الرئيسية | اخبار | البقعة (ملف المستقبل)

البقعة (ملف المستقبل)

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
البقعة (ملف المستقبل)

سلسلة الأعداد الخاصة – عدد خاص جداً ملف المستقبل  (البقعة)

   1-غموض

شعاع أزرق دقيق، من ليزر هادئ، انبعث من جهاز أمن مركز الأبحاث، التابع للمخابرات العلمية المصرية، وراح يفحص قزحية عين ذلك الرجل الواقف أمامه، قبل أن ينبعث صوت اليكترونى من الجهاز :

    - ضع سبَّابتك على الدائرة الزرقاء من فضلك ..

وضع الرجل سبَّاته، حيث طلب منه الجهاز، وشعر بوخذة دقيقة فى منتصفها، قبل أن ترتسم على الشاشة أمامه خارطة لحمضه النووى، أعقبتها صورته وبياناته الكاملة، مع ذلك الصوت الإليكترونى يقول فى آلية :

    - مرحباً بك فى مركز الابحاث يا دكتور (توفيق).

ابتسم الرجل فى هدوء، والباب ينفتح أمامه فى نعومة، ويظهر خلفه الدكتور (مندور)، مدير المركز، وهو يستقبله فى ترحاب:

    - أهلاً يا دكتور (توفيق) ... أدهشتنى بحق أن أعلم أنك طلبت مقابلتى؛ فقد انقطعت كل أخبارك، منذ ذلك المؤتمر فى (الاسكندرية).

صافحه (توفيق) فى هدوء، وسار إلى جواره، وهو يتأمل ما حوله، قائلاً:

    - تذكر جيداً كيف سخروا منى حينذاك.

هزَّ الدكتور (مندور) كتفيه، قائلاً:

    - كان عليك أن تصمد، على الرغم من هذا، مادمت تؤمن بنظريك.

ابتسم (توفيق) ابتسامة باهتة، وهو يقول فى شئ من الشرود:

    - تطويع الخلية البشرية كان يفوق إدراكهم.

قادة الدكتور (مندور) إلى معمله، وهو يغمغم:

    - ويفوق كل الدراسات العلمية أيضاً ... ولا تنس أنك لم تقدَّم دليلاً واحداً على نظريتك، سوى ما كتبته فى دراستك.

لم يبد (توفيق) اهتماماً بما قاله الدكتور (مندور)، وهو يسأله:

    - ولكننى علمت أنكم تقومون هنا بأبحاث حول الخلايا البشرية.

تردَّد (مندور) لحظة، قبل أن يجيب:

    - ليست لها علاقة بدراستك.

لم ترق ابتسامته للدكتور (مندور)، وهو يسمعه يقول، فى لهجة شبه ساخرة:

    - من أدراك ؟!

جلس الدكتور (مندور) خلف مكتبه، وهو يسأله فى لهجة، تسللت إليها، على الرغم منه، لمحة من الصرامة:  

    - ما سر زيارتك لنا يا دكتور (توفيق) ؟!

أشار الدكتور (توفيق) إلى الكمبيوتر أمام الدكتور (مندور)، متسائلاً فى اهتمام.

    - هذا الكمبيوتر يتصل بكل معامل الأبحاث هنا... أليس كذلك ؟!

غمغم الدكتور (مندور) بكل القلق، وسبَّابته تتسلَّل إلى زر الامن تحت سطح مكتبه:

    - دكتور ( توفيق) .. إن لم تعلن السبب الفعلى لقدومك إلى هنا، وطلب مقابلتى، فسأضطر إلى استدعاء الأمن.

قال (فائق) فى سخرية مخيفة:

    - سيحتاجون إلى سبع ثوان؛ للوصول إلى هنا، وهى فترة تكفينى كثيراً.

وضع الدكتور (مندور) سبَّابته على زر الأمن، وهو يقول فى صرامة محذرَّة:

    - ربما كان الدخول إلى هنا صعباً، ولكن الخروج أكثر صعوبة، ما لم ...

قبل أن يتم عبارته، هوى الدكتور (توفيق) على فكه بلكمة هائلة، بدت له أشبه بقنبلة انفجرت فى فكه، فدارت عيناه فى محجريهما، وضغطت سبَّابته زر الأمن بحركة غريزية، فانطلق إنذار الأمن فى المركز كله، وتحرَّك رجال الأمن على الفور ...

ودون أن يبدى (توفيق) أدنى اهتمام، أخرج من جيبه قطعة مستديرة من البلاستيك، ألصقها على جانب كمبيوتر الدكتور (مندور)، فتحوَّل لونها من الأبيض إلى الأزرق، ثم إلى الأحمر، فى غضون ثانية واحدة ...

وبكل قوتهم، اقتحم رجال أمن مركز الأبحاث، وهم يشهرون مدافعهم الليزرية، و ...

ولكن المكان كان خالياً، إلى من بقعة وردية على أرضية الحجرة، حيث كان يقف الدكتور (توفيق) ...

أما الدكتور (توفيق) نفسه، فقد اختفى كل أثر له ...

تماماً ...

*            *            *

" وهل قام رجال الأمن بتفتيش المكان ؟!... "

ألقى (نور) السؤال، وهو يقف أمام القائد الأعلى للمخابرات العلمية، والذى حمل صوته الكثير من التوتر، وهو يجيب:

    - لقد فتشوا كل شبر فى مركز الأبحاث كله، بل كل سنتيمتر، ولم يعثروا له على أدنى أثر، وكل آلات المراقبة فى المكان، لم ترصد تجواله فى المكان، أو خروجه منه ..... الرجل ثلاشى تماماً أيها المقدَّم (نور)، وكأنه لم يكن .

غمغم (نور) فى تفكير عميق :

    - البشر لا يتبخرون على هذا النحو يا سيدَّى.

هزَّ القائد الأعلى كتفيه، قائلاً:

    - كل ما تركه خلفه هو بقعة جيلاتينية وردية اللون، وقطعة من البلاستيك، تحوى دوائر ميكروسكوبية رقمية دقيقة للغاية، يعكف خبراؤنا على دراستها الآن، فقد كانت ملصقة بالكمبيوتر المركزى، فى مكتب الدكتور (مندور)، الذى نجا من الحادث بأعجوبة.

تساءل (نور) فى اهتمام:

    - ألم تكن هناك كاميرا فى حجرة الدكتور (مندور) ؟!

أجابه القائد الأعلى، وهو يعود إلى مكتبه:

    - رصد ما يحدث فى حجرة مدير مركز الأبحاث، يتعارض مع إجراءات الامن أيها المقدَّم.

تساءل (نور) مرة أخرى:

    - وماذا عن تلك البقعة الجيلاتينية ؟!

أشار القائد الأعلى بيده، مجيباً:

    - علماؤنا يدرسونها أيضاً.

صمت (نور) بضع لحظات مفكراً، ثم مال ليستند براحتيه على سطح مكتب القائد الأعلى، وهو يقول فى حزم:

    - سيدى القائد الأعلى، تجاربى السابقة علمتنى، أن كل لغز غامض لابد له من تفسير، حتى ولو بدا مذهلاً أو مستحيلاً، وسأجمع فريقى فوراً للبحث عن هذا التفسير، ولكن لى طلب واحد ضرورى.

واستمع إليه القائد الأعلى بكل الاهتمام ...

ووافق على مطلبه ...

فوراً...

*            *            *

رفعت (نشوى)، ابنة (نور) و(سلوى) عينيها، عن عدسة ذلك الميكروسكوب النانورقمى الفائق، وهى تقول فى دهشة:

    - هذه القطعة أشبه بكمبيوتر فائق، يحوى ذاكرة هائلة، على الرغم من صغرها، وهى مزوَّدة أيضاً بجهاز اتصال لاسلكى شديد التطوَّر ... كيف أمكنك إقناعهم بمنحك إياها يا أبى ؟!.

أجابها (نور) فى اهتمام:

    - كلنا نعمل فى فريق واحد  يا (نشوى)، وتعاملنا مع الأدلة المتوافرة مباشرة، يجعل الأمور أسهل وأسرع.

غمغمت (سلوى):

    - ولكن هذه القطعة المدهشة، تحتاج إلى إمكانيات تفوق ما لدينا؛ لفحصها وفهم طريقة عملها يا (نور).

بدا (أكرم) متبَّرماً، وهو يعبث بمسدسه التقليدى، قائلاً:

    - ولماذا لا نراجع كل ما لدينا، عن ذلك المدعو (فائق)؛ لنعرف بمن كان يتصل، ولحساب من كان يعمل ؟!

أجابه (نور) فى حزم:

    - لقد أوكلت هذه المهمة لـ( رمزى )، وهو يجمع كل المعلومات الآن عن الرجل …  الشخصية والنفسية.

تساءلت (سلوى):

    - وماذا عن تلك البقعة الجيلاتينية ؟!

بدا (نور) مرهقاً، وهو يجيب:

    - الدكتور (محمد حجازى) انضم إلى فريق العلماء، الذى يقوم بفحصها، وسيوافينا بالنتائج بعد قليل.

ران الصمت على القاعة بضع لحظات، قبل ان يقول (أكرم) فى ضيق:

    - يبدو أنها مهمة أخرى، لا مكان لى فيها.

غمغم (نور)، دون أن يلتفت إليه:

    - من يدرى؟!

ارتفع رنين ساعة الاتصال حول معصمه، فى هذه اللحظة، فرفعها بسرعة إليه، وضغط زر الاتصال؛ ليسمع الجميع صوت الدكتور (حجازى)، وهو يقول :

    - النتائج مخيفة يا (نور).

العبارة أثارت توتر الجميع، وتساءل (نور) فى حزم:

    - ماذا لديك يا دكتور (حجازى) ؟!

أجابه كبير الأطباء الشرعيين، فى صوت لا يقل عنه توتراً:

    - تلك البقعة عبارة عن خلايا بشرية ذائبة يا نور ... ليست محترقة، ولكن ذائبة، وكأن شيئاً ما قد طحنها فى خلاط هائل، حتى تحوَّلت إلى سائل جيلاتينى مندمج.

نظر الكل إلى بعضهم البعض فى دهشة، قبل أن يتساءل (نور):

    - هل تعنى أن الدكتور (توفيق) قد ذاب تماماً، بعد أن اعتدى على الدكتور (مندور) فى مكتبه ؟!

قال الدكتور (حجازى)، فى توتر أكثر:

    - وماذ عن ملابسه وحذائه، وحتى حزام سرواله ... البقعة تحوى الخلايا البشرية الذائبة فحسب.

مرة أخرى ساد الصمت داخل القاعة لثوان، قبل أن يتساءل (نور)، فى صوت مبحوح قليلاً، من فرط الانفعال:

    - وهل هناك وسيلة لاستخلاص الحمض النووى، من تلك الخلايا الذائبة ؟!

صمت الدكتور (حجازى) هذه المرة لثانية أو ثانيتين، قبل أن يجيب:

    - لم يكن هذا ممكناً فى البداية، ولكن العلماء هنا عباقرة بحق ... لقد وجدوا وسيلة شديدة التعقيد، ولكنها أسفرت عن نتيجة إيجابية إلى حد كبير.

هتف (أكرم)، وقد فاض صبره؛ مع كثرة المعلومات العلمية المتداولة:

    - وما هى ؟!

أجابه الدكتور (حجازى) فى سرعة:

    - وفقاً للسجلات الرسمية، فالحمض النووى، يعود إلى الدكتور (توفيق)، دون أدنى مجال للشك.

التقط (نور) نفساً عميقاً، فى محاولة لتهدئة أعصابه، قبل ان يقول:

    - فليكن يا دكتور (حجازى) ... أبلغنا أية إضافة جديدة، يمكن أن تتوصلوا إليها.

أنهى الاتصال، والتفت إلى رفاقه، قائلاً:

    - يبدو أن اللغز يزداد تعقيداً يا رفاق.

غمغم (أكرم)، وهو يتلاعب بمسدسه فى توتر :

    - الرجل ذاب داخل مكتب مغلق، دون أن يترك خلفه سوى بقعة، من خلاياه الذائبة.

قالت (سلوى):

    - الأعجب أنه ليست هناك أية علامات، لاستخدام طاقة ما، داخل المكتب المغلق، تسمح بذوبان كائن بشرى كامل.

قالت (نشوى) وهى تعيد عينيها إلى عدسة الميكروسكوب النانورقمى:

    - ربما يكمن السر فى تلك الدائرة شديدة الدقة، التى تركها خلفه.

حمل صوت (نور) تفكيره العميق، وهو يقول، وكأنه يحدَّث نفسه:

    - لقد ألصقها فى كمبيوتر الدكتور (مندور)، وربما هذا ما منحه الطاقة اللازمة للانتحار.

اعتدل (أكرم) بحركة حادة، وهو يقول:

    - هل تشير إلى أنها حالة انتحار يا (نور) ؟!

قال (نور)، مواصلاً أسلوبه، الشبيه بالحديث إلى نفسه:

    - الرجل لم يربح شيئاً مما فعله ... طلب مقابلة الدكتور (مندور)، بعد اختفاء دام عدة أشهر، وتحدَّث عن سخرية المجتمع العلمى منه، ثم ألصق تلك القطعة المدهشة بكمبيوتر الدكتور (مندور)، وذاب بعدها تماماً.

اعتدلت (نشوى)، وهى تقول:

    - لدى نظرية مختلفة تماماً يا أبى ... تلك القطعة لديها قدرة مدهشة، على الاتصال بأى جسم رقمى تلتصق به، وهى قادرة، من خلال سرعتها الفائقة، وقدرتها التخزينية الجبارة، على سحب كل المعلومات، حتى بالغة السرية منها، من كمبيوتر الدكتور (مندور)، المتصل بكل معامل مركز الأبحاث.

سألها (نور) فى اهتمام وتفكير:

    - وبم سيفيد منها، مادام سينهى حياته ؟!

ثم رفع سبَّابته، مستطرداً فى حماس:

    - مهلاً... (نشوى) أشارت إلى أن تلك القطعة لديها نظام اتصال لاسلكى شديد التطوَّر.

قال (أكرم)، وقد انتقل إليه الحماس:

    - كان إذن ينقل تلك المعلومات إلى جهة أخرى.

هتف (نور) فى صرامة:

    - هذا، لو صح، ينقل الأمور إلى مستوى شديد الخطورة يا رفاق.

قالت (سلوى) فى حيرة:

    - ولكنه انتحر بعدها يا (نور)، فبم يفيد من نقله للمعلومات ؟!

أجابها (أكرم) فى حزم:

    - الانتقام.

قبل أن يعلَّق أحدهم، دخل (رمزى) القاعة، وهو يقول:

    - سبب منطقى للغاية يا ( أكرم ).

التفت إليه (أكرم) فى انفعال:

    - حقاً ؟!

أشار (رمزى) بيده، قائلاً:

    - لقد راجعت كل ما يتعَّلق بالرجل، طوال أشهر اختفائه، زرأيى المهنى هو أنه قد فقد توازنه النفسى، منذ سخر منه المجتمع العلمى، فى مؤتمر (الاسكندرية)، وصارت لديه نزعة سادية للانتقام، من المجتمع العلمى كله، وربما لهذا اختار مركز الأبحاث العلمية، أكبر صرح علمى فى (مصر).

هتف (أكرم)، وقد تضاعف حماسه:

    - كنت أعلم هذا.

أجابه (نور) فى حزم:

    - هذا لم يحل لغز ذوبان الدكتور (فائق)، على هذا النحو العجيب.

تنَّهد (رمزى)، وهو يقول:

    - الواقع أن هذا اللغز يحوى أكبر قدر من الغموض، الذى يتزايد مع كل مرحلة يا (نور)، حتى أننى أتساءل، أى غموض آخر، يمكن أن يحمله لنا.

" مساء الخير أيها السادة ..."

انطلقت العبارة، فور انتهاء (رمزى) قوله، فالتفت الكل إلى صاحبها على نحو غريزى، ثم اتسعت العيون كلها فى ذهول، فما يرونه أمامهم كان حقاً مذهلاً ...

وإلى أقصى درجات الذهول.

*            *            *

 

معرض الكتاب ٢٠١٦

 

خدعة القرن .. رجل المستحيل

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (4 منشور)

avatar
راشد البحرين 12/11/2015 15:15:59
تحفة أدبية رائعة..... أنت فخر لمصر و الوطن العربي..... متمنيا لك المزيد من التألق و النجاح و التقدم بإذن الله
avatar
إبراهيم 11/12/2015 07:00:49
أطال الله عمرك يا د.نبيل و من عليك بالصحة والعافية ، وبارك لك في عمرك...أنا أقرأ لك منذ الثمانينات..أنت بالنسبة إلينا أكثر من مؤلف...
avatar
أحمد نجيب حسان 26/01/2016 20:47:05
ما زلت تبهربنا كعادتك
avatar
أحمد نجيب حسان 26/01/2016 20:48:14
ما زالت تبهربنا كعادتك
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال