الرئيسية | اخبار | خدعة القرن (رجل المستحيل)

خدعة القرن (رجل المستحيل)

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
خدعة القرن (رجل المستحيل)

سلسلة الأعداد الخاصة – عدد خاص جداً رجل المستحيل  (خدعة القرن)  

    1    - لو جراند ...

لم يستطع (قدرى) كبح تلك الدمعة الساخنة، التى تحررَّت من عينه، وسالت على وجنته، وهو يعد حقيبته؛ استعدادا للسفر فى الصباح التالى، والعودة إلى الوطن ...

كان يشعر بالإحباط؛ لأنه لم يستطع حسم مصير (أدهم) و(منى) …

منذ اختفى (أدهم) مع (منى)، عقب إصابتهما، فى حفل زفافهما، من جراء تلك القنبلة، التى زرعتها فتاة المخابرات الصينية السابقة (تيا)، اختفى كل أثر لهما …

حتى المخابرات المصرية، لم تنجح فى العثور عليهما

ولكنه هو وحده، لم ييأس أبداً

ظل مؤمناً بأنهما على قيد الحياة، وأنه سيلتقى بهما يوماً

وربما لهذا سافر من (القاهرة) إلى (أسوان)، ومنها إلى (فرنسا)؛ بحثاً عن أى طرف خيط، يمكن أن يقوده إليهما …

وكانت أعنف مغامرة خاضها فى حياته ...

تلك الذكرى المشوَّشة فى أعماقه، قبل فقدانه الوعى، عقب انقلاب سيارة رجل المخابرات المصرى (نادر)، فى الطريق من (مارسيليا) إلى (باريس)، كانت تؤكَّد له أنه قد سمع صوت صديق عمره ...

صوت (أدهم) ...

ولكنه لا يستطيع الجزم بهذا ...

على الإطلاق ...

وها هو ذا مضطر للعودة إلى الوطن، دون أن يحسم الأمر ...

ودون أن يطمئن ...

كان غارقا فى مشاعره، عندما سمع طرقات هادئة على باب حجرته، فأسرع يمسح دموعه، قبل أن يفتح الباب ...

ثم تراجع فى دهشة ...

فامامه مباشرة، وقف (ريو)، ذلك السائق الفرنسى، الذى شاركه مغامرته، مبتسما، وهو يحمل لفافة كبيرة، قائلا:

    - بنسوار مسيو (قدرى).

مضت لحظة من الدهشة، قبل ان يغمغم (قدرى):

    - (ريو) ... كيف علمت مكانى؟!... المفترض أن ...

قاطعه (ريو)، وهو يناوله تلك اللفافة الكبيرة، قائلا:

    - مسيو (لو جراند) يرسل لك تحياته.

التقط (قدرى) اللفافة فى تلقائية، وهو يسأله فى لهفة:

    - (لو جراند) ؟!... هل أخبرته أننى أريد أن ألتقى به ؟!

ابتسم (ريو) ابتسامة كبيرة، وهو يقول:

    - عندما يحين الوقت المناسب، سيلتقى هو بك مسيو (قدرى).

ثم مال يغمز بعينه، مضيفا:

    - ومدام (لو جراند) أيضا.

قالها، ثم اندفع ينصرف فى سرعة، قبل أن يلقى عليه (قدرى) سؤالا آخر ...

ولثوان وقف (قدرى) أمام باب حجرته المفتوح، وهو يحمل تلك اللفافة الكبيرة، قبل أن يدفع الباب بقدمه، ثم يضع اللفافة على المائدة ويفتحها، فانبعثت منها رائحة شهية، وسقطت منها بطاقة ملوَّنة، أسرع يلتقطها، ويلقى نظرة عليها ....

وانتفض جسده بكل قوته ...

فالبطاقة كانت تحمل كلمات قليلة، بخط يعرفه جيدا ...

كلمات تقول:

    - اشتقنا إليك كثيرا يا صديقنا العزيز... سنلتقى قريبا بإذن الله ... مع تحيات الزوجين (كازانسخى)  ...  ملحوظة: (آدم) الصغير يرسل إليك تحياته أيضا؛ فهو مبهور بما نرويه له عنك ... شهية طيبة.

حدَّق فى الكلمات، وجسده كله ينتفض انفعالا، وقلبه يخفق بكل قوته، قبل أن يصرخ بكل سعادة الدنيا:

    - إنهما على قيد الحياة ... إنهما سالمين وعلى قيد الحياة.

وبكل جسده الضخم، راح يرقص فى حجرته، وهو يطلق ضحكات عالية، قبل أن يندفع نحو ذلك الطعام الشهى، الذى حوته تلك اللفافة الكبيرة، هاتفا:

    - مازلت تذكرين ذوقى فى الطعام يا عزيزتى الغالية (منى) ...

ولأوَّل مرة، منذ ما يزيد عن أربعة أشهر، راح يلتهم ما أمامه من طعام ...

بكل شهية الدنيا ...

وكل سعادة الدنيا ....

كلها

*            *            *

تعالى وقع أقدام سريعة، عبر الممر الرئيسى، الذى يقود إلى مكتب مدير المخابرات العامة، الذى سمع طرقات مألوفة، على باب الحجرة، فقال دون أن يلتفت إلى الباب:

          - ادخل يا سيَّد (حسام).

دلف (حسام)، نائب مدير المخابرات إلى المكتب، وبدا توتر ملحوظ على ملامحه، على نحو جعل مدير المخابرات يسأله فى اهتمام قلق:

          - ماذا لديك من جديد يا (حسام) ؟!

لوَّح (حسام) بتقرير فى يده، وهو يجيب:

          - برنامج التعرَّف الجديد على الوجوه يا سيادة الوزير ... إنه أقوى بخمس مرات مما كان لدينا سابقاً ...

غمغم المدير فى ترَّقب:

          - فليكن.

تابع (حسام):

          - كنا نختبره فى القسم الفنى، عندما فكَّر أحد الفنيين هناك، فى تجربته مع فيلم آلة التصوير، فى تلك المدرسة الخاصة فى (بئر سبع).

تزايد قلق مدير المخابرات، وإن ظل مستتراً فى أعماقه، وهو يقول:

          - أتعنى ذلك، الذى كشف وجه (منى)، أسفل قناع العجوز، وهى تستعيد (آدم) ابن (ن-1) من هناك.

حمل صوت (حسام) كل توتره، وهو يجيب بإيماءة من رأسه، مكملاً:

          - البرنامج الجديد يتعمَّق أكثر يا سيادة المدير، ولهذا فقد كشف ما تحت وجه (منى).

اعتدل المدير بحركة حادة، هاتفاً:

          - تحت وجه (منى) ؟!... ما الذى يعنيه هذا.

وضع (حسام) التقرير أمام المدير، وهو يقول:

          - إنها لم تكن (منى) يا سيادة المدير ... لقد كان قناعاً مزودجاً ... أحدهم افترض أننا سنستخدم هذه الوسيلة، فأوهمنا أنها (منى).

انعقد حاجبا المدير فى شدة، وهو يطالع الصور التى أمامه، قبل أن يرفع عينيه إلى (حسام)، قائلاً بكل لصرامة:

          - اجمع رؤوساء الأقسام فوراً... من الواضح أننا أمام أخطر خدعة واجهتها المخابرات فى تاريخها، ولا يمكننا السكوت على هذا ..

وتم تنفيذ الأمر على الفور ...

فالخدعة كانت بالفعل شديدة الخطورة...

إلى أقصى حد ...

*                           *                           *

" ماذا فعلت بالظبط يا (صروَّف ) ؟!... "..

هتف بها المدير المالى لشركة (أميجو) الأمريكية، فى وجه (أدموند صرَّف)، مسئول النقل، الذى بدا عليه الاضطراب، وهو ينهض مغمغماً:

          - وماذا فعلت يا مستر (كارل).

صاح به (كارل) فى غضب:

          - الأوراق التى معى، تثبت أنك قد قمت بتصرفات مالية غير مقبولة، دون الرجوع إلىَّ، أو إلى المدير التنفيذى.

اضطرب (صرَّوف) أكثر، وبدا اضطرابه واضحاً، فى ارتعاشة يده، وهو يجيب:

          - كانت صفقة جيدة يا مستر (كارل) ... ملياردير طلب استعمال طائرة الشركة الخاصة؛ لنقل سيدة عجوز إلى (مصر)، وأنت تعلم كم يهتم سنيور (أميجو) بكل ما يخص (مصر).

صاح فيه:

          - سنيور (أميجو) مختف تماماً، منذ عدة أشهر، وأنت تعلم أن مجلس الإدارة قد اتخذ قراراً بنقل مستر (كلارك) إلى منصب رئيس مجلس الإدارة، لحين تحديد موقف سنيور (أميجو)، أو ظهور من تنتقل إليه المسئولية القانونية.

غمغم (صرَّوف):

          - ولكن سنيور (أميجو) ...

ضرب المدير المالى سطح مكتب (صرَّوف) براحته فى قوة، وهو يصيح فى وجهه:

          - لا تردَّد اسم سنيور (أميجو) على هذا النحو ... صحيح أنه يمتلك النصيب الأكبر، من أسهم هذه المؤسسة، إلا أنه هناك مئات من حملة الأسهم، يمكنهم توجيه الاتهام إلينا، لو راودهم الشك فى حساب المصروفات.

ثم استند براحتيه على سطح المكتب، وهو يميل بنصفه العلوى كله نحو (صرَّوف)، صائحاً فى حدة:

          - أنا مضطر لتوجيه الاتهام إليك، قبل أن يوجَّهه حملة الأسهم إلينا.

امتقع وجه صرَّوف، وهو يقول:

          - كنت مضطراً يا مستر (كارل) ... كنت تحت تهديد مخيف.

تراجع الرجل فى دهشة شديدة، وهو يردَّد:

          - تحت تهديد مخيف ؟!... أى تهديد هذا ؟!

انهار (صرَّوف) على مقعده، وهو يقول:

          - لقد هدَّد بقتل زوجتى … وأصابها بعدة إصابات بالفعل ...

هتف به الرجل ذاهلاً:

          - من هو يا (صرَّوف) ؟!... من فعل هذا ؟!

رفع (صرَّوف) إليه عينين مغرورقتين بالدموع، وهو يقول بصوت مختنق:

          - يطلقون عليه اسم (لوجراند) ... وهو رجل قاس، لا يعرف الرحمة، و ...

لوهلة،رأى المدير المالى ما يشبه الوميض، عند المبنى المقابل، عبر زجاج حجرة مكتب (صرَّوف)، وقبل ان يتساءل عن ماهيته، سمع صوت تحطَّم زجاج، ثم اندفع (صرَّوف) إلى الأمام بحركة عنيفة، وسقط ليرتطم رأسه بسطح مكتبه، الذى انتشرت فوقه فى سرعة، بقعة من الدماء، التى تنزف من مؤخرة رأسه ...

وتراجع المدير المالى فى ذهول شديد، ثم راح يصرخ ...

ويصرخ ...

ويصرخ ...

بلا انقطاع ...

*                           *                           *

أوقف (ريو بتشولى)، أشهر سائق تاكسى فى (باريس) سيارته، التى تم تجديدها بالكامل، أمام تلك البناية، التى تبعد مائة متر تقريباً عن برج (ايفل)، وهبط منها فى هدوء، وهو يربَّت على مقدمتها، كما لو كانت حبيبة عمره، وتطَّلع إليها فى حب واضح، قبل ان يعَّدل هندامه، ويتجه نحو مدخل البناية، قائلاً للحارس الواقف أمامها:

          - كنت ابحث عن حجرة خالية.

أجابه الحارس فى هدوء شديد:

          - فى أى طابق تريدها ؟!

شدَّ (ريو) قامته فى اعتداد، وهو يجيب:

          - الثالث تحت الأرضى.

أفسح له الحارس المجال بنفس الهدوء، فدلف (ريو) إلى البناية، والتقط نفساً عميقاً، قبل أن يتجه نحو المصعد القديم فى الطابق الأرضى، وهو يقول للحارس الثانى، الواقف إلى جواره:

          - ( لوجراند) فى انتظارى.

غمغم الحارس الثانى:

          - أعلم هذا.

ثم فتح له باب المصعد فى احترام، فدلف إليه (ريو)، ووقف داخله ساكناً، دون أن يضغط أية أزرار، وعلى الرغم من هذا، فقد راح المصعد يهبط به، عبر ممر ضيق، حتى توَّقف بعد طابقين تحت مستوى الأرض ...

وفى هدوء، غادر (ريو) المصعد إلى ممر طويل مضاء، يقف به حارسان، اتجه نحوه احدهما، وراح يفتشه فى سرعة ودقة، تشفان عن خبرته الطويلة فى هذا المجال، قبل أن يعتدل، قائلاً فى خشونة:

          - إنه فى انتظارك.

قالها وهو يشير إلى باب فى نهاية الممر، اتجه نحوه (ريو)، ووضع راحته كلها على شاشة خضراء مجاورة له، فتحَّرك عليها خيط من الضوء، يفحص بصمات يده كلها، قبل أن يضاء مصباح أخضر فوق اللوحة، وينفتح باب الحجرة أمامه ...

كانت حجرة كبيرة، بالغة الذوق والأناقة، يجلس فى ركنها رجل فخم المظهر، فى نهاية الأربعينات من عمره، يرتدى بدلة كاملة، ورباط عنق، يزيَّنه دبوس كبير من الماس، وعلى ساقيه يرقد كلب صغير الحجم، تداعبه يده طوال الوقت، وأمامه شاشة كبيرة، مقسَّمة إلى عدة مشاهد، يتابعها كلها فى آن واحد ...

ودون أن يلتفت إلى (ريو)، سأله فى صرامة:   

          - هل أنهيت مهمتك ؟!

أومأ (ريو) برأسه إيجاباً، وقال فى زهو، هو جزء من شخصيته:

          - لن يعثروا أبداً على ذلك الألمانى.

سأله (لو جراند) بنفس الصرامة:

          - تأكَّدت من عدم عثورهم عليه ؟!

لوَّح (ريو) بيده، فى حركة مسرحية، وهو يجيب:

          - إنه يرقد بسلام فى قاع (السين)، وحوله حجر يزن نصف طن.

ثم أضاف ممازحاً:

          - ( ريو ) لا يلوَّث يديه بالدماء أبداً.

رمقه ذلك الرجل، الذى يطلقون عليه اسم (لو جراند)، بنظرة تشف عن عدم تقبَّل ذلك الأسلوب، قبل أن يقول:

          - لقد أحسنت لعب ذلك الدور المزدوج ... تلك الصينية مازالت تصَّر على أنك (أدهم صبرى)، فى تحقيقات النيابة.

قهقه (ريو) ضاحكاً، على نحو لم يرق للرجل، قبل أن يلوَّح بيده مرة أخرى، على ذلك النحو المسرحى، قائلاً:

          - وذلك البدين أيضاً تصوَّرنى كذلك لبعض الوقت ... ثم تصوَّر أننى آت من قبل ذلك الـ (صبرى)، عندما أعطيته سلة الطعام، التى أرسلتها أنت له.

صمت (لو جراند) لحظات، قبل ان يقول فى بطء، ويده مازالت تداعب كلبه الصغير فى نعومة:

          - قناعتهم بهذا، هى التى ستوقف بحثهم عنه.

سأله (ريو) فى حيرة:

          - وبم يفيدك توَّقف بحثهم عنه ؟!

صمت (لو جراند) طويلاً، قبل أن يجيب فى بطء:

          - لن تفهم.

انفرجت شفتا (ريو) ليقول شيئاً، ثم سرعان ما عاد يطبقهما ...

فصحيح أنه قد تلقى تدريبات عنيفة، إبان عمله كعميل للمخابرات الروسية، ولكن مع عقلية رجل مثل (لو جراند)، لن يمكنه بالفعل أن يفهم ما يدور داخل رأسه ...

لن يمكنه أبداً.

*                           *                           *

معرض الكتاب ٢٠١٦

 

البُقعة .. ملف المستقبل

 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (9 منشور)

avatar
راشد البحرين 12/11/2015 14:39:08
الله الله الله...... سلمت أناملك السحرية في كتابة خدعة القرن يا إيان فلمنغ القرن
avatar
منار 30/12/2015 14:59:18
رائعة ومشوقة للغاية يا دكتور نبيل :)
حفظك الله ورعاك ووفقك
avatar
عزه 25/01/2016 20:03:53
يسلمى ايدك رائع جدا ....... ننتظر البقية بفارغ الصبر .... ارجو ألا تتأخر علينا
avatar
محمود حمدي 09/04/2016 02:19:44
انت فنان عبقري بجد انا عندي 36 سنة وبتابعك وكل اعمالك من اول عدد اصدرته من سنين بجد الف شكر ليك علي ابداعاتك التي لا تنتهي ابدا ويارب تكمل اعمالك ولا تتوقف ابدا
avatar
mahmoud hamdy 09/04/2016 02:20:34
انت فنان عبقري بجد انا عندي 36 سنة وبتابعك وكل اعمالك من اول عدد اصدرته من سنين بجد الف شكر ليك علي ابداعاتك
avatar
mahmoud hamdy 09/04/2016 02:22:15
انت فنان عبقري بجد انا عندي 36 سنة وبتابعك وكل اعمالك من اول عدد اصدرته من سنين بجد الف شكر ليك علي ابداعاتك
avatar
علي 17/04/2016 07:39:47
الرواية اعتمدت على الذكاء بس لنت سبت مصيرؤ الشخصيات مجهول يترى حتعمل جزء ثاني وانا صراحة ما لاقيت فيه الحس الاكشن بتاع ادهم صبري وهو ما كان سيد الاحداث زي ما تعودنا علشان كده ما اقدر اقول ان الرواية عجبتني
avatar
مريم 12/12/2016 22:54:29
هل سيصدر جزء ثاني للروايه.
avatar
مريم 12/12/2016 22:55:25
هل سيصدر جزء ثاني للروايه
المجموع: 9 | عرض: 1 - 9

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال