليلا ...

ولكن -قدرى- فهم منه الكثير ...

والكثير جدا...

 

 

* * *

 

 

راجع نائب مدير المخابرات المصرية، كل التقارير الواردة، من مختلف بلاد العالم، مع المدير نفسه، والذى انصت إليه فى اهتمام، حتى انتهى من حديثه، ثم سأله:

- وماذا عن عملية -1- ؟!

جذب نائب المدير ورقة صغيرة، وهو يقول:

- كنت أدخر هذا للنهاية فى الواقع، يا سيادة الوزير؛ فلقد أبلغت مكتبنا فى -مارسيليا-، بضرورة البحث عن -جوزى- هذه، ولقد توَّلى ثلاثة من أفضل رجالنا هذه المهمة، ولكن مشكلتهم أن سيادة العميد -أدهم- لم يذكر فى تقريره عنوانا واضحا لها ... كل ماورد عنه هو انها غجرية عجوز، متزوَّجة من رجل يدعى -نابليون- .

مال المدير نحوه، وقال فى صرامة:

- رجال مؤسسة -أميجو- عثروا عليها، فى أقل من أربعة وعشرين ساعة، وهذا يعنى أن نعثر عليها فى وقت أقل.

هزَّ نائبه كتفيه، وقال:

- المفترض أن سيادة العميد هو من أرشدهم إليها، وهذا يمنحهم نقطة تفوَّق.

تراجع المدير فى مقعده، وأشار بيده، قائلا:

- ونحن لدينا ما يكفى من المعلومات ... نعرف أن إسمها -جوزفين-، ومتزوَّجة من رجل يدعى -نابليون-، وكلاهما من الغجر، والغجر لهم تجمَّعات معروفة، فى كل مكان فى العالم، والعثور عليهم لن يكون عسيرا ... فقط يحتاج إلى بعض الجهد .

أومأ النائب برأسه، قائلا:

- أنا واثق من أن الرجال سيبلون بلاء حسنا، فى هذا الشان يا سيادة الوزير .

التقط مدير المخابرات نفسا عميقا، وتراجع فى مقعده، وهو يتساءل بنفس الاهتمام:

- وماذا عن -قدرى- ؟!

فى نفس اللحظة، التى ألقى فيها سؤاله، كان -هانز- يقف خارج منزل -حامد إبراهيم-، وآلته تطلق شعاعا شديد الدقة من الليزر، يرتطم بجدار المنزل، ثم يرتد إلى الجهاز الشبيه خارجيا بآلة تصوير احترافية كبيرة، لينقل حديث -قدرى- مع -حامد- ...

وبمنتهى الدقة...

" أين عائلتك يا سيَّد -حامد- ؟!..."...

أشار -حامد- بيده، وهو يقول مبتسما:

- فى -أسوان- ... زوجتى وابنتىَّ تذهبان معا، فى بداية كل أسبوع؛ لشراء ما يلزم المنزل.

ثم مال نحوه، مستطردا فى مودَّة حقيقية:

- ولو شرفتنى بالبقاء، حتى نهاية اليوم، فسيكون من دواعى شرفى أن تطهو لك زوجتى وجبة دسمة، أفضل بكثير مما يمكنك تناوله فى -الدوكا- .

تنهَّد- قدرى-، وهز رأسه نفيا، وهو يقول:

- لو أننى تلقيت هذا العرض، منذ أربعة اشهر، لسافرت من -القاهرة- إلى هنا، حتى أنعم بمثل هذه الوجبة، ولكن مما يدهشنى انا شخصيا، أننى لم أعد أشعر بالشهية للطعام، منذ اختفاء -أدهم- و-منى-.

بدت حيرة متسائلة، على وجه -حامد-، فاخرج -قدرى- من جيبه صورتين، لـ-أدهم- و -منى-، وضعهما أمام -حامد-، وهو يقول:

- هذا هو -إدموند-، وهذه هى زوجته -مارى- ... اليس كذلك؟!

حدَّق -حامد- فى الصورتين لحظات، ثم رفع إلى -قدرى- وجها أكثر حيرة، وهو يجيب:

- إنهما حتى لا يشبهانهما .

تراجع -قدرى- فى حركة حادة، وحان دوره ليحدَّق فى وجه -حامد- لحظات، قبل أن يعيد الصورتين إلى جيبه، وهو يغمغم فى توتر:

لا بأس... لو أراد -ادهم- أن ينتحل شخصية أخرى، فستعجز أمه نفسها عن تعرَّفه...

ثم رفع عينيه مرة أخرى إلى -حامد-، مضيفا فى حزم:

ولكن المهم الآن هو العثور على المفتاح ... على -جوزى- ...

 

 

" -جوزى-؟!..."...

نطقت ذات اليد الناعمة الأسم فى بطء مندهش، بعد ان راجعت ما أرسله -هانز-، عبر شبكة الانترنت، وانعقد حاجباها الجميلان، وهى تعتصر ذهنها فى تفكير عميق، جعل كلماتها تخرج أكثر بطئا، وهى تستطرد:

- غجرية فرنسية، لديها اساليب مدهشة، فى علاج الإصابات، شأن معظم الغجر... هل تعتقدين أنها حل اللغز؟!

قالت -تيا-، وهى تعقد حاجبيها فى غضب:

- قنبلة -تيا- لا شفاء منها.

ألقت عليها ذات اليد الناعمة نظرة مستهترة، وهى تعيد سؤالها:

- هل يمكن ان تكون تلك الغجرية العجوز، هى التى داوت إصابتهما؟!

اجابتها -تيا- فى صرامة:

- سمعت بنفسك ذلك النوبى، يقول: إنهما لا يشبهان ذلك المصرى وزوجته.

قالت ذات اليد الناعمة فى سخرية:

هذا لأنك لم تتعلمى شيئا، من قتالك مع -أدهم-.

شدَّت -تيا- قامتها، وهى تقول:

- أظننى قد تعلمَّت الكثير، فى المخابرات الصينية.

ارتسمت ابتسامة ساخرة، على ركن شفتى ذات اليد الناعمة، وهى تغمغم:

- حقا ؟!...

ثم استطردت فى سرعة، قبل أن تمنح -تيا- فرصة للانفعال:

- غجرية ...-مارسيليا- ...-جوزى- ...أظنها معلومات كافية.

غمغمت -تيا-، دون أن تحاول إخفاء ضيقها:

- بالتأكيد .

انعقد حاجبا ذات اليد الناعمة، وهى تقول فى صرامة مخيفة:

- ماذا تنتظرين إذن؟!.

ألقت عليها -تيا- نظرة باردة، ثم نهضت فى حزم؛ لتبدأ مهمة البحث عن الهدف الجديد...

عن -جوزى- ...

 

 

* * *

 

 

" تسأل عن -جوزى- !! ..."

غمغم الشيخ الغجرى العبارة فى حذر، وهو يسترخى عند أحد ارصفة الميناء فى -مارسيليا- ، متطلعا فى شك إلى رجل المخابرات المصرى، الذى منحه ابتسامة ودود، وهو يقول:

- يبدو أن صديقتكم قد حازت شهرة واسعة، فى شفاء الإصابات، حتى أن شبكة التليفزيون، التى أعمل بها، ترغب فى إجراء لقاء معها، مقابل مبلغ مغر.

تطلَّع إليه الغجرى، فى حذر أكثر، وهو يقول:

- ومن أخبرك أن الغجر يبالون باللقاءات التليفزيونية ؟!

وضع رجل المخابرات المصرى يده فى جيبه، وهو يقول:

ربما لا، ولكن هناك ما يبالى به الجميع.

انتفض الغجرى، وتراجع فى ذعر، وهو يلوَّح بيده، هاتفا:

- لا تؤذنى .

أخرج رجل المخابرات المصرى يده من جيبه، وهى تحمل رزمة من اوراق -اليورو-، وهو يقول:

كنت اعنى النقود.

تطلَّع الغجرى الشيخ إلى النقود، فى شراهة واضحة، ومدَّ يده إليها فى حذر، وهو يقول:

- الوصول إلى -جوزى- ليس عسيرا.

ابتسم رجل المخابرات المصرى، وهو يبعد رزمة النقود عن يده، قائلا:

- أعلم هذا؛ فلقد توصلَّ إليها البعض، قبل أربعة أشهر.

اطلَّع إليه الغجرى العجوز فى حيرة، وسقطت فكه السفلى، لتمنحه مظهرا أقرب إلى البلاهة، وهو يغمغم، مكررَّا:

- أربعة أشهر.

عاد رجل المخابرات المصرى يميل نحوه، قائلا، وهو يلوَّح برزمة النقود:

- لا ريب فى أنك تذكر هذا ... -جوزى- التى أريدها، هى التى سافرت إلى -مصر-، منذ أربعة أشهر، و ...

قاطعه الغجرى الشيخ فى عصبية:

- مستحيل!...

انعقد حاجبا رجل المخابرات المصرى، وهو يسأله:

- ولماذا مستحيل؟!

لاحظ فجأة أن عينى العجرى الشيخ قد ارتفعتا، ليعبر بصره كتفه، وهو يتطلَّع إلى شئ ما خلفه، بنظرة امتزجت دهشتها بذعرها، فالتفت خلفه فى سرعة، و ....

وهوت تلك الضربة العنيفة على رأسه، فى اللحظة نفسها...

كانت الضربة شديدة العنف، دار لها رأس رجل المخابرات المصرى فى شدة، ولكنه، وعلى الرغم من هذا، حاول ان يتماسك، ويكمل استدارته نحو خصمه، ويده تنتزع مسدسه، من جراب تحت أبطه، إلا أنه تلقى ضربة ثانية، أكثر عنفا، من خصم أخر، فسقط بين خصميه فاقد الوعى...

وفى ذعر، اتسعت عينا الغجرى الشيخ، وهو يحدَّق فى الرجلين، غليظى المظهر والملامح، وأحدهما يقول فى خشونة قاسية:

- اشحذ ذاكرتك جيَّدا أيها الغجرى، فستقص علينا كل حرف، تبادلته مع هذا الرجل.

مال الثانى يلتقط رزمة النقود، ويدَّسها فى جيبه، وهو يغمغم، مشيرا إلى رجل المخابرات المصرى، فاقد الوعى:

- ماذا عنه؟!

مطَّ الأوَّل شفتيه، وقال بنفس الخشونة، وهو يصوَّب مسدسه إلى الغجرى الشيخ المذعور:

- افعل ما يحلو لك.

تألقت عينا الثانى فى تلذذ واستمتاع، وسحب إبرة مسدسه، وهو يصوَّب فوهته نحو رجل المخابرات المصرى فاقد الوعى، و ...

ودوت الرصاصة ...

فى ميناء -مارسيليا- ...

 

 

* * *

 

 

بدا نائب مدير المخابرات المصرية متوترا، عند دخوله مكتب المدير، مما دعا هذا الاخير إلى ان يسأله فى قلق:

- ماذا هناك.

أشار النائب بيده، قائلا:

- إنها تقارير المتابعة، الخاصة بحالات السفر والوصول اليومية.

اعتدل المدير على مكتبه، وهو يسأل فى اهتمام:

- هل من جديد؟!

وضع النائب تقريره، امام مدير المخابرات، وهو يقول:

- فى ساعة مبكرة من صباح اليوم، استقل أحدهم الطائرة، المتجهة إلى -باريس-.

القى المدير نظرة على الاسم، الوارد فى التقرير، وارتفع حاجباه فى دهشة، وهو يغمغم:

- -قدرى-؟!

أومأ النائب برأسه إيجابا، وهو يقول فى حذر:

- السيَّد -قدرى- بهذا قد خالف القانون، الذى يحتَّم على كل من يعمل فى جهاز المخابرات ان يحصل على موافقة مسبقة، قبل السفر خارج البلاد .

غمغم المدير، فى تفكير عميق:

- -قدرى- لم يرتكب مخالفة واحدة، منذ انضم إلينا.

قال النائب فى حذر، وهو يزيح التقرير، ليبرز ورقة أخرى:

- الواقع يا سيادة الوزير، أن السيَّد -قدرى- لا يلتزم تماما بالقواعد، ولا ...

قاطعه المدير فى حزم:

- -قدرى- شخص يصعب تعويضه.

ثم رفع سبَّابته، وهو يضيف:

- ولو أننا طبقنا عليه قانون السفر خارج البلاد بدون إذن، فسنضطر لتطبيق القانون نفسه على -1 إذا ما ثبت أنه على قيد الحياة.

انعقد حاجبا النائب، فى عدم اقتناع، فنهض الوزير من خلف مكتبه، ووشع يده على كتفه، وهو يضيف:

- وانت تعلم مثلى، ان عمل اى جهاز مخابرات ناجح فى العالم، لا ينبغى أن يتقيَّد بقواعد وإجراءات جامدة ثابتة، وأن المرونة فى التعامل، هى سر نجاح أجهزة المخابرات .

ربَّت على كتف نائبه مرتين، قبل أن يعود إلى مكتبه، متابعا:

- و-قدرى- مثل -1- تماما ... فوق الشبهات... وكلاهما يصعب تعويضه، ومن الخطأ خسارته، فقط لتطبيق اللوائح والقوانين بنصهَّا.

وافقه النائب بإيماءة من رأسه، قبل أن يقول:

- إننى اتفق معك تماما يا سيادة الوزير، ولكن الواقع أننى أشعر بالقلق الشديد على السيَّد -قدرى-؛ فسفره إلى -باريس-، يعنى أنه قد التقط، بوسيلة ما، نفس طرف الخيط الذى التقطناه، وسيسعى بدوره للبحث عن -جوزى-، وهذا يمثل بالغ الخطر عليه.

صمت لحظة، تاكَّد فيها من ان مخاوفه قد بلغت المدير، قبل أن يتابع فى بطء:

- وكما اشرت سيادتك من قبل، فالسيَّد -قدرى- موهبة، يصعب تعويضها.

تطلَّع إليه المدير لحظة، وهو يزن كل شئ فى ذهنه، ثم اعتدل قائلا فى حزم:

- ابلغ مكتبنا فى -باريس- بموعد طائرة -قدرى-، وأخبرهم أنه سيتوجه مباشرة على الأرجح، إلى -مارسيليا- ... اطلب منهم، ألا يلتقوا به رسميا، بل يكتفون بمتابعته، ومعرفة ما يتوَّصل إليه.

سأله النائب فى حيرة:

- ولماذا لا يتعاونون معه أو يتعاون معهم يا سيَّدى؟!

تراجع المدير فى مقعده، وارتسمت على ركن شفتيه ابتسامة غامضة:

- لأن هذا قد يفسد الخطة.

ارتفع حاجبا النائب فى دهشة وحيرة، ولكنه، وكما يقتضى العمل فى المخابرات، لم يحاول ان يسأل ...

أبدا...

ولكن فى نفس اللحظة، التى كان يدير فيها الامر فى رأسه، محاولا فهمه او استيعابه، كان رجل المخابرات المصرى يستعيد وعيه فى بطء، على احد ارصفة ميناء -مارسيليا- ...

وفى توتر متهالك، غمغم:

- أأنا حقا على قيد الحياة.... ام ؟!

قبل ان يتم تساؤله، فتح عينيه، ينظر إلى ما حوله...

واتسعت عيناه فى دهشة كبيرة ...

وخفق قلبه فى قوة ...

فما رآه من حوله، كان أخر شئ يمكن ان يخطر على باله...

على الإطلاق.

* * *

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (3 منشور)

avatar
Amany Ramadan 11/03/2013 10:12:36
روووووووووووووووعة تسلم ايديك يا دكتور أنا بعشق رجل المستحيل وهموووووووت وأعرف شخصيته الحقيقية
avatar
Amany Ramadan 11/03/2013 10:13:11
رووووووووووووووعة
avatar
خاتم روماندينيو 29/12/2013 13:28:19
شكرآ على هذه الشخصية التي رغم كونها خيالية إلا أنها ألهمتني و أثرت في منذ باكر صباي و كانت أنيسأ لي عبر الأوراق منذ كنت في الحادية عشرة و لطالما أضفت نكهة حسنة على أيامي عند أقرأ أعداد السلسلة مع سلاسل أخرى أمتعتنا
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال