الرئيسية | اخبار | فقاعة.. رواية جديدة للدكتور نبيل فاروق

فقاعة.. رواية جديدة للدكتور نبيل فاروق

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
فقاعة.. رواية جديدة للدكتور نبيل فاروق

 

كثيرون هم من تسطع حولهم الأضواء، وتهفوا إليهم القلوب ...

عديدون هم من يزهون بأنفسهم، ويتعاظمون كبالون منتفخ ...

ابحث فى ماضيهم وأعماقهم، وستجدهم مجرَّد هواء، محاط بغلاف رقيق من الصابون ...

    مجرَّد فقاعة ...

 

 

د. نبيل فاروق

الفصل الأول

" استعدوا ... "

مع تلك الكلمة الحازمة، التى نطقها مخرج البرنامج، سطعت الأضواء، فى ذلك الاستوديو الكبير، لواحدة من أشهر القنوات الفضائية، فى العالم العربى كله، وعدَّلت مقدمة البرنامج الحسناء من هندامها للمرة الألف، وهى تتطَّلع إلى مرآة فى حجم ملف كبير، حملتها أمامها مساعتدتها فى استكانة واستسلام، ثم أزاحت خصلة عن طرف عينيها الجميلتين؛ لتعيدها إلى باقى شعرها المصبوغ بلون الذهب، ومنحت ضيفها ابتسامة عذبة، وهى تهمس، فى صوت يفوح بالأنوثة:         

          - هل نبدأ ؟!

اكتفى بقلب كفه، وهزَّ كتفيه، فاتسعت ابتسامتها، وهى تهمس مرة أخرى، وكأنهما فى لقاء خاص:

          - أأنت مستعد ؟!

تحاشى النظر المباشر إلى عينيها، وهو يلوَّح بكفه، مغمغماً:

          - دوماً.

حملت ابتسامتها بعض الغيظ، من تحاشيه النظر إلى وجهها طوال الوقت، وانتقلت لمحة الغيظ هذه إلى صوتها، على الرغم منها، وهى تقول للمخرج، عبر السماعة المتصلة بياقة ثوبها الأنيق:       

          - فليكن.

لم تدر لماذا يتحاشى النظر إليها، وقد كانا، منذ أقل من عام واحد، أشبه بالسمن مع العسل، واستعادت كلماته على نحو غريزى ...

" لا أمل النظر إلى وجهك أبداً ..."...

" ابتسمى، فمع ابتسامتك يبتسم قلبى" ...

" من أية حديقة، ابتعت حبات الفراولة على شفتيك ؟! " ...

" ساتزوج ..."...

اقتحمت الكلمة الأخيرة ذكرياتها فجأة، فهدمت كل ما سبقها من عبارات جميلة فى ذهنها، فانقلبت نظرتها إليه إلى المقت، حتى أن المخرج حذرها، عبر المسماع الصغير فى أذنها:

          - (نهال) ... ماذا أصابك ؟! ... ابتسمى.

ابتسمت على الرغم منها، والمخرج يبدأ عده التنازلى؛ لبداية البرنامج:

          - خمسة ...

على الرغم من أنه لم يكن أوَّل لقاء تليفزيونى له، ولا حتى  المائة، إلا أنه شعر ببعض التوتر، مع قرب البث المباشر ...

فلسبب ما، لم يعد يشعر أنه نفس الشخص، الذى كان عليه، عند لقائه التليفزيونى السابق ...

ولو أن الناس بالفعل معادن، كما يقولون، لوصف نفسه بأنه قد تحوَّل، خلال الأسبوع الأخير، من فولاذ صلب، إلى زئبق سائل ...

وبخبطة واحدة ...

" أربعة "...

عجباً !! ... ألم تستغرق منه تلك الافكار، سوى عدة واحدة عند المخرج !!...

ماذا إذن لو استدعى باقى ذكرياته ؟!...

كم ستستغرق من الوقت ؟! ...

الوقت ..

الشئ الوحيد، الذى لم يحسب حسابه أبداً ...

والشئ الوحيد، الذى ينتصر دوماً فى النهاية ...

من الصعب جداً على طالب فى عامه العشرين، أو الحادى والعشرين، أن يتصوَّر ذلك الوقت، الذى سينتصر عليه فيه الزمن ...

من الصعب جداً ...

فالشباب يمتلئ بالقوة والطموح والعزيمة والإصرار، ويتصوَّر دوماً انه الأعلم بكل شئ، والأقدر على مواجهة كل التحديات ...

وربما لهذا ينطلق ...

ويندفع ...

وينفعل ...

ويخطئ ...

ولكنه- حسبما يتذكر- لم يكن أبداً مثل غيره، ومن حوله من الشباب ...

ذكرياته تؤكَّد له هذا ...

أو أنها تخدعه، بتصوَّره هذا ...

إنه عاجز عن تذكَّر بدايات حياته ...

أو أنه لا يرغب فى تذكرها ...

ربما لأنها لم تكن أبداً سعيدة ...

أخ يتوَّسط ستة أشقاء، يتصارعون طوال الوقت، حول كم محدود من الإمكانيات، ووالد أضناه شظف العيش، فصار مستكيناً متهالكاً، مما جعل الأم هى رب الأسرة، وصاحبة الكلمة والسطوة...

الكل يخشاها ...

حتى الأب ...

كانت صارمة ... قوية ... حازمة ... شرسة عند اللزوم ...

ولكنها، ولسبب ما، اصطفته من بين أشقائه؛ ليشاركها مشاعرها وأحلامها ...

ربما لأنه رأت فيه جزءاً منها ...

إنه قاس مثلها ...

صامت كصمتها ...

لا يقنع أبداً، بما هو فيه ...

وعندما ادركت فيه هذا، قربَّته إليها، وسعت إلى مضاعفة طموحه الوحشى الشرس ...

" لا تجعل شيئاًيحول بينك وبين أهدافك ...

أياً كان ...

وأياً كانت الوسيلة ..."...

هكذا لقنته ...

وهكذا نشأ ...

" ثلاثة ..."...

هل  يعد هذا المخرج عده التنازلى فى بطء، أم أن ذكرياته هى التى تتدَّفق فى سرعة ؟! ...

لم يعد هذا يهم ...

لم يعد أى شئ يهم ...

نجلاء ... زميلة الدراسة بكلية التجارة، ذات الأسنان البارزة، والمنظار الطبى السميك والابتسامة الحمقاء ...

لم تكن بها لمحة واحدة من أى جمال، تطمح إليه كل أنثى فى الكون ...

ولكنه وجد فيها جمالاً يناسب طموحه ...

أمها ...

أمها كانت واحدة من سيدات الحزب البارزات، وصديقة شخصية للهانم، كما كانوا يطلقون عليها ...

وهذا يناسب طموحه ...

تماماً ...

ولهذا تقرَّب من نجلاء ...

وبالأسلوب الذى علمته إياه أمه ...

الأسلوب الهادئ ...

ومبدأ الخطوة خطوة ...

ولقد أخبر أمه بأمر نجلاء، وبطموحه خلالها ...

وباركت أمه فكرته، وأيَّدتها، وصارت مرشدته فى كل خطوة يخطوها ...

فى البداية، لابد وأن يأتى اللقاء الأوَّل عفوياً، وأن يوحى، وعلى نحو غير مباشر، بأنه لايدرى شيئاً، وليست لديه أية فكرة عن أمها او أهميتها ...

وقد كان ...

وضعت أمه الخطة ...

لم تكن خطة بسيطة، وإنما كانت خطة معقدَّة كطبيعتها ...

معقدَّة ومحكمة ...  راعت فيها أمه كل التفاصيل، وتوقعَّت كل النتائج، فيما عدا نتيجة واحدة ... نتيجة غيَّرت مسار حياته ...

تماماً ...

" إثنان ..."

أهو يموت أم ماذا ؟!

يقولون دوماً: إنه عندما يشرف المرء على الموت، يمر شريط حياته أمامه، فى سرعة خرافية...

وهذا ما يحدث له الآن ...

شريط ذكرياته ينطلق فى عقله، وبسرعة لا يمكن لأحد تصوَّرها، لدرجة أن عشرات الذكريات تمر بذهنه، ما بين عدة من عدات المخرج وتاليتها ...

(سميح مهدى) ... وزير الشباب والرياضة، كان أيامها الأمين المساعد للجنة الرحلات، فى اتحاد الطلاب، وكانت الخلافات بينه وبين أمين اللجنة معروفة للجميع، وبلغت أمه، بسبب صداقتها لأم (سميح)، التى كافحت طويلاً لتربية أبنائها الخمسة، بعد وفاة زوجها، التاجر البسيط، الذى لم يستمع يوماً لنصيحتها، عندما رجته أن يؤمن على نفسه كصاحب عمل، ولهذا فقد مات، دون أن يترك لهم سوى محل تجارى صغير جداً، مستقطع من مدخل عمارة شعبية، سرعان ما استولى عليه صاحب العمارة؛ لأنه لم يكن هناك عقد مكتوب، بينه وبين الحاج (محمد مهدى)، والد سميح ...

ونصحته أمه بالتقرَّب من (سميح)؛ لأنه - وفقاً لخطتها- سيكون بداية الطريق نحو (نجلاء) ... الصيد السمين الأصلى ...

كان شارداً تماماً، وهو يستعيد تلك الذكريات، فتطلَّعت إليه (نهال)، مقدَّمة البرنامج فى حيرة وتساؤل ...

ماذا أصابه ؟! ...

لماذا يبدو اليوم شارداً، على هذا النحو ؟! ...

إنه دوماً يقظ، شديد الانتباه، لا تفوته شاردة أو واردة ...

حتى فى أحلك الظروف ...

وفى أصعب المواقف ...

فماذا أصابه اليوم ؟! ...

ماذا ؟!...

فى البداية تصوَّرت أنه يتظاهر بهذا، فراراً مما كان بينهما فيما سبق ...

ولكنها تدرك الآن أنها لم تكن على حق ...

إنه شارد تماماً بالفعل !! ...

هناك أمر ما يشغله، ويسيطر على عقله ومشاعره تماماً ...

لن يدهشها لو أنه لا يشعر حتى بوجودها ...

ولكن بعد لحظات، سيظهر كلاهما على الشاشة، على الهواء مباشرة، وفى هذا الوقت العصيب من تاريخ (مصر) ...

تردَّدت لحظة، وهى تهمس :

          - أستاذ (نجيب ).

لم يبد حتى أنه سمعها، فكرَّرت ندائها مرة، ثم تجرأت، ومدَّت يدها تمس ركبته، فانتفض فى عنف، واستدار يحدَّق فيها بنظرة عجيبة، جعلتها تتراجع منزعجة، وهامسة:

          - سنبدأ الآن.

تنحنح مرتين، قبل أن يعتدل، ويلملم هندامه مع مشاعره، ويرسم على وجهه تلك الابتسامة المصطنعة، التى قادته طوال طريقه، وشدَّقامته، وانطلق ذهنه يرتب ما سيقول على الشاشة، وما يمكن أن يرضى الرجل الكبير، و ...

" واحد ..."...

نطقها المخرج، فتأهب الكل، ورسمت (نهال) ابتسامتها على وجهها، وسطعت فى وجهها الأضواء ...

وبدأ البرنامج.

*                           *                           *

 

الفصل الثانى

سالت الدموع فى صمت، على وجنتى (يسرا)، وهى تقف أمام حوض المطبخ، وتغسل أطباق العشاء المتراكمة، التى أضيفت إلى أطباق الغداء، فجعل مجموعهما الحوض أشبه بساحة معركة، تناثرت فيها الأشلاء، بعد تفجيرات عنيفة ...

لقد أضاعت مستقبلها، مثلما ضاع من قبل ماضيها ...

الماضى ضاع منها بدون إرادتها، أما المستقبل، فقد أضاعته بيدها ...

أو بجسدها، إن شاءت الدقة ...

ولكن ماضيها ساهم  على نحو كبير، فى إضاعة مستقبلها ...

مرَّت صورة والدها الراحل فى ذهنها، فتفجرَّت داخلها موجة عارمة من البغض والكراهية ...

هو المسئول عن كل هذا ...

هو سبب دمار ماضيها ...

وضياع مستقبلها ...

( شكرى أبو الفضل )، مدير عام سابق محترم ...

ومحترم هذه تنطبق على سمعته، فى محل عمله فحسب ...

أما فى منزله، فلم يكن محترماً على الإطلاق ...

فمنذ وعت عيناها الدنيا، عرفته عصبياً، سكيراً، مقامراً، يعود دوماً إلى المنزل مخموراً، ويتشاجر كثيراً مع أمها، ويقهرها بكونه صاحب الدخل الوحيد فى المنزل ...

أمها كانت عاملة فى شركة النصر للألكترونيات، ولكنه أصَّر على تركها العمل، فور زواجه منها، ولما كان الزواج حلم كل فتاة فى طبقتها، وافقت، واستقالت من عملها، واكتفت بدور ربة المنزل المستكينة ...

ثم فوجئت بالحقيقة المرة ...

زوجها سكير، مقامر، وزائغ العينين ...

ولأنها كانت تحمل فى رحمها ابنها البكر (حمزة)، فقد اضطرت للاستسلام، والسكوت، واحتملت تجاوزاته ولغته البذيئة، واعتدائه عليها بالضرب فى بعض الأحيان ...

ثم كان حملها الثانى، الذى انجبت بعده (يسرا)، فوصلت بعدها إلى حالة من سكون وسلام، وارتضت فراغاً كالعدم ...

كان زوجها يسافر وحده إلى المصيف كل عام؛ ليتمتع بالبحر والشمس، ويتركهم وحدهم فى شقتهم الصغيرة، يعانون الحر والقيظ، ولا يترك لهم إلا جزء يسير من دخله؛ للإنفاق على معيشتهم وطعامهم وشرابهم، فى حين ينفق هو الجزء الأعظم على متعته وملذاته، وعشيقاته وأهوائه ...

وعلى الرغم من هذا، لم تكن أمها تشكو أبداً ...

كثرة القهر والذل جعلها أشبه بأسير محكوم عليه بالسجن مدى الحياة، فى أشغال شاقة، بلا أدنى أمل فى الإفراج ...

ولأن أمها كانت مصدر الحنان الوحيد بالنسبة لها، تعلمت (يسرا) منذ طفولتها أن تحب أمها، وترتبط بها ...

وأن تبغض والدها، وتكرهه من كل قلبها ...

بل، ومن كل مشاعرها ...

وكانت تتصوَّر أنها قد بلغت ذروة البغض والكراهية فى أعماقها ...

حتى كان ذلك اليوم ...

" ( يسرا ) ... اسرعى ..."...

سمعت أمها تناديها، فجففت يديها فى سرعة، ومسحت دموعها عن وجهها، وهرعت إليها، فى صالة المنزل الجديد ...

كانت أمها تجلس امام التلفاز، مع غطاء الرأس الأبيض، الذى لا يفارقها أبداً، حتى أثناء النوم، وما أن رأتها حتى هتفت بها:

          - مديرك على التلفاز .

تجمَّدت (يسرا) عند مدخل الصالة، وانعقد حاجباها فى شدة، وهى تتطلَّع إلى شاشة التلفاز، التى حملت وجه (نجيب فوزى)، والمذيعة الشهيرة (نهال مرجان) ...

إنه هو بالفعل ...

أنيق ومنمَّق كعادته ...

ولاريب فى أنه يضع ذلك العطر الثمين، الذى يميَّز وصوله دوماً إلى مكتبه ...

العطر الذى اعتادت رائحته، التى كثيراً ما تعلق بها، وهى تعود إلى منزلها متأخرة، بحجة وجود عمل إضافى ...

لم تشك يوماً فى أن أمها قد اشتمت تلك الرائحة على جسدها ...

ولكنها لم تعلّق أبداً ...

كانت أحياناً ترمقها بنظرة عتاب سريعة، قبل أن تشيح بوجهها عنها، مغمغمة:

          - العشاء مغطى على المائدة .

وأحياناً أخرى تتعمَّد أن تأوى إلى فراشها، قبل وصولها من ذلك العمل الإضافى المزعوم؛ حتى لا تضطر لمواجهتها ...

وفى كل مرة، كانت هى تكره  نفسها؛ لأنها تضع أمها فى هذا الموقف ...

ولكن حتى تلك الكراهية، كانت تتلاشى فى الصباح، وهى ترتدى ثيابها لتذهب إلى عملها ...

إليه ...

" ما أجمله ..."...

نطقتها أمها فى حب، وهى تتطلَّع إلى صورته، على شاشة التلفاز، قبل أن تربَّت على الأريكة الخالية إلى جوارها، مستطردة:

          - اجلسى يا (يسرا) ... اجلسى لتستمتعى برؤيته .

تستمتع برؤيته !!...

كم يدهشها، بعد كل ما حدث، أن والدتها على حق ...

إنها مازالت تستمتع برؤيته ...

ليس لأنه وجيه، جميل الطلعة أنيق فحسب ...

بل لأنها تحبه ...

بعد كل ما فعله بها، مازالت تحبه ...

ولابد وأن تعترف بأنها، ومنذ أوَّل مرة، التقت به فيها، أحبته ...

كان يكبرها بعشرين عاماً تقريباً، وكان هذا ما  جذبها إليه فى البداية، أما رقته وحلو حديثه، وتلك النظرة الدافئة فى عينيه، فكانا سر وقوعها فى غرامه ...

أما كلماته الحنون الدافئة، فكانت القشة التى قصمت ظهر البعير ...

لقد كان هذا ما تحتاج إليه بالضبط ...

ذلك المزيج الجميل، من الأب والحبيب ...

من كلمات الغزل، الممزوجة بالحنان والدفء ...

" انظرى كيف تتطَّلع إليه (نهال مرجان) !! ... تكاد تأكله بعينيها ..."

انتبهت، على كلمات أمها، إلى ما  يحدث خفية، بين نهال وبينه ...

إنها تعرف تلك النظرات جيداً ...

إنها ليست نظرات مذيعة، تتطَّلع إلى ضيف مميَّز ...

إنها نظرة امرأة عاشقة ...

إمرأة، امتزج عشقها بغضبها، الكامن فى نظرة مستمرة إلى معشوقها، الذى يجلس على بعد خطوات منها، أمام العالم كله ...

امتزج استمتاعها برؤيته، بشعور قوى بالغيرة ...

إنها تعلم جيداً أن (نهال) كانت حبيبته قبلها ...

أو ربما فى نفس الوقت ...

فهو، حسبما أخبرها بنفسه، ليس، ولا يمكن أن يكون ملكاً لامرأة واحدة ...

أبداً ...

أخبرها بهذا فى حزم، وهى بين ذراعيه، تدفن وجهها فى صدره، غير مبال بجمال اللحظة ...

أو حتى بمشاعرها هى ...

يومها غضبت منه، وقررَّت أن تبتعد عنه إلى الأبد بعدها ...

ولكنها لم تفعل ...

قاطعته لشهر كامل أو يزيد، ولكنه لم يبال ...

واصل التعامل معها فى مكتبه، كأية موظفة عادية، دون أن يشير مجرَّد إشارة، لما جمعهما، ولا حتى إلى سبب ابتعادها عنه ...

وكانت هى أوَّل من استسلم ...

ذات يوم، انهارت أمامه، وبكت، ففوجئت به يحتضنها فى  حنان، ويقبَّل جبينها فى نعومة، ويربَّت عليها مهدئاً، ويخبرها كم هى غالية بالنسبة إليه ...

ولم تعد إلى منزلها، فى ذلك اليوم، إلا قبيل  منتصف الليل، حيث وجدت أمها فى انتظارها، فى صالة المنزل الجديد :

          - (يسرا) ... أين كنت ؟!

ارتبكت، وتحاشت النظر إليها:

          - فى عمل إضافى ... كالمعتاد.

رمقتها أمها بنظرة طويلة، قبل أن تقول:

          - هل عدت إلى العمل الإضافى ؟!

أجابت، فى شئ من العصبية:

          - نحتاج إلى المال الإضافى.

خفضت أمها رأسها، مغمغمة فى استسلامها المعتاد:

          - هذا صحيح.

لمحت دمعة حائرة، فى عينى أمها، ففرَّت منها إلى حجرتها، وألقت نفسها على فراشها، وأغمضت عينيها ...

ورأته ...

رأته بقلبها، حتى وهى تغلق عينيها ...

رائحته مازالت على جسدها ...

فى أنفها ...

وقلبها ..

وكل مشاعرها ...

التقطت نفساً عميقاً، لتملأ أنفها وصدرها وعقلها وقلبها برائحته، قبل ان تطلق تنهيدة حارة، وتبتسم ابتسامة عريضة ...

فليرتبط بمن يشاء ...

المهم أن يبقى معها ...

إنها مستعدة للتضحية بكل شئ، حتى غيرتها، على أن تحتفظ بشئ واحد ...

هو ...

" كيف ترى مستقبل (مصر) ؟!..."...

استفاقت (يسرا) من ذكرياتها، على سؤال (نهال) له، على شاشة التلفاز، فاعتدل هو فى مجلسه، وأجاب فى ثقة:

          - وماذا عن مستقبل (مصر) ؟! ... يلقون علىَّ هذا السؤال، فى كل مقابلة تليفزيونية، أو حديث صحفى!! ... مستقبل (مصر) مشرق، تحت قيادة فخامة الرئيس مبارك ...

سألته (نهال)، فى أسلوب يحمل شيئاً من الاستفزاز:

          - وماذا عن موجة الغضب المتصاعدة فى الشارع ؟!

هزَّ كتفيه مجيباً :

          - شائعات ... مجرَّد شائعات ... الكل يعرف من يطلقها، ولماذا ؟!

سألته (نهال) فى سرعة:

          - من يطلقها ؟!

تطَّلع إلى عينيها مباشرة، مجيباً فى صرامة واضحة:

          - الكل يعلم.

كررَّت سؤالها فى تحد ملحوظ:

          - المشاهد يريد أن يعلم.

تراجع فى مقعده، وهويرمقها بنظرة غضب، تحمل شيئاً من الوعيد، إلا أنها تجاهلتها تماماً، وهى تتطَّلع إلى عينيه فى تحد ...

كان من الواضح أنها تتعَّمد إحراجه واستفزازه ...

وأن هذا يغضبه فى شدة ...

ولكن تراجعه عن الإجابة، فى ظل هذا التحدى، ستضعه فى موقف سلبى، لا يحب أن يوصف به أبداً ...

كانت تتحداه، على نحو مباشر، وعلى الهواء مباشرة ...

وكان عليه أن يقبل التحدى ...

" تجاوزى هذا السؤال يا (نهال) ..."...

آتاها صوت المخرج، عبر المسماع الصغير فى أذنها، ولكنها هزَّت رأسها نفياً، فى حركة غير ملحوظة، وهى تقول فى حزم:

          - من حق المشاهد أن يعلم .

اعتدل فى مقعده، وقد حسم امره، وأجاب مباشرة:

          - جماعة الإخوان.

أدهشتها إجابته؛ لأنها لم تعتد منه الصراحة والمباشرة، وشعرت أنه يرد تحديها بتحد، فقالت فى حزم:

          - وهل يمكن أن تطلق أية جماعة شائعة، لا تستند، ولو إلى لمحة من الحقيقة الفعلية ؟!

حملت نظرات كل منهما تحدياً، يكاد يسفر عن نفسه صراحة، وساد بينهما الصمت لحظة، قبل ان يعتدل هو فى مجلسه، ويجيب فى شئ من العصبية، على عكس ما اعتاد عليه المشاهدون:

          -  (جوبلز) ... وزير البروباجندا، فى عصر النازية، كانت لديه نظرية تقول : “اكذب ... اكذب ... اكذب ... وحتماً سيبقى من كذبك شيئاً..”

سألته فى اهتمام حقيقى:

          - وما الذى يعنيه هذا ؟!

أجاب فى حزم:

          - إذا ما واصلت ترديد أية كذبة لفترة طويلة، فستبدو للناس وكأنها حقيقة، حتى أنهم سيقاومون عندئذ الحقيقة الفعلية، ويعتبرونها كذباً؛ لأنهم تشبعوا بالكذبة المتواصلة.

سألته (نهال) بنفس التحدى:

          - لا يوجد دخان بدون نار.

تراجع فى مقعده، وأشار بيده، مجيباً فى ثقة:

          - مثل كاذب؛ لأننى أستطيع أن أخبرك عن عشرة تفاعلات كيميائية، يمكن أن يصدر عنها دخان بدون نار .

كان من الواضح أنه ينتصر، مما جعلها تعقد حاجبيها فى عناد، وبدا أنها ستلقى سؤالاً مستفزاً آخر، عندما سمعت صوت المخرج، عبر السماعة فى أذنها، وهو يقول فى صرامة:

          - سنخرج الآن إلى فقرة إعلانية يا (نهال)، ومنتج البرنامج اتصل بنا، وقال إنه سيلغى البرنامج تماماً، لو اصلت استفزاز الضيف على هذا النحو.

تصاعد الغضب فى أعماقها، والشاشة الكبيرة أمامها، تبدأ الفاصل الإعلانى بالفعل، وما أن لمح (نجيب) هذا، حتى قال لها فى حدة:

          - ماذا تفعلين ؟!

أجابته فى عصبية:

          - اطرح الاسئلة، التى تدور فى الشارع.

قال فى غضب:

          - أم تدور فى ذهنك ؟!

حاولت أن تتماسك، وهى تقول:

          - المفترض أننى واحدة من الشعب.

قال فى صرامة:

          - تقصدين واحدة من الشارع، الذى سأعيدك إليه، لو واصلت استفزازك على هذا النحو

احتقن وجهها، وهى تقول فى حدة:

          - هل تهددنى ؟!

تراجع فى مقعده، واستعاد شيئاً من هدوئه، وهو يجيب:

          - بالفعل.

احتقن وجهها أكثر، واحتبست الكلمات فى حلقها، وبخاصة عندما دخل المنتج مسرعاً إلى الاستوديو، وهو يلهث صائحاً بها:

          - أستاذة (نهال) .

التفتت إليه فى حركة حادة، جعلته يواصل اندفاعه نحوها، وهو يقول فى انفعال:

          - مساء الخير يا (نجيب) باشا ... معذرة ... عندى كلمات قليلة مع الأستاذة (نهال)، خلال الفاصل الإعلانى.

أشار إليه (نجيب) بيده، دون كلمة واحدة، فجذب المنتج (نهال) من يدها، وهو يقول فى عصبية:

          - كلمة واحدة.

كان أسلوبه فجاً فظاً، ولكنها تبعته، وهى تقول فى غضب:

          - ماذا هناك ؟!

مال على أذنها، هامساً فى انفعال شديد:

          - ماذا تفعلين ؟!

أجابته، هامسة فى عصبية:

          - أمارس عملى.

قال بنفس الانفعال الهامس:

          - لو واصلت ما تفعلينه، لن يكون لديك عمل لتمارسيه.

صعقها قوله، فحدَّقت فيه ذاهلة:

          - إلى هذا الحد ؟!.

أشار بيده فى عصبية، قائلاً:

          - رجال أمن الدولة فى مكتبى، ينتظرون نهاية اللقاء للحديث معك.

لم تستطع قول شئ، وهى تحدَّق فيه فى خوف حقيقى، فواصل فى حدة:

          - بعد الفاصل، اجعلى الحوار غير سياسى ... سليه عن رأيه فى الفن، فى الرياضة، أو حتى فى أسعار الخضر والفاكهة ... المهم لا سياسة ولا دين ... أتفهمين.

أومأت برأسها إيجاباً، وأيضاً دون أن تنطق حرفاً واحداً، فانصرف وهو يلقى التحية مرة ثانية على (نجيب فوزى)، الذى اكتفى بإيماءة من رأسه، وابتسامة ظافرة، استفزت كل مشاعرها، وهى تعود إلى مقعدها فى مواجهته، وأدهشتها ابتسامته الهادئة الحنون، وهو يسألها:

          - أين ستذهبين بعد البرنامج ؟!

صمتت لحظات، قبل أن تجيب:

          - إلى حيث تريد.

ابتسم، مع بداية عد المخرج، لبدء التصوير مرة أخرى ...

بعد الفاصل.

*                           *                           *

 

 

 تتوافر رواية (فقاعة) الجزء الأول بكافة المكتبات الكبرى، وسيتم التنويه عن صدور الجزء الثاني والأخير قريبًا.


 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (3 منشور)

avatar
حازم حسين 17/09/2017 06:33:26
الله عليك يا دكتور نبيل
بداية موفقه من الأحداث توحى بالمفاجآت المتوالية
وفقك الله الى الأفضل فالأفضل
avatar
صالح 12/10/2017 17:39:21
سمعت إنها رواية ملحمية ضخمة من عدة أجزاء، وواضح إنها على نسق رواية أرزاق، ملحمة درامية على خلفية سياسية. ارزاق دارت على خلفية أحداث ثورة 1952 بينما فقاعه أحداثها على خلفية ثورة 2011. المقدمة عجبتني جداً ومتحمس لقراءتها، لكني عايش بكندا، كيف ممكن أحصل عليها؟
avatar
KrisblUrl 19/11/2017 13:16:52
Eat at Burger King For a Year!
Go to the http://burger.socaf.info - site.
Enter your email now for a chance to win Burger King lunch for a year.
رد راضي غير راضي
-1
Report as inappropriate
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال